العودة الى قائمة المواضيع

 اطبع هذا المقال

 

 البرهان على صحة الكتاب المقدس


هل العهد القديم موثوق تاريخياً ؟

 

موثوقية مخطوطات العهد القديم
 

النقل النصي: ما مدى دقة عملية النسخ؟
 
عدد المخطوطات
تاريخ نص العهد القديم
مخطوطات البحر الميت
برهان المخطوطات غير العبرية
  ملخص
البرهان الأثري والتاريخي للعهد القديم
 
تمهيد وتعريف
كلمة تحذير
تفسير المعلومات الأثرية
الأسباب الأساسية للاهتمام المتزايد بعلم الأثار
الحجارة تصرخ: أمثلة للبرهان الأثري للعهد القديم
البرهان الوثائقي لروايات العهد القديم
شهادة العهد الجديد لصحة العهد القديم
 
شهادة يسوع
شهادة كتاب العهد الجديد

 

1(أ) موثوقية مخطوطات العهد القديم
يركز هذا الفصل على الموثوقية التاريخية للعهد القديم، حيث أن الكثير من البراهين التي نتناولها هنا تختلف عن تلك التي للعهد الجديد. وفي الفصلين الثالث والرابع نتناول الموثوقية التاريخية للكتاب المقدس وليس صحة وحيه. أما وحي الكتاب المقدس فيغطيه الجزء الثاني من هذا الكتاب.

تظهر موثوقية العهد القديم من خلال ثلاثة محاور رئيسية على الأقل: (1) النقل الحرفي (دقة عمليات النسخ على مرّ التاريخ، (2) البراهين القاطعة التي كشف عنها علم الآثار والتي تؤيد صحة العهد القديم، (3) البراهين الوثائقية التي كشف عنها أيضاً علم الآثار.

 

1(ب) النقل الحرفي: ما مدى دقة عملية النسخ؟
إن جزءاً من دراسة الموثوقية التاريخية للعهد القديم يتعلق بفحص النقل الحرفي (انتقال النصوص الأصلية للكتابات حتى تصل إلى النسخ المطبوعة لدينا اليوم). وكما هو الحال بالنسبة لكتابات العصور القديمة، ليس لدينا الوثائق الأصلية للعهد القديم. ولكن دقة النسَّاخ العبرانيين مذهلة إذا ما قارنَّا الكتاب المقدس بغيره من نصوص الكتابات القديمة.

يقول جليسن أركر:

ما ينبغي علينا إدراكه في هذا المقام (أي موضوع انتقال النص)، هو أن العهد القديم يختلف عن جميع الأعمال الأدبية الأخرى التي كتبت قبل المسيحية والتي نعرفها. ونشير هنا على أنه ليس لدينا مثل هذا الكمّ الكبير من المخطوطات التي وصلت إلينا من عصور متباعدة لأي من المؤلفات الوثنية كما هو الحال بالنسبة للعهد القديم. وأينما وجدت مثل هذه المؤلفات، مثل «كتاب الموتى» المصري، فإن الاختلافات فيما بينها كثيرة وخطيرة للغاية. إذ أن هناك فارق كبير مثلاً بين الفصل الخامس عشر الموجود في بردية أني (التي كتبت في زمن الأسرة الثامنة عشرة) وبردية تورين (التي ترجع إلى زمن الأسرة السادسة والعشرين أو ما بعد ذلك)، إذ أُدرجت جملاً بأكملها وحُذفت أخرى. كما يتفاوت المعنى بين الأعمدة المتناظرة للنصوص بشكل كامل في بعض الأحيان. وبغضّ الطرف عن العناية الإلهية التي حفظت النصوص العبرية حتى وصلت إلينا، فليس هناك سبب لعدم وجود ظاهرة التنوع والاختلاف نفسها بين المخطوطات العبرية التي دوِّنت في قرون متباعدة. فعلى سبيل المثال، رغم أن النسختين المكتشفتين لسفر إشعياء في كهف قمران الأول بالقرب من البحر الميت عام 1947 كانتا أقدم بألف عام من أقدم مخطوطة كانت معروفة آنذاك (980م)، إلا أنهما برهنتا على مطابقتهما لنص الكتاب المقدس العبري الذي بين أيدينا بنسبة 95 بالمائة من مجمل النص. أما الخمسة بالمائة الباقية فتشتمل بشكل رئيسي على زلات النسخ واختلافات في الأشكال الإملائية للكلمات. ولا تؤثر هذه على رسالة الوحي بأي حال من الأحوال.

ويتتبع روبرت ديك ويلسون من خلال ملاحظاته الرائعة صحة وموثوقية الكتاب المقدس منذ زمن الحضارات القديمة التي كانت تحيط بإسرائيل في العهد القديم:

تحتوي الأسفار المقدسة العبرية أسماء ستة وعشرين ملكاً أو أكثر ذُكرت أسماؤهم في وثائق معاصرة لهؤلاء الملوك. وقد تبين أن الحروف الهجائية لأسماء معظم هؤلاء الملوك المنقوشة على آثارهم أو المدونة في وثائق ترجع إلى العصر الذي كانوا يحكمون فيه هي نفس الحروف الهجائية الواردة في نصوص العهد القديم. أما اختلافات االتهجي في البعض الآخر فهي تتفق مع قواعد علم الصوتيات التي كانت سائدة وقت تدوين النصوص العبرية. وفي حالتين أو ثلاث فقط هناك حروف أو أشكال للهجاء لم يتم التأكد من تفسيرها حتى الآن. إلا أنه حتى في هذه الحالات القليلة لا يمكن اعتبار التهجي الذي ورد في النص العبري تهجياً خاطئاً. ومن ناحية أخرى، فإن أسماء الكثيرين من ملوك يهوذا وإسرائيل وجِدت في الوثائق الأشورية المعاصرة لهم بنفس الحروف الهجائية التي وردت في النص العبري الموجود الآن.

وفي 144 حالة للنقل من اللغات المصرية والأشورية والبابلية والموآبية إلى اللغة العبرية وفي 40 حالة أخرى للنقل في الاتجاه المعاكس، أي في 184 حالة تشير الأدلة إلى أنه على مدى 2300-3900 عام تم نقل الأسماء بدقة بالغة في مخطوطات الكتاب المقدس العبري. أما وأن الكتبة الأصليين قد دوَّنوها بهذه الدقة البالغة ومراعاتهم للقواعد اللغوية الصحيحة، فهو دليل رائع على علمهم وحرصهم الشديد، فضلاً عن ذلك فإن نقل النسَّاخ للنص العبري عبر هذه القرون الطويلة يعد ظاهرة لا مثيل لها في تاريخ الأدب.

ويواصل ويلسون قائلاً:

ولا ينبغي لدارسي نصوص الكتاب المقدس سواءً كانوا مهاجمين له أو مدافعين عنه أن يفترضوا ولو للحظةٍ واحدة أن هذه الترجمة الدقيقة وهذا النقل الصحيح لأسماء الأعلام هو أمر سهل أو عادي. وفي هذا المقام أود أن ألفت انتباه القارئ الذي ليس له دراية بهذه الأمور إلى أسماء ملوك مصر كما ذكرها مانيتو وكما تظهر على الآثار المصرية. كان مانيتو رئيساً للكهنة لهياكل الأوثان في مصر في زمن بطلميوس فيلادلفيوس أي حوالي 280 ق.م. وقد ألَّف عملاً عن أسر ملوك مصر، بقيت بعض أجزائه في أعمال يوسيفوس ويوسابيوس وغيرهم. ومن بين ملوك 31 أسرة يذكر 40 اسماً من 22 أسرة. ومن بين هذه يظهر 49 اسماً على الآثار بشكل يوافق التهجي الذي ذكره مانيتو، وهناك 28 اسماً آخر يمكن التحقق منها جزئياً. أما الأسماء الثلاثة والستون الباقية فلا يمكن التحقق من أي مقطع فيها. وإن كان صحيحاً أن مانيتو نفسه نقل هذه القوائم من السجلات الأصلية -إذ أن نقله لتسعة وأربعين اسماً بشكل صحيح يؤيد هذا الفرض- فإن مئات الاختلافات والأخطاء في خمسين أو أكثر من هذه الأسماء التي لم يمكن التحقق منها لابد أنها ترجع إلى أخطاء مانيتو في النسخ أو أخطاء النسَّاخ الذين نقلوا النص من بعده.

ويضيف ويلسون أن هناك ما يقرب من أربعين من هؤلاء الملوك عاشوا فيما بين عامي 2000 ق.م. و400 ق.م. ويظهر كل منهم في تسلسل تاريخي: بالإشارة إلى ملوك هذه الدولة وملوك الدول الأخرى ... ليس هناك دليل آخر يمكن تصوره على دقة روايات العهد القديم أقوى من هذه المجموعة من الملوك. وفي ملاحظة هامشية يحسب ويلسون احتمال حدوث ذلك عن طريق الصدفة: وحسابياً، فهناك احتمال من بين 750 ألف مليون مليون مليون احتمال أن تكون هذه الدقة من قبيل الصدفة.

وانطلاقاً من هذه البراهين يصل ويلسون إلى النتيجة التالية:

لا يمكن إنكار الدليل على أن نسخ الوثائق الأصلية قد وصلت إلينا بشكل صحيح تماماً على مدى أكثر من ألفي عام. أما انتقال النسخ التي وجدت منذ ألفي عام على نحو مماثل انحداراً من النسخ الأصلية فلا يُعد أمراً ممكناً فحسب، ولكنه، وكما أوضحنا، أصبح كذلك عن طريق التماثل بين الوثائق البابلية الموجودة حالياً، والتي لدينا النصوص الأصلية لها والنسخ المنقولة عنها، حيث يفصل بينهما آلاف السنين، وكذلك التماثل بين عشرات المخطوطات البردية التي تبين عند مقارنتها بالنسخ الحديثة للمؤلفات الكلاسيكية أنه لم يطرأ على النصوص سوى تغييرات طفيفة على مدى أكثر من ألفي عام، كما يتبين ذلك من البراهين العلمية على الدقة التي نقلت بها أسماء الملوك وطريقة تهجئتها الصحيحة وكذلك المفردات الأجنبية الكثيرة الموجودة في النصوص العبرية.

أما ف.ف. بروس فيقول: وصل نص الكتاب المقدس العبري المكتوب بحروف ساكنة والذي حرره علماء المازورا إلى العصر الذي عاشوا فيه بدقة تامة في النقل على مدى ما يقرب من ألف عام. 

ويخلص وليم جرين إلى أنه: يمكننا أن نقول بثقة إنه ليس هناك نص آخر باق من العصور القديمة انتقل بمثل هذه الدقة البالغة.

وفيما يتعلق بدقة نقل النص العبري، يقول أتكينسون، الذي كان مشرفاً ثانياً لمكتبة جامعة كمبريدج، أنها تكاد تكون اعجازية.

ولمئات من السنين، اهتم علماء اليهود بنقل النص العبري، والتزموا إجراءات الحيطة الشديدة. ويلقي هذا الفصل الضوء على ما أسفر عنه ذلك.

 

1(ج) عدد المخطوطات
رغم أن العهد القديم لا يتمتع بمثل عدد مخطوطات العهد الجديد، إلا أن عدد المخطوطات المتاحة له اليوم جديرة بالملاحظة. وقد اقترحت أسباباً لقلة المخطوطات العبرية القديمة. أول هذه الأسباب وأكثرها وضوحاً هو قِدم المخطوطات وقابليتها للفناء، إذ أن فترة تصل إلى ما بين ألفين وثلاثة آلاف عام تعد فترة طويلة لا يتوقع معها بقاء الوثائق القديمة. ومع ذلك تشير الشواهد العديدة إلى أن المخطوطات الباقية لا تزال بحالة جيدة. ومن الأهمية بمكان أن نحدد أولاً عدد المخطوطات الباقية. هناك عدة مجموعات هامة من المخطوطات العبرية اليوم. والمجموعة الأولى من المخطوطات العبرية قام بجمعها بنجامين كينكوت (1776-1780م) ونشرتها جامعة أكسفورد وتضم 615 مخطوطة للعهد القديم. وبعد ذلك قام جيوفاني دي روسي (1784-1788م) بنشر قائمة تحتوي 731 مخطوطة. وأهم اكتشاف للمخطوطات في العصر الحديث هي مخطوطات جنيزة القاهرة (في التسعينات من القرن التاسع عشر) ومخطوطات البحر الميت (1947م وما بعدها). وفي مخزن المجمع اليهودي بالقاهرة (جنيزة) اكتشفت مخطوطات قديمة، حيث وجد مائتا ألف من المخطوطات والقصاصات. ومنها ما يقرب من عشرة آلاف مخطوطة لأسفار الكتاب المقدس.

قرب نهاية القرن التاسع عشر، اكتشفت الكثير من القصاصات التي ترجع إلى الفترة فيما بين القرن السادس والثامن في مجمع يهودي قديم في القاهرة بمصر، والذي كان حتى عام 882م كنيسة للملاك ميخائيل. ووجدت هذه المخطوطات في جنيزة أو مستودع كانت توضع به المخطوطات التالفة وغير السليمة حتى يتم التخلص منها بشكل ملائم. وقد تم عزل هذا المستودع ببناء حائط أمامه، فظل منسياً حتى تم الكشف عنه في ذلك الوقت. وفي هذه الحجرة الصغيرة كان هناك ما يقرب من 200.000 قصاصة تضم نصوصاً للكتاب المقدس بالعبرية والآرامية. وهذه المخطوطات الكتابية ترجع إلى القرن الخامس الميلادي.

وما يقرب من نصف هذه المخطوطات التي وجدت بالمستودع تحفظ الآن بجامعة كمبريدج. أما الباقي فيوجد في أماكن متفرقة حول العالم. ولقد تعرَّف بول كال، مدير جنيزة القاهرة، على أكثر من 120 من المخطوطات النادرة كانت قد أعدتها مجموعة بابلية من الكتبة المازوريين.

إن أكبر مجموعة من المخطوطات العبرية للعهد القديم في العالم هي مجموعة فيركوفيتش في ليننجراد. وهي تضم 1.582 مخطوطة للكتاب المقدس بحسب النص المازوري مدوَّنة على الرقوق (725 مخطوطة مدونة على ورق)، هذا بالإضافة إلى 1.200 قصاصة من المخطوطات العبرية في مجموعة أنطونين. .كما يؤكد كاهل أيضاً على أن هذه المجموعة من المخطوطات والقصاصات أخذت جميعها من جينزة القاهرة. وفي مجموعة فيركوفيتش هناك أربع عشرة مخطوطة عبرية للعهد القديم ترجع إلى ما بين عامي 929م، و1121م وكانت أصلاً في جنيزة القاهرة.

إن مخطوطات جنيزة القاهرة موزعة في أنحاء مختلفة من العالم. ويوجد بعض من أفضل هذه المخطوطات بالولايات المتحدة في مجموعة إنلو التذكارية بمعهد اللاهوت اليهودي بنيويورك.

يحتوي المتحف البريطاني على 161 مخطوطة عبرية للعهد القديم. وفي جامعة أكسفورد تحتوي مكتبة بودليان على 146 مخطوطة للعهد القديم، وكل منهما به عدد كبير من القصاصات.ويقدر جوشن جوتشتاين عدد المخطوطات الساميَّة الموجودة بالولايات المتحدة وحدها بعشرات الآلاف، حوالي خمسة بالمائة منها خاصة بالكتاب المقدس - أي أكثر من خمسمائة مخطوطة.

إن أهم المخطوطات العبرية للعهد القديم ترجع إلى ما بين القرن الثالث ق.م. والقرن الرابع عشر الميلادي. وأهم هذه المخطوطات هي مخطوطات البحر الميت التي ترجع إلى ما بين القرن الثالث ق.م. والقرن الأول الميلادي. وهي تضم مخطوطة كاملة لسفر إشعياء وآلاف القصاصات التي تشكِّل معاً جميع أسفار العهد القديم ما عدا سفر أستير.

ترجع الأهمية البالغة لمخطوطات البحر الميت إلى أنها تؤكد صحة المخطوطات الأخرى اللاحقة لها. فمثلاً مخطوطة القاهرة (895م) هي أقدم مخطوطة مازورية قبل اكتشاف مخطوطات البحر الميت. وهي توجد الآن في المتحف البريطاني، وتسمى أيضاً المخطوطة القاهرية. وقامت بنسخها أسرة موسى بن أشير، وتضم الأنبياء المتقدمين والمتأخرين. أما باقي أسفار العهد القديم الأخرى فلا توجد بها.

مخطوطة ليننجراد للأنبياء (916م) تضم إشعياء وإرميا وحزقيال والاثنى عشر نبياً الصغار.

أما أقدم مخطوطة كاملة للعهد القديم فهي المخطوطة البابلية (1008م) وهي موجودة في ليننجراد. وقد نسخت عن مخطوطة مضبوطة نسخها الحاخام هرون بن موسى بن أشير قبل عام 1000م. 

مخطوطة حلب (900م) وهي مخطوطة هامة جداً. وقد تعرَّضت للضياع مرة، واكتشفت مرة أخرى عام 1958 . ولكنها لم تسلم من التلف. ففي أحداث الشغب التي حدثت في إسرائيل عام 1947 تعرضت للتلف جزئياً. ومخطوطة حلب هي أقدم مخطوطة مازورية كاملة للعهد القديم كله.

مخطوطة المتحف البريطاني (950م) وتشتمل على أجزاء من التكوين إلى التثنية.

مخطوطة روخلن للأنبياء (1105م) ونسخها المازوري بن نفتالي. وهذه المخطوطات تثير تساؤلاً بشأن مدى الأمانة في نقل نصوص الكتاب المقدس. هناك العديد من أشكال الأخطاء التي يمكن أن تقع في المخطوطات، وهذه يلاحظها الناقد للنص للمخطوطات القديمة للعهد القديم (نتناول هذا الموضوع لاحقاً في هذا الفصل)، ولكن هل هذه الأخطاء من الأهمية والخطورة حتى تفسد الرسالة ذاتها أو تجعل من المستحيل نقل المعنى الصحيح؟ لو كانت كذلك، لكان قصد الله قد خاب، إذ أنه لم يستطع أن يحفظ وحيه حتى تستطيع الأجيال اللاحقة أن تدركه على النحو الصحيح. ولو أنه لم يهيمن بقدرته على الكتبة الذين دونوا النسخ المعروفة والمعتبرة للأسفار المقدسة لأفسدوا وحرفوا رسالته. ولو حرفت الرسالة، لفشلت خطة الله بأكملها لإعلان وحيه وتدوينه، ولكان الكتاب المقدس مزيجاً من الحق والباطل وفقاً لحكم البشر عليه (بدلاً من أن يكون مُحكَماً لهم).

 

2(ج) تاريخ نص العهد القديم
وقال الحاخام أكيبا، في القرن الثاني الميلادي إنَّ النقل الدقيق (المازوري) للنص يحافظ على التوراة.  وفي اليهودية، كان يثابر للعلماء المتعاقبين على وضع معايير ثابتة للحفاظ على النص الكتابي ومن ثم استبعاد وقوع أي خطأ:

- السوفريم (كلمة عبرية تعني الكتبة) وهم العلماء اليهود القائمون على حفظ النصوص الكتابية بين القرنين الخامس والثالث ق.م.

- الزوجوث (اثنان من علماء النصوص) وكانا يُّعينان لهذا الغرض في القرنين الثاني والأول قبل الميلاد.

- التنايم (المعيدون أو المعلمون) واستمر نشاطهم حتى عام 200 م. وبالإضافة إلى العمل على حفظ وصيانة نص العهد القديم، نجد عملهم في المدراش (التفسير النصي)، والتوسيفتا (إضافة)، والتلمود (التعليم)، وهذا الأخير ينقسم إلى المشنا (التكرارات) والجيمارا (مادة التعليم). وقد تم جمع التلمود على نحو تدريجي بين عامي 100م، و500م. وكان من الطبيعي أن يعمل التنايم على صيانة الكتاب المقدس العبري إذ أن عملهم كان يتعلق بجمع تعاليم معلمي اليهود على مدى عدة قرون اعتماداً على النص الكتابي.

- علماء التلمود (100-500م)

يوضح جايسلر ونيكس التقليد الثاني للكتبة الذي يمتد من حوالي 400 ق.م. إلى 1000م:

بعد العصر الأول للتقليد الذي اتَّبعه كتبة العهد القديم في عصر السوفريم (حوالي 400 ق.م. - 200م) ظهر عصر ثاني وهو العصر التلمودي (حوالي 100-500م) وهذا تلاه التقليد المازوري الشهير (حوالي 500- 900م). وكان عزرا يعمل مع أول هذه المجموعات حيث كانوا يعتبرون حافظي الكتاب المقدس حتى العصر الذي تلى عصر المسيح. وفيما بين 100-500م، نما التلمود (التعليم) كمجموعة من القوانين المدنية والدينية العبرية التي تعتمد على التوراة. ويمثل التلمود بالأساس آراء وقرارات معلمي اليهود من حوالي عام 300 ق.م. إلى حوالي عام 500م، وهو يشتمل على قسمين أساسيين: المشنا والجيمارا.

وفي ذلك العصر أمضى العلماء الوقت الكثير في وضع القوانين المدنية والدينية العبرية. وضع علماء التلمود نظاماً معقداً بعض الشئ لنسخ كتبهم الدينية.

ويصف صموئيل ديفيدسون بعضاً من النظم التي وضعها علماء التلمود فيما يتعلق بالأسفار المقدسة. وهذه القواعد الصارمة - وسأستخدم هنا النظام الذي أورده جايسلر - وهو على النحو التالي:

(1) يجب أن يدون درج المجـمع على جـلد حيـوان طـاهر، (2) ويجب أن يعده للاستخدام الخاص من قِبَل المجمع شخص يهودي. (3) يجب أن تُضَم صفحات الدرج معاً بخيوط مأخوذة من حيوانات طاهرة. (4) يجب أن تحتوي كل صفحة من الجلد على عدد معين من الأعمدة ثابت في المخطوطة كلها. (5) يجب ألا يقل طول أي عمود عن 48 سطراً وألا يزيد عن 60 سطراً، ويجب أن يشتمل السطر على ثلاثين حرفاً. (6) يجب أن تحاذي أوائل السطور في النسخة كلها، وإذا وجِدت ثلاث كلمات دون محاذاة لا يعتد بهذه النسخة. (7) يجب أن يستخدم الحبر الأسود وليس الأحمر أو الأخضر أو أي لون آخر، ويجب أن يعد طبقاً لمواصفات محددة. (8) يجب أن يتم النقل عن نسخة معتمدة لا يحيد عنها الناسخ بأي حال من الأحوال. (9) يجب ألا يعتمد الناسخ على ذاكرته في تدوين أي كلمة أو حرف ولو كان أصغر الحروف، ما لم يكن الكاتب قد نقل عن المخطوطة التي أمام عينيه... (10) يجب أن يفصل بين كل حرفين ساكنين مسافة شعرة أو خيط. (11) وأن يفصل بين كل فقرتين مسافة تسعة حروف ساكنة. (12) وبين كل سفرين ثلاثة أسطر. (13) يجب أن ينتهي السفر الخامس من أسفار موسى بسطر تام وليس هذا ضرورياً بالنسبة للأسفار الأخرى. (14) علاوة على ذلك، يجب أن يرتدي الناسخ الثياب اليهودية كاملة. (15) وأن يغسل بدنه كله، (16) وألا يبدأ في كتابة اسم الله بقلم حالما أخرجه من دواة الحبر، (17) وإن خاطبه ملك أثناء تدوينه لهذا الاسم يجب ألا يلتفت إليه.

ويضيف دفيدسون أن: الكتب التي لا يلتزم عند تدوينها بهذه القواعد كان مصيرها الدفن في الأرض أو الحرق، أو كانت تؤخذ إلى المدارس حيث كانت تستخدم ككتب للقراءة.

كان علماء التلمود مقتنعين تماماً أنهم إذا ما انتهوا من نسخ إحدى المخطوطات فإنهم بذلك قد حصلوا على نسخة مطابقة للأصل، ومن ثم يمكنهم أن يعتمدوا النسخة الجديدة ويعطوها نفس الصلاحيات.

وفيما يتعلق بالتخلُّص من النسخ القديمة يضيف فريدريك كنيون في كتاب «كتابنا المقدس والمخطوطات القديمة» إلى ما سبق:

إن الحرص الشديد الذي كان يتَّبع عند نسخ المخطوطات هو نفسه السبب في اختفاء النسخ القديمة. فعندما كانت تنسخ المخطوطة طبقاً للمواصفات الدقيقة المنصوص عليها في التلمود، وبعد أن يتم التحقق من صحتها تماماً كانوا يقبلونها كنسخة معتمدة، لها نفس قيمة النسخ الأخرى. وإذا تطابقت نسختان تماماً وبشكل صحيح فإن عنصر القِدَم لم يكن عنصراً ايجابياً للإبقاء على المخطوطة بل عنصراً سلبياً، إذ أن المخطوطة كانت عرضة للبلاء والتلف بمرور الوقت. وكانت النسخة التالفة أو غير السليمة تفرز حالاً وتعد غير ملائمة للاستخدام.

وكان ملحقاً بكل مجمع جنيزة Gheniza وهي خزانة للأشياء القديمة كانت توضع بها المخطوطات التالفة جانباً، ومن هذه الخزانات تم اكتشاف بعض المخطوطات الأكثر قِدَماً في العصور الحديثة.

ومن هنا لم تجري العادة اليهودية على اعتبار النسخة الأقدم من الأسفار المقدسة هي الأكثر قيمة، ولكن على تفضيل النسخة الأحدث كنسخة سليمة لا يلحقها التلف. أما النسخ القديمة التي كانت تودع في الجنيزة فكان يصيبها التلف والفناء بشكل طبيعي إما بسبب الإهمال أو بسبب حرقها بشكل مقصود عندما كانت الجنيزة تمتلئ عن آخرها.

ومن ثم فإن غياب النسخ القديمة جداً للكتاب المقدس العبري لا يجب أن تثير دهشتنا أو قلقنا. وإذا أضفنا للأسباب التي ذكرناها عصور الاضطهاد المتكررة (بما فيها من تدمير للممتلكات) التي تعرض لها اليهود، يمكننا تعليل اختفاء المخطوطات القديمة،كما يمكننا قبول المخطوطات الباقية بما تحفظه لنا - أي النص المازوري.

المازوريون هم علماء اليهود الذين قاموا فيما بين 500-900م بإخراج الشكل النهائي لنص العهد القديم. كان خراب الهيكل عام 70م، تشتت اليهود بعيداً عن أرضهم دافعاً قوياً، أولاً: لوضع نظام ثابت للنص الذي يعتمد على الحروف الساكنة، وثانياً: لوضع نظام ثابت للترقيم واستخدام حروف العلة لضبط عملية النطق والقراءة. وقد أطلق عليهم اسم المازوريين لأنهم قاموا بحفظ التقليد الشفهي (المازورا) مكتوباً وذلك فيما يختص بحروف العلة وعلامات النطق الصحيحة وعدد مرات ورود الكلمات النادرة ذات الأشكال الإملائية الغريبة. لقد تسلموا النص المدوَّن بحروف ساكنة غير مشكَّلة (مثل الإنجليزية المكتوبة بدون حروف علة) من السوفريم وأدخلوا عليه علامات التشكيل التي أعطت لكل كلمة نطقها المضبوط وشكلها النحوي. كما أنهم اهتموا بنقد النص. وأينما ساورهم الشك في وقوع خطأ بكلمة معينة في النص المكتوب بحروف ساكنة، أصلحوه ببراعة تامة. إذ أنهم كانوا يتركون الحروف الساكنة الأصلية للكلمة كما أخذوها عن السوفريم. ولكنهم كانوا يدخلون عليها علامات التشكيل التي تظهر في الشكل الجديد للكلمة ثم يدخلون الحروف الساكنة للكلمة الجديدة ذاتها حيث يدونها بحروف صغيرة في حاشية النص.

كانت هناك مدرستان أو مركزان رئيسيان للنشاط المازوري - احدهما مستقل عن الآخر - المدرسة البابلية والمدرسة الفلسطينية. وأشهر المازوريين هم علماء اليهود الذين عاشوا في طبرية بالجليل، موسى بن أشير (وابنه هارون) وموسى بن نفتالي في أواخر القرن التاسع والقرن العاشر. والنص الذي دوَّنه ابن أشير هو النص العبري القياسي اليوم وأفضل ما يمثله مخطوطة ليننجراد ومخطوطة حلب.

وقد أخذ المازوريون (من المازورا أي التقليد) على عاتقهم العمل المضني لتحرير وتقنين النص. وكانوا يتمركزون في طبرية. والنص الذي ضبطه المازوروين يسمى النص المازوري. وهذا النص يحوي علامات التشكيل التي أضيفت لضبط النطق. ويعد النص المازوري هو النص العبري القياسي اليوم.

كان الـمـازوريون على درجة عالية من العلم، وتعاملوا مع النص بأقصى درجات الاحترام والتبجيل ووضعوا نظاماً معقداً لحفظه من زلات الكتبة. فعلى سبيل الـمثال قاموا بإحصاء عدد المرات التي ورد فيها كل حرف من حروف الهجاء في كل سفر، وحددوا الحرف الأوسط في الأسفار الخمسة الأولى والحرف الأوسط في الكتاب المقدس العبري كله. كما قاموا بحسابات أخرى أكثر دقة وتفصيلاً من هذه. ويقول ويلر روبنسون إنهم أحصوا كل ما هو قابل للإحصاء. ولقد ألَّفوا عبارات قصيرة تيسر لهم تذكر الإحصاءات المختلفة.

كان الكتبة يعرفون ما إذا كان سفر إشعياء أو العهد القديم كله مثلاً خالياً من حرف ساكن معين. لقد وضعوا الكثير من القواعد التي تضمن لهم الحصول على نسخة طبق الأصل عند الانتهاء من نسخها.

ويقول السير فريدريك كنيون:

إضافة إلى تسجيلهم للقراءات التقليدية والحديثة المختلفة، قام المازوريون بعدد من الإحصاءات التي لا تقع في نطاق نقد النص العادي. لقد أحصوا آيات وكلمات وحروف كل سفر. كما حسبوا موقع الكلمة الوسطى والحرف الأوسط في كل منها. كما أحصوا الآيات التي اشتملت على كل حروف الهجاء أو عدد معين منها. وهذه الإجراءات التي لا قيمة لها، من وجهة نظرنا،كان لها رغم ذلك أثر في توفير العناية التامة للنقل الصحيح للنصوص، وهي تدل على الاحترام البالغ للأسفار المقدسة الذي لا يستحق إلا الثناء. لقد كان المازوريون حقاً حريصين على ألا يسقط أو يضيع أي شئ ولو كان نقطة أو حرفاً صغيراً أو حتى جزء من حرف الناموس.

ونستخلص مما سبق ذكره عن المخطوطات العبرية تبجيل اليهود للأسفار المقدسة. فبالنسبة للأسفار المقدسة لدى اليهود، لم يكن التزام الكتبة بالدقة التامة هو وحده المسؤول عن سلامتها، بل بالأحرى تبجيلهم الشديد والمبالغ فيه للكتاب المقدس. وطبقاً للتلمود كانت هناك مواصفات ليس فقط لنوع الجلد المستخدم وحجم الأعمدة، ولكن كان على الكاتب أن يؤدي طقساً دينياً معيناً قبل تدوين اسم الله. كما نصت القواعد على نوع الحبر المستخدم والمسافة بين الكلمات وحظرت تدوين أي شئ من الذاكرة. كان يتم إحصاء السطور - وكذلك الحروف - بأسلوب منهجي. ولو وجد بالمخطوطة خطأ واحد كان يتم التخلص منها. كانت الإجراءات الشكلية التي تمسَّك بها الكتبة مسؤولة، ولو بشكل جزئي على الأقل، عن الحرص الشديد الذي كان يتبع عند نسخ الأسفار المقدسة. وهذا هو السبب في قلة عدد المخطوطات (إذ كانت القواعد تنص على التخلص من النسخ المعيبة).

في القرن الأول الميلادي كتب فلافيوس يوسيفوس المؤرخ اليهودي يقول:

لقد برهنا عملياً على تبجيل أسفارنا المقدسة. إذ أنه على الرغم من مرور القرون الطويلة، لم يجرؤ أحد على إضافة أو حذف أو تعديل أي مقطع فيها، وهي فطرة لدى كل يهودي منذ يوم ميلاده أن يعتبرها أوامر الله ويعمل بها، وإن اقتضت الضرورة أن يموت من أجلها بسرور وفرح. فكم من المرات شهدنا الأسرى وهم يكابـدون ألـوان العذاب والموت في المسارح مفضلين ذلـك على أن ينبثـوا بكلمة واحدة.

ويواصل يوسيفوس قوله مقارناً بين احترام العبرانيين للكتاب المقدس واحترام الإغريق لأدبهم:

إلى أي مدى يمكن أن يحتمل الإغريق مثل هذا النهج؟ ولو كان بذلك سوف ينقذ أدب الأمة بأكمله من الدمار، فلن يقبل الشخص الإغريقي أن يتحمل ألماً شخصياً ضئيلاً. إذ أن الإغريق يعتبرونها مجرد قصص ألَّفها أدباؤهم وفقاً لإبداعهم، وهم مقتنعون بهذه الرؤية حتى بالنسبة لأقدم مؤرخيهم، إذ أنهم يرون بعض معاصريهم يخوضون في وصف أحداث ليس لهم فيها طرف، دون أن يتكلفوا عناء البحث والسؤال لدى من يضطلعون بالحقائق.

ومع ذلك ظلت أقدم المخطوطات المازورية الموجودة والتي ترجع إلى حوالي 1000م وما بعدها، في انتظار ما يؤكد صحتها. وهذا ما أكده الاكتشاف المذهل بالقرب من شواطئ البحر الميت في فلسطين.

 

3(ج) مخطوطات البحر الميت
لو سئل أي عالم كتابي، قبل اكتشاف مخطوطات البحر الميت، ما هو تصورك لاكتشاف يمكن أن يثبت موثوقية العهد القديم لأجاب: لابد أن تكون مخطوطات أصلية أكثر قِدَماً تبرهن على صحة العهد القديم. سأل السير فريدريك كنيون هذا السؤال الهام: هل هذا النص العبري، الذي نسميه النص المازوري، والذي أوضحنا أنه ينحدر من نص يرجع إلى 100م، يمثل بأمانة النص العبري الأصلي الذي دوَّنه كَّتاب أسفار العهد القديم؟

وقبل اكتشاف مخطوطات البحر الميت كان السؤال على النحو التالي: ما مدى صحة النسخ التي لدينا اليوم مقارنة بنسخ القرن الأول وما قبله؟ وترجع أقدم نسخة كاملة للعهد القديم إلى القرن العاشر. ومن هنا يظهر التساؤل التالي: هل يمكننا أن نثق في نص العهد القديم وقد تم نسخه مرات ومرات؟ وتعلن مخطوطات البحر الميت الإجابة المذهلة على هذا التساؤل.

1(د) ما هي مخطوطات البحر الميت؟
تتكون هذه المخطوطات من حوالي أربعين ألف قصاصة مدوَّنة. ومن هذه القصاصات أمكن جمع أكثر من خمس مائة كتاب. وضمن هذه المخطوطات تمَّ اكتشاف كتب وقصاصات غير كتابية تلقي الضوء على المجتمع الديني لقمران على شواطئ البحر الميت من القرن الثاني قبل الميلاد إلى القرن الأول الميلادي. وتساعدنا كتابات مثل «وثائق صادوق» و«قانون المجتمع» و«دليل التعليم» على فهم طبيعة الحياة اليومية في قمران. ففي كهوف قمران المختلفة كانت هناك شروحات نافعة جداً للأسفار المقدسة. ولكن أهم مخطوطات البحر الميت هي نسخ نص العهد القديم التي ترجع إلى ما قبل ميلاد المسيح بحوالي مائة عام.

2(د) كيف اكتشفت مخطوطات البحر الميت؟
ويقدم لنا رالف إيرل جواباً معبِّراً ومختزلاً عن هذا السؤال، إذ يحكي قصة تنمّ عن العناية الإلهية:

تُعَد قصة هذا الاكتشاف أحد أروع القصص في العصر الحديث. في فبراير أو مارس من عام 1947 كان هناك راعي بدوي صبي اسمهُ محمد يبحث عن عنزة ضالة. فرمى حجراً في ثقب في تل على الجانب الغربي للبحر الميت، على بعد ثمانية أميال جنوب أريحا، واندهش لسماع صوت تحطُّم آنية فخارية. ولما تفحَّص الأمر شاهد منظراً مدهشاً. كان في الكهف العديد من الأواني الفخارية التي تحتوي على مخطوطات جلدية ملفوفة في قماش من الكتَّان. ولأن الأواني كانت مغلقة بإحكام، فقد حفظت المخطوطات بحالة جيدة لما يقرب من 1.900 عاماً (تشير الأدلة إلى أنها وضعت في الكهف حوالي سنة 68م).

وقد اشترى رئيس أساقفة دير السريان الأرثوذكس في أورشليم خمسة من هذه المخطوطات التي وجدت في الكهف الأول للبحر الميت، كما يطلق عليه الآن. بينما اشترى الأستاذ «سوكينيك» بالجامعة العبرية هناك ثلاث من هذه المخطوطات.

وعندما اكتشفت هذه المخطوطات لأول مرة، لم يعلن عنها. وفي نوفمبر من عام 1947 ، وبعد أن اشترى الأستاذ سوكينيك بيومين ثلاث من هذه المخطوطات واثنتين من الأواني الفخارية التي كانت بالكهف، كتب في مذكراته يقول: لعل هذا واحداً من أعظم الاكتشافات في فلسطين، وهو اكتشاف لم نكن لنطمح إليه. ولكن هذه الكلمات لم تنشر آنذاك.

وفي فبراير من عام 1948 اتَّصل رئيس أساقفة الدير، الذي لم يكن يعرف العبرية، بالمدرسة الأمريكية للبحوث الشرقية في أورشليم وأخبرهم عن المخطوطات. وشاءت العناية الإلهية أن مدير المدرسة في ذلك الوقت كان عالماً شاباً يُدعي جون تريفر، وكان مصوراً هاوياً محترفاً. وبجهد شاق ومخلص قام بتصوير كل عمود من أعمدة المخطوطة الكبيرة لسفر إشعياء التي يصل طولها إلى 24 قدماً وعرضها 10 بوصات. كما قام بتحميض الأفلام بنفسه وأرسل بعض الصور منها بالبريد الجوي إلى الدكتور و.ف. ألبرايت في جامعة جونز هوبكنز، الذي كان يعتبر عميداً لعلماء الآثار الكتابية في أمريكا. وفي الحال أرسل رده بالبريد الجوي قائلاً: تهاني القلبية على اكتشاف أعظم مخطوطة في عصرنا الحديث. يا له من اكتشاف مذهل! لا يمكن أن يوجد ظل شك في العالم كله في أصالة هذه المخطوطة. وقال إنها ترجع إلى حوالي 100 ق.م.

3(د) قيمة المخطوطات
ترجع أقدم مخطوطة عبرية كاملة للعهد القديم قبل اكتشاف مخطوطات البحر الميت إلى 900م. كيف يمكننا التأكد من انتقالها إلينا بشكل صحيح منذ عصر ما قبل المسيح في القرن الأول الميلادي؟ يمكننا الآن التأكد من ذلك بفضل علم الآثار ومخطوطات البحر الميت. كانت إحدى مخطوطات كهوف البحر الميت نسخة كاملة للنص العبري لسفر إشعياء. ويقدِّر العلماء تاريخ نسخها إلى حوالي 125 ق.م. إن هذه المخطوطة أقدم بألف عام من أي مخطوطة أخرى حصلنا عليها قبلاً.

وترجع أهمية هذا الاكتشاف إلى التطابق التام بين مخطوطة سفر إشعياء (125 ق.م.) مع النص المازوري لسفر إشعياء (916 م) أي بعد ألف عام. وهي تدل على الدقة غير العادية لنسَّاخ الكتاب المقدس على مدى أكثر من ألف عام.

من بين 166 كلمة يحتوي عليها أصحاح 53 من سفر إشعياء، هناك فقط سبعة عشر حرفاً موضع تساؤل. وعشرة من هذه الحروف يتعلق بالأشكال الإملائية للكلمات بما لا يؤثر على المعنى. وأربعة حروف أخرى تتصل بالأسلوب مثل استخدام حروف العطف. أما الحروف الثلاثة الباقية فتشكل كلمة نور المضافة في آية 11 دون تأثير يذكر في المعني. علاوة على ذلك، فإن هذه الكلمة وردت في الترجمة السبعينية وفي مخطوطة IQ (وهي إحدى مخطوطات سفر إشعياء المكتشفة في كهوف البحر الميت). أي أنه في أصحاح يحتوي على 166 كلمة هناك كلمة واحدة (من ثلاثة حروف) موضع تساؤل بعد مرور ألف عام من النقل - وهذه الكلمة غير ذات قيمة تذكر بالنسبة لمعنى النص. 

ويقول جليسون أركر إن مخطوطات سفر إشعياء التي اكتشفت في كهوف قمران: ثبت أنها تطابق النص العبري الذي بين أيدينا فيما يزيد على 95% منه. أما الخمسة بالمائة الباقية فهي اختلافات ناتجة عن زلات النسْخ أو اختلافات في أشكال الكلمات.

ويخلص ميللر باروز إلى ما يلي: من الأمور العجيبة أنه على مدى ما يقرب من ألف عام لم يطرأ على النص تغيير يذكر. وكما أشرت في بحثي الأول عن هذه المخطوطة فإن أهميتها الرئيسية تكمن في إثباتها لصحة التقليد المازوري.

4(د) ماذا تحتوي مخطوطات البحر الميت؟
لا يمكننا هنا الحديث عن جميع مخطوطات البحر الميت التي يزيد عددها عن ثماني مائة مخطوطة. ولكننا سنتناول فيما يلي بعض أمثلة من تلك المخطوطات التي تمت دراستها على مدى الأربعين عاماً الماضية بما في ذلك نصوص الأسفار الأكثر قدماً التي تعتمد عليها هذه المخطوطات، وكذلك المخطوطات التي اكتشفت في الكهف الرابع والتي نشرت محتوياتها حديثاً. وهذه النصوص يمكن تصنيفها على النحو التالي: النصوص الكتابية - الشروحات الكتابية - النصوص الطائفية (أي التي تنتمي إلى طائفة أو شيعة معينة) - النصوص الموضوعة - النصوص الأبوكريفية - النصوص النسكية أو الطقسية.

اكتشافات مخطوطات البحر الميت: اكتشف الكهف الأول صبي عربي كان راعياً. وهناك وجد سبع مخطوطات كاملة تقريباً وبعض القصاصات:

إشعياء أ : (IQIs a) تعتبر مخطوطة دير القديس مرقس لسفر إشعياء مخطوطة شهيرة وبها إصلاحات كثيرة فيما بين السطور أو في الهامش. وهي أقدم نسخة معروفة لسفر كامل بالكتاب المقدس.

إشعياء ب (IQIs b) : تعد نسخة سفر إشعياء بالجامعة العبرية نسخة غير كاملة، ولكن نصها يطابق النص المازوري أكثر من إشعياء أ.

قصاصات أخري بالكهف الأول: اكتشف بهذا الكهف أيضاً أجزاء من التكوين واللاويين والتثنية والقضاة وصموئيل وإشعياء وحزقيال والمزامير، وأعمال أخرى غير كتابية مثل أخنوخ وأقوال موسى (ولم تكن معروفة قبلاً)، وسفر اليوبيل وسفر نوح، وشهادة لاوي وطوبيا وحكمة سليمان. وهناك أيضاً أجزاء من سفر دانيال وتشمل دانيال 2: 4 (حيث تتغير اللغة من العبرية إلى الآرامية)، وقد وجد أيضاً في الكهف الأول أجزاء من شروحات لأسفار المزامير وميخا وصفنيا.

الكهف الثانى: وقد اكتشف أولاً على يد البدو. وفي عام 1952 تم التنقيب عن محتوياته. وهذه تشتمل على أجزاء من حوالي مائة مخطوطة، منها مخطوطتان لسفر الخروج وواحدة لسفر اللاويين وأربع مخطوطات للعدد واثنتين أو ثلاثة للتثنية ومخطوطة واحدة لكل من إرميا وأيوب والمزامير ومخطوطتان لراعوث.

الكهف الرابع: ويسمي كهف الحجل أو الكهف الرابع. وبعد أن عبث البدو بمحتوياته، تم الكشف عنه في سبتمير من عام 1952 وتبين أنه أكثر الكهوف عطاءً إذ تمَّ استعادة آلاف القصاصات عن طريق شرائها من البدو أو تنقيب الأثريين في أرض الكهف. وتمثل هذه القصاصات مئات المخطوطات، وقد تم التعرف على ما يقرب من أربع مائة منها. وهي تحتوي على مائة نسخة لأسفار الكتاب المقدس تشمل العهد القديم كله ما عدا أستير.

وهناك قصاصة من صموئيل وجدت في الكهف الرابع (4 qsam b) ويعتقد أنها أقدم مخطوطة معروفة لنص كتابي عبري. وهي ترجع إلى القرن الثالث قبل الميلاد. كما تمَّ اكتشاف بعض قصاصات لشروحات أسفار المزامير وإشعياء وناحوم. وتمثل محتويات الكهف الرابع معظم مكتشفات وادي قمران، وبالنظر إلى النسبة بين أعداد الكتب المكتشفة، يمكن القول بأن الأسفار المفضلة لدى مجتمع قمران كانت على الترتيب التثنية وإشعياء والمزامير والأنبياء الصغار وإرميا. وفي إحدى القصاصات التي تحتوي دانيال 7: 28، 8: 1 تتغير اللغة من الآرامية إلى العبرية.

الكهوف من السابع إلي العاشر: تم فحصها عام 1955 ولم يسفر ذلك عن أي مخطوطات هامة للعهد القديم، إلا أن الكهف السابع كان يشتمل على بعض قصاصات لمخطوطات، يقول جوسي أوكالاهان إنها أجزاء من العهد الجديد. ولو صحَّ ذلك فإنها تُعد أقدم مخطوطات العهد الجديد إذ ترجع إلى 50-60م.

الكهف الحادي عشر: تم اكتشاف هذا الكهف في آوائل عام 1956 . ووجد به مخطوطات بحالة جيدة لستة وثلاثين مزموراً بالإضافة إلى المزمور 151 وهي إحدى كتابات الأبوكريفا، ولم يكن يعرف قبلاً إلا في نصه اليوناني. كما وجد درجاً بحالة جيدة يحتوي جزءاً من سفر اللاويين وأجزاءً كبيرة من رؤيا أورشليم الجديدة وترجوماً (ترجمة) آرامياً لسفر أيوب.

وهناك العديد من الدراسات الحديثة لمخطوطات البحر الميت، وهي تورد وصفاً مفصلاً لهذه المخطوطات. ويضيف جليسن ل. أركر ملحقاً إلى كتابه «مدخل إلى العهد القديم» يتناول فيه هذا الموضوع.

اكتشافات Murabba'at:. لما كانت هذه الاكتشافات تدرّ الربح على البدو في قمران، فقد واصلوا بحثهم واكتشفوا كهوفاً أخرى جنوب شرق بيت لحم وكان بها وثائق ومخطوطات التي نُسب تاريخها إلى الثورة اليهودية الثانية (132-135م). وقد بدأ البحث والتنقيب المنظم عن الكهوف في يناير من عام 1952 . وقد ساعدت هذه المخطوطات اللاحقة لمخطوطات البحر الميت في التعرف على أقدمية مخطوطات البحر الميت. وفي هذه الكهوف تم اكتشاف مخطوطة أخرى للأنبياء الصغار بدءً من النصف الثاني ليوئيل حتى حجي، وتؤيد هذه المخطوطة النص المازوري. واكتشفت أيضاً أقدم بردية سامية معروفة وقد أعيد النقش عليها مرة ثانية بكتابة عبرية (ترجع إلى القرن السابع أو الثامن ق.م.)

ويمكننا أن نرى أهمية مخطوطات قمران بالنسبة لنقد النص من خلال آراء علماء العهد القديم:

أولاً: ترجع مخطوطات البحر الميت بالدارس لنصوص الكتاب المقدس حوالي ألف عام من تاريخ المخطوطات العبرية المعروفة سابقاً. قبل اكتشافات قمران،كانت نسخ أسفار العهد القديم الكاملة والأكثر قِدَماً ترجع إلى حوالي بداية القرن العاشر الميلادي. وكانت أقدم نسخة كاملة للعهد القديم كله ترجع إلى بداية القرن الحادي عشر الميلادي. ومن ثم فإن مخطوطات البحر الميت قد قدمت وثائق أكثر قِدَماً لنصوص العهد القديم من أي نسخ أخرى كانت معروفة قبلاً.

قبل اكتشاف مخطوطات قمران كانت أقدم المخطوطات الموجودة ترجع إلى حوالي 900م. أما بعض مخطوطات البحر الميت، ومنها نسخ لأسفار إشعياء وحبقوق وغيرها، فترجع إلى حوالي 125 ق.م.، أي قبل ألف عام من التاريخ السابق. وانتهت نتائج البحث إلى أنه ليس هناك اختلاف يذكر بين مخطوطة إشعياء التي وجدت في قمران والنص العبري المازوري الذي دون بعد ذلك بألف عام. وهذا يؤيد موثوقية النص العبري الذي لدينا الآن. 

سوف تعمل مخطوطات البحر الميت مع غيرها من الوثائق الأخرى الباقية على توسيع آفاق المعرفة في مجالات التاريخ والدين والنصوص المقدسة.

ليس من شك في أن مخطوطات البحر الميت قد بدأت عصراً جديداً لدراسة الكتاب المقدس سوف تتأكد فيه الكثير من الحقائق المسلم بها ويتم تعديل الكثير من المفاهيم الأخرى. وعلى نفس القدر من الأهمية سوف تكون هناك حركة لإعادة بناء النص الأصلي للعهد القديم في عصور ما قبل المسيحية، الأمر الذي ييسر للقارئ في العصر الحديث فهْم كلمة الله بشكل أكثر وعياً.

والخلاصة هي أننا يجب أن نثني على المازوريين لمثابرتهم وحرصهم الشديد على الحفاظ على النص الأصلي للسوفريم الذي عهد به إليهم. وقد أولوا عناية كبيرة، شأنهم شأن السوفريم، بالحفاظ على الأسفار المقدسة العبرية، وهذا ما لم تشهده أي كتابات قديمة أخرى سواء علمانية أو دينية في تاريخ الحضارة البشرية. لقد كانوا على وعي تام بأنهم وكلاء على النصوص المقدسة حتى أنهم لم يجرؤوا على القيام بأية تعديلات فيما يتعلق بالحروف الساكنة للنص، فتركوا شكل النص كما تسلموه تماماً.

وبسبب أمانتهم، لدينا اليوم النصوص العبرية التي تطابق - في جوهرها الكامل - النصوص التي كانت توجد في أيام المسيح والرسل أو ما قبل ذلك بنحو مائة عام، وكانت هذه النصوص تعتبر موضع ثقة في ذلك الوقت. وهذه بدورها، كما تبين مخطوطات قمران، ترجع إلى نسخة أقدم لنصوص العهد القديم نقلت عن مخطوطات موثوق بها من قرون سابقة. وهذه تقربنا جداً من الكتابات الأصلية ذاتها وتقدم لنا أقرب تصور للنصوص الأصلية لوحي الله. وعلى حد قول و.ف. ألبرايت: يمكننا أن نطمئن إلى أن النص الأصلي للكتاب المقدس العبري، رغم إمكانية وقوع التغيير فيه، قد حفظ بدقة شديدة ربما لم تتوفر لأي من كتابات الشرق الأدنى.

 

4(ج) برهان المخطوطات غير العبرية
تقدم الترجمات القديمة المختلفة (والتي تسمى نسخاً) للعهد القديم لدارس النصوص الكتابية مصادر هامة لتحقيق النص. فهناك مثلاً نص الترجمة السبعينية الذي يرجع إلى القرن الثالث ق.م. ونص التوراة السامرية ويرجَّح أنها ترجع إلى القرن الخامس ق.م. وهاتان النسختان جنباً إلى جنب مع النص المازوري تعد ثلاث نسخ تقليدية لنص العهد القديم. وتبرهن، عند دراستها نقدياً، على صحة نص العهد القديم. وتعد التوراة السامرية والترجمة السبعينية على نحو خاص، بما مرت به من مراحل التنقيح، برهاناً أساسياً على صحة نص العهد القديم.

1(د) الترجمة السبعينية
كما أهمل اليهود لغتهم العبرية وتحدثوا بالآرامية في الشرق الأدنى، هكذا أهملوا الآرامية وتحدثوا باليونانية في مراكز الحضارة الإغريقية، مثلما هو الحال في الإسكندرية بمصر. وأثناء حملات الإسكندر الأكبر لقي اليهود استحساناً كبيراً. لقد كان الإسكندر متعاطفاً معهم نتيجة لسياساتهم معه أثناء حصار مدينة صور (322 ق.م.) وقيل أيضاً إنه سافر إلى أورشليم ليقدم فروض الولاء والطاعة لإلههم. وعندما كان يغزو بلدان جديدة، كان يؤسس المدن التي كثيراً ما كان يقطنها بعض اليهود، وكانت هذه المدن يطلق عليها غالباً الإسكندرية.

ولأن اليهود كانوا مشتتين بعيداً عن أرضهم، فقد كانت هناك حاجة لترجمة أسفارهم المقدسة للغة الشائعة في ذلك الوقت. ومن ثم فقد أطلق اسم السبعينية (والتي تعني سبعين ويشار إليها اختصاراً بالأرقام اللاتينية LXX) على الترجمة اليونانية للكتب المقدسة العبرية التي جرت أثناء حكم الملك بطليموس فيلادلفيوس في مصر. (285-246 ق.م.)

ويحدثنا ف.ف. بروس عن أصل تسمية هذه الترجمة بهذا الاسم. ففي معرض حديثه عن رسالة كتبها أريستياس، أحد رجال الدولة عند الملك بطليموس فيلادلفيوس، لأخيه فيلوكراتيس حوالي عام 250 ق.م. (أو على الأصح قبل عام 100ق.م بوقت قصير) كتب بروس يقول:

اشتهر بطليموس برعايته للأدب وتحت رعايته افتتحت مكتبة الإسكندرية العظيمة وكانت إحدى عجائب الدنيا الثقافية على مدى 900 عام. وتصف هذه الرسالة كيف أثار ديمتريوس الفاليروم، الذي قيل إنه كان أميناً لمكتبة بطليموس، شغف الملك بالشريعة اليهودية وأشار عليه بإرسال بعثة لرئيس الكهنة أليعازار في أورشليم. انتخب رئيس الكهنة ستة شيوخ من كل سبط من أسباط إسرائيل الاثنى عشر للعمل كمترجمين وأرسلهم إلى الإسكندرية وأرسل معهم مخطوطة من أجمل وأدق مخطوطات التوراة. وهناك كانت تقدم لهم الأطعمة الملكية، وبعد أن برهنوا على حكمتهم وعلمهم تم نقلهم للسكن في منزل بجزيرة فاروس (وهي الجزيرة الشهيرة بفنارها) حيث أتموا في مدة اثنين وسبعين يوماً ترجمة التوراة إلى اللغة اليونانية وقدموا نسخة اتفقوا عليها جميعاً بعد الكثير من المداولة والمقارنة.

تختلف الترجمة السبعينية اليونانية للعهد القديم عن النسخة العبرية في مستوى الترجمة وفي محتواها وترتيب الأسفار بها. إذ أنه بالإضافة إلى الأسفار الاثنين والعشرين للعهد القديم العبري، تحتوي الترجمة السبعينية على عدد من الأسفار التي لم تكن جزءاً من الأسفار القانونية العبرية. ويبدو أن هذه الأسفار كانت منتشرة في العالم المتحدث باللغة اليونانية، ولكنها لم تكن ضمن الأسفار القانونية العبرية. ويعكس مستوى الترجمة في النسخة السبعينية هذا الأمر، ويمكن أن نستخلص منه عدة ملاحظات: (1) يتراوح مستوى الترجمة في النسخة السبعينية من الترجمة الحرفية في التوراة (الأسفار الخمسة الأولى) إلى الترجمة الحرة في الكتب (القسم الثالث من الأسفار المقدسة العبرية).

ويشير أدامز إلى أن نص سفر أيوب في النسخة الأصلية للترجمة السبعينية أقل من مثيله العبري بنحو السدس. وهناك تفاوت كبير في أسفار يشوع وصموئيل الأول والملوك الأول والأمثال وأستير وإرميا، ويقل هذا التفاوت في الأسفار الأخرى. ويرجع هذا إلى الصعوبات الكبيرة التي واجههتها الترجمة السبعينية. (2) لم يكن الغرض من الترجمة السبعينية هو نفس الغرض من النص العبري الذي كان يستخدم في الخدمة الدينية في المجامع وليس في الأغراض التعليمية. (3) كانت الترجمة السبعينية نتاجاً لتجربة رائدة لنقل أسفار العهد القديم وثمرة رائعة لهذا الجهد. (4) التزمت الترجمة السبعينية بوجه عام بقراءات النص العبري الأصلي رغم قول البعض بأن المترجمين لم يكونوا جميعهم من العلماء العبرانيين الثقاة.

ويعلق بول إنز على الترجمة السبعينية قائلاً: تعد النسخة السبعينية غير متكافئة كترجمة ولكن قيمتها تكمن في أنها تعتمد على نص عبري أقدم من المخطوطات العبرية الموجودة لدينا بنحو ألف عام. علاوة على ذلك، كان كتَّاب العهد الجديد يقتبسون منها أحياناً، وهذا يعطينا رؤية أكثر عمقاً لنص العهد القديم.

وبالنسبة لتأثير الترجمة السبعينية، فإن جميع صفحات القاموس اليوناني الإنجليزي للعهد الجديد والأدب المسيحي المبكر تبين أنه يفوق جميع التأثيرات الأخرى على الأدب في القرن الأول الميلادي

تأتي الترجمة السبعينية في المرتبة الثانية بعد النص المازوري من حيث الأهمية. وكانت تستخدم على نطاق واسع في زمن كتابة العهد الجديد كما يتبين من الاقتباسات المائتين والخمسين للعهد الجديد من العهد القديم والتي يأتي معظمها من هذه النسخة. وأينما اختلفت الترجمة السبعينية عن النص المازوري كان بعض الدارسين يفترضون أن مترجميها قد جاوزوا الحد في نقلهم للنص. ولكننا نعرف الآن من خلال اكتشافات قمران أن الكثير من هذه الاختلافات نشأت لأن المترجمين كانوا ينقلون عن نص عبري مختلف بعض الشيء ينتمى إلى ما يمكن أن نسميه العائلة السبعينية الأولية.بسبب تشابهها مع النص المازوري (916م) الذي بين أيدينا اليوم، تساعدنا الترجمة السبعينية في التحقق من موثوقية انتقاله على مدى ثلاثة عشر قرناً.

تُعَد الترجمة السبعينية والاقتباسات الكتابية الموجودة بأسفار الأبوكريفا مثل حكمة يشوع بن سيراخ وسفر اليوبيل وغيرها دليلاً على أن النص العبري الذي بين أيدينا الآن هو نفسه النص الذي كان يوجد حوالي عام 300 ق.م.

يقدم لنا جايسلر ونيكس أربعة إسهامات هامة للترجمة السبعينية: (1) كانت بمثابة الجسر الذي ربط بين الشعوب المتحدثة بالعبرية وتلك التي تتحدث اليونانية هادمة بذلك الفجوة الدينية وملبية لاحتياجات يهود الإسكندرية، (2) كانت بمثابة الجسر الذي ألغى الفجوة التاريخية بين العهد القديم العبري لليهود وبين المسيحيين المتحدثين باللغة اليونانية الذين استخدموا هذه الترجمة جنباً إلى جنب مع العهد الجديد، (3)كانت بمثابة سابقة سارت على نهجها البعثات التبشيرية في ترجمة الأسفار المقدسة ونقلها إلى مختلف اللغات واللهجات، (4) تعد بالنسبة لنقد النص الجسر الذي يلغي الفجوة الزمنية بسبب توافقها مع النص العبري للعهد للقديم.

ويذكر ف.ف. بروس سببين لعدم اهتمام اليهود بالترجمة السعبينية:

1- بدءاً من القرن الأول فصاعداً اتخذ المسيحيون من الترجمة السبعينية مرجعاً للعهد القديم واستخدموها كثيراً في التبشير بالإيمان المسيحي والدفاع عنه.

2- حوالي عام 100م قام العلماء اليهود بتحقيق نص قياسي منقَّح للكتاب المقدس العبري.

إن هذه الترجمة التي بدأت كترجمة يهودية شائعة للعهد القديم فقدت أخيراً كثيراً من مكانتها بالنسبة للشعب اليهودي.

2(د) الهكسابلاَّ
تعد الهكسابلاَّ (أي السداسية)، التي ألفها أوريجانوس في القرن الثاني، مؤلَّفاً وثيق الصلة بالترجمة السبعينية.

وتحمل الهكسابلاَّ وكتابات يويسيفوس وفيلو ووثائق صادوق (وهي من المؤلفات الأدبية التي وجدت ضمن مخطوطات البحر الميت) شهادة تؤكد وجود نصّ مشابه تماماً للنص المازوري ويرجع إلى ما بين عامي 40 و100م. )

هكسابلاَّ أوريجانوس (حوالي 240-250م): أدت أعمال الترجمة للعهد القديم إلى وجود أربعة تقاليد نصيَّة بحلول القرن الثالث الميلادي ألا وهي الترجمة السبعينية وترجمات أكويلا وتيوداتيان وسيماخوس. وقد مهدت هذه التعددية إلى ظهور أول محاولة بارزة للنقد النصي متمثلة في الهكسابلاَّ (السداسية) التي ألفها أوريجانوس الإسكندري (185-254م). وبسبب التنوع الكبير في مخطوطات الترجمة السبعينية المتواجدة والاختلافات بين النصّ العبري والترجمة السبعينية، وبسبب محاولات تنقيح الترجمات اليونانية للعهد القديم، أخذ أوريجانوس على عاتقه أن يقدم للعالم المسيحي نصاً يونانياً مرضياً للعهد القديم، فجاء عمله تنقيحاً أكثر منه ترجمة، إذ قام بتصحيح الأخطاء النصَّية وحاول أن يوحد بين النص اليوناني والعبري. ومن ثم كان هدفه مزدوجاً متمثلاً في بيان صحة النسخ المنقحة المختلفة للعهد القديم عن الترجمة السبعينية غير السليمة، وفي أن يقدم رؤية مقارنة بين النصّ العبري الصحيح والترجمة السبعينية المختلفة عنه. وفي عمله هذا كان يؤيد الرأي القائل بأن النص العبري للعهد القديم كان نوعاً ما النسخة المعصومة للحق الإلهي الموحي به للإنسان...

وكانت الهكسابلاَّ عبارة عن ستة أعمدة متجاورة تحتوي على النص العبري الأصلي للعهد القديم أو إحدى النسخ الأخرى له، ومن ثم فقد عظم حجم هذه المخطوطة جداً حتى أصبحت غير رائجة في ذلك العصر. وكان ترتيب الأعمدة الستة على النحو التالي: العمود الأول يحوي النصّ العبري الأصلي، العمود الثاني يحوي النصّ العبري الأصلي مكتوباً بحروف يونانية، العمود الثالث يحوي الترجمة الحرفية التي قام بها أكويلا، العمود الرابع يحوي الترجمة المنقحة لسيماخوس، العمود الخامس يحوي التنقيح الذي قام به أوريجانوس نفسه للترجمة السبعينية والعمود السادس وهي النسخة اليونانية المنقحة لتيوداتيان.

ورغم الأهمية البالغة للعمل الذي قام به أوريجانوس، إلا أنه ينبغي على ناقد النص في العصر الحديث أن يلاحظ الفرق بين هدفه الشخصي وأهداف أوريجانوس، وفي ذلك يقول كنيون بإيجاز:

لقد كان هذا العمل كافياً بالنسبة لأوريجانوس الذي كان يهدف من ورائه إلى تقديم نسخة يونانية دقيقة قدر الإمكان للنصّ العبري المعتمد آنذاك، ولكن بالنسبة لهدفنا الذي يرمي إلى استعادة النص الأصلي للترجمة السبعينية ... حتى يمكننا معرفة ما كان عليه النصّ العبري قبل كتابة النص المازوري، فإن هذا العمل غير ملائم لأن أوريجانوس كان يميل بشكل طبيعي إلى تدوين نسخته الجديدة دون الرموز اللغوية ومن ثم تظهر الإضافات التي أدخلها نقلاً عن تيوداتيان كجزء من الترجمة السبعينية الأصلية.

وللأسف فقد حدث هذا، وأدى تدوين النصّ المنقح للترجمة السبعينية دون وضع العلامات الصوتية إلى انتشار نصّ يوناني غير صحيح للعهد القديم بدلاً من تحقيق نسخة منقحة للترجمة السبعينية تتفق مع النص العبري في ذلك الوقت.

وكتب ف. ف. بروس يقول: لو بقيت الهكسابلاَّ التي ألفها أوريجانوس كاملة، لكانت بمثابة كنز لا يقدَّر بثمن.

3(د) التوراة السامرية
انفصل السامريون عن اليهود حوالي القرن الخامس أو الرابع ق.م. بعد صراع ديني وثقافي مرير استمر لفترة طويلة. ويعتقد البعض أنه في زمن هذا الانقسام أخذ السامريون معهم الأسفار المقدسة التي كانت توجد آنذاك ثم قاموا بتدوين النصّ المنقح الخاص بهم للتوراة. إن التوراة السامرية ليست نسخة من التوراة بالمعني الدقيق للكلمة، ولكنها إحدى مخطوطات النص العبري ذاته. وهي تضم أسفار موسى الخمسة، وقد تم تدوينها بالكتابة العبرية القديمة. وبعض مخطوطات الكتاب المقدس الأكثر قدماً التي وجدت في قمران مدوَّنة بهذه الكتابة التي تم إحياؤها في القرن الثاني ق.م. أثناء الثورة المكابية على الحكم الإغريقي. ويعتقد ناقد النص فرانك م. كروس أنه ربما كانت التوراة السامرية ترجع إلى عصر المكابيين.

ويبدو أن إحدى نسخ التوراة السامرية كانت معروفة لآباء الكنيسة مثل يوسابيوس القيصري (حوالي 265-339)م وجيروم (حوالي 345-419)م. ولم تعرف التوراة السامرية للعلماء المعاصرين في الغرب حتى عام  1616 م عندما اكتشف بيترو ديلا فال مخطوطة التوراة السامرية في دمشق. وقد أثارت هذه المخطوطة اهتمام دارسي الكتاب المقدس، فقد كانوا يعتبرون هذا النص ذا قيمة أكبر من النص المازوري حتى أعلن فيلهلم جسنيوس في عام   1815 م أنه غير ذي قيمة من الناحية العملية بالنسبة لنقد النص. إلا أنه مؤخراً أكد علماء مثل أ. جايجر وكال وكنيون من جديد على أهمية التوراة السامرية.

لا توجد مخطوطات باقية للتوراة السامرية ترجع إلى ما قبل القرن الحادي عشر. وتقول المصادر السامرية إن إحدى المخطوطات دونها أبيشا حفيد موسي في السنة الثالثة عشرة من غزو كنعان، وهذه المصادر ليست موثوقة وبالتالي يمكن رفض هذا الادعاء. وأقدم مخطوطات التوراة السامرية مدوَّن عليها ملاحظة تشير إلى بيعها في عام 1149-1150 م ولكن المخطوطة نفسها أقدم من ذلك التاريخ بكثير. إحدي المخطوطات تمَّ نسخها عام 1204 م . بينما ترجع مخطوطة أخرى إلى عام 1211-1212 م وهي موجودة بمكتبة جون رايلاندز في مانشستر. بينما توجد مخطوطة أخرى ترجع إلى حوالي عام 1232 م في مكتبة نيويورك العامة.

هناك ما يقرب من ستة آلاف اختلاف بين التوراة السامرية والنص المازوري وأكثرها غير ذي قيمة تذكر. وفي حوالي 1900 حالة منها، يتفق نصّ التوراة السامرية مع الترجمة السبعينية خلافاً للنصّ المازوري. وبعض هذه الاختلافات قام بها السامريون بشكل مقصود للاحتفاظ بتقاليدهم الدينية ولهجتهم. بينما يعتمد النص المازوري اللهجة والتقاليد اليهودية.

ويلاحظ أن نصّ التوراة السامرية مدوَّن بكتابة عبرية أكثر قِدَماً من النص المازوري أو الأدب اليهودي العبري بشكل عام. وحوالي عام 200 ق.م حلَّت الآرامية أو الحروف المربعة محل الكتابة العبرية القديمة في المجتمع اليهودي. ولا زالت بعض المخطوطات الكتابية الأقدم التي وجدت في قمران تبين ذلك. وهذه الكتابة العبرية القديمة تكتب بنفس أسلوب الكتابات التي وجدت على حجر موآب، ونقش سلوام، ورسائل لخيش، ولكن الكتابة السامرية تتميز بالزخرفة.

ويقول بول إنز عن التوراة السامرية إنها تعد شاهداً مهماً على نصّ العهد القديم. وهذا النصّ يشتمل على أسفار موسى الخمسة ويُعد ذا أهمية بالنسبة لتحديد قراءات النصّ. ويقول بروس أن الاختلافات بين التوراة السامرية والنسخة المازورية 916م في هذه الأسفار غير ذات قيمة بالمقارنة بأوجه الاتفاق

ويقول السير فريدريك كنيون إنه عندما تتفق الترجمة السبعينية والتوراة السامرية في مقابل النصّ المازوري، فإنهما يمثلان معاً القراءة الأصلية، ولكن عندما تختلف الترجمة السبعينية عن النصّ المازوري فيرجح أحدهما على الآخر في بعض الأحيان أو العكس في أحيان أخرى، ولكن الاختلاف على أي حال يتعلق بالتفسير وليس بالنصّ.

5(ج) شهادات أخرى لنص العهد القديم

1(د) التراجم الآرامية
ظهرت التراجم (النسخ) المكتوبة حوالي عام 500م.

والمعنى الأساسي لكلمة ترجوم Targum هو تفسير. والترجوم هو ترجمة للعهد القديم باللغة الآرامية.

ويوضح جايسلر ونيكس كيف نشأت التراجم:

هناك أدلة على أن الكتبة كانوا ينقلون الأسفار المقدسة العبرية شفهياً إلى اللهجة الآرامية العامية منذ زمن عزرا (نحميا 8: 1-8). وهذه التفاسير لم تكن ترجمات بالمعنى الدقيق للكلمة، ولكنها كانت وسائل مساعدة لفهم اللغة القديمة للتوراة ... وترجع الحاجة إليها إلى أن العبرية أصبحت شيئاً فشيئاً غير مألوفة كلغة للحديث بين عامة الشعب. وبانتهاء القرن الأول قبل الميلاد استمرت هذه الظاهرة بالتدريج حتى شملت كل أسفار العهد القديم وأصبح لكل منها تفسيره الشفهي (الترجوم).

وفي خلال القرون الميلادية الأولي، دوَّنت هذه التراجم وانتشر النصّ الرسمي لها، إذ أن الأسفار القانونية العبرية ونصوصها وتفسيرها كان قد تمَّ إقرارها قبل انعقاد مجمع جامنيا لعلماء اليهود (حوالي 90م) وطرد اليهود من فلسطين عام 135م. ويبدو أن أقدم نسخ الترجوم قد دوِّنت بالآرامية الفلسطينية إبان القرن الثاني الميلادي، إلا أن هناك أدلة تشير إلى وجود نسخ من الترجوم سابقة للعصر المسيحي.

ويذكر جايسلر ونيكس تفاصيل أكثر عن بعض التراجم الهامة:

إبان القرن الثالث الميلادي، ظهر في بابل ترجوماً آرامياً للتوراة ... وينسب التقليد هذه النسخة إلى أونكيلوس ... كما وجد ترجوماً بابلياً آرامياً آخر مع أسفار الأنبياء (الأولين والمتأخرين) ويعرف باسم ترجوم يوناثان بن عزئيل. وهو يرجع إلى القرن الرابع الميلادي، وهو مستفيض فيما يتعلق بتفسيره للنص. وكل من هاتين النسختين كانت تقرأ في المجامع. ولأن الأسفار المعروفة بالكتب لم تكن تقرأ في المجامع، لم يكن هناك داع للاحتفاظ بنسخ رسمية منها، رغم أنه كانت هناك نسخاً غير رسمية يستخدمها الأفراد. وإبان منتصف القرن السابع الميلادي ظهر ترجوم للتوراة أُطلق عليه اسم ترجوم يوناثان المزيف ... كما ظهر ترجوم أورشليم أيضاً حوالي عام 700م ولكن لم يتبق سوى بعض أجزائه.

وبعد أن أخذ اليهود إلى السبي، حلَّت اللغة الكلدانية محل اللغة العبرية. ومن ثم كان اليهود بحاجة إلى ترجمة الأسفار المقدسة إلى اللغة الجديدة التي يتحدثون بها.

ويحدثنا ف.ف. بروس عن الترجوم بشكل أكثر تشويقاً:

إبان القرون التي اختتمت عصر ما قبل الميلاد تنامت ظاهرة مصاحبة التفسير الشفهي باللغة الآرامية العامية للقراءات العامة للأسفار المقدسة في المجامع. وكان من الضروري إزاء تضاؤل معرفة العامة من الشعب باللغة العبرية كلغة للحديث أن يكون هناك تفسير لنصّ الأسفار المقدسة بلغة يعرفونها حتى يمكنهم فهم ما كان يُقرأ. وكان المسؤول عن إلقاء هذا التفسير الشفهي يسمي الميتورجمان (المترجم أو المفسر) وكان التفسير نفسه يسمى الترجوم.

ولم يكن يسمح للميتورجمان أن يقرأ من خلال درج مكتوب، حتى لا يعتقد جمهور الحاضرين خطأً أنه يقرأ الأسفار المقدسة الأصلية. أما بالنسبة للدقة، فلم يكن يسمح إلا بترجمة آية واحدة فقط من التوراة وما لا يزيد عن ثلاث آيات من أسفار الأنبياء في المرة الواحدة. وبمرور الوقت دوَّنت هذه التفاسير.

ويشير ج. أندرسون في كتابه «الكتاب المقدس هو كلمة الله» إلى أن: الفائدة العظمى لكتب الترجوم الأكثر قدماً تكمن في البرهان على أصالة النص العبري عن طريق إثبات أن النص العبري الذي كان يوجد في عصر تدوين كتب الترجوم هو نفسه النصّ الذي لدينا اليوم.

ويخلص جايسلر ونيكس إلى أنه: لا يعد أي من كتب الترجوم هذه ذا أهمية بالنسبة لناقد النص، ولكنها جميعاً ذات أهمية بالنسبة لدراسة علم التفسير إذ أنها تشير إلى الطريقة التي كان يفسر بها علماء اليهود الأسفار المقدسة.

2(د) المشنا (200م)
اكتمل تدوين المشنا (تكرار أو تفسير أو تعليم) حوالي عام 200م، وكانت عبارة عن خلاصة الشريعة الشفهية منذ عصر موسى. وتمَّ تدوينها باللغة العبرية، وكانت تتضمن التقاليد والتفاسير الشفهية للشريعة. 

وما تحويه من اقتباسات كتابية تشابه النصّ المازوري إلى حد بعيد وتعدّ شاهداً على موثوقيته.

3(د) الجيمارا
(الجيمارا الفلسطينية 200م، الجيمارا البابلية 500م). دوَّنت الجيمارا (وتعني يكمل أو ينجز أو يتعلَّم) باللغة الآرامية، وكانت في الأساس شرحاً مكملاً للمشنا. وقد وجد منها نسختان: الجيمارا الفلسطينية (حوالي 200م) والجيمارا البابلية وهي الأكبر حجماً والأكثر مرجعية (حوالي 500م).

وتسهم هذه الشروحات (المدونة بالآرامية) التي ارتبطت بالمشنا في تحقيق موثوقية النصّ المازوري.

وتشكل المشنا مع الجيمارا الفلسطينية التلمود الفلسطيني، ومع الجيمارا البابلية التلمود البابلي.

المشنا + الجيمارا الفلسطينية = التلمود الفلسطيني

المشنا + الجيمارا البابلية = التلمود البابلي

4(د) المدراش
كان المدراش (100 ق.م. - 300 م) عبارة عن الدراسات العقائدية للنصّ العبري للعهد القديم. والاقتباسات الكتابية في المدراش مأخوذة عن النصّ العبري.

كان المدراش (الدراسة أو التفسير النصّي) تفسيراً عقائدياً ووعظياً للأسفار العبرية المقدسة مدوناً بالعبرية والآرامية. وتم جمع المدراشيم (جمع مدراش) بين عامي 100 ق.م. و300 م. وينقسم المدراش إلى جزئين رئيسيين الهلاكا Halakah أي إجراء، وهو يختص بالتوراة فقط، والهاجادا Hagada إعلان أو تفسير، وهي شروحات للعهد القديم كله، وقد اختلفت كتب المدراش عن الترجوم، فالأولى كانت في الحقيقة شروحات أما الأخيرة فكانت ترجمات. ويشتمل المدراشيم على بعض العظات التي كانت تُلقى قديماً في المجامع والتي تدور حول العهد القديم وما به من أمثال ومواعظ.

5(د) اكتشافات أخرى هامة
برديات ناش
: من بين المخطوطات القديمة للعهد القديم العبري، هناك نسخة غير سليمة للشيما (وهي الآيات الواردة في تثنية 6: 4-9) وقصاصتان للوصايا العشر ( خروج 20: 2-17 ، تثنية 5: 6-21). وترجع برديات ناش إلى ما بين القرن الثاني ق.م. والقرن الأول الميلادي.

المخطوطة القاهرية: وهي مخطوطة على شكل كتاب به صفحات. وطبقاً لكتابة وردت في آخر هذه المخطوطة، دُونت المخطوطة القاهرية وشُكِّلت حوالي عام 895 م على يد موسى بن أشير في طبرية بفلسطين. وهي تحتوي على أسفار الأنبياء الأولين (يشوع والقضاة وصموئيل الأول والثاني والملوك الأول والثاني) والأنبياء المتأخرين (إشعياء وإرميا وحزقيال والأنبياء الصغار).

مخطوطة حلب: وقد دونها شيلومو بن بايا  ولكن وفقاً لما ورد كملاحظة ختامية بها، قام موسى بن أشير (حوالي عام 930م) بتشكيلها. وتعتبر هذه النسخة نسخة نموذجية رغم عدم السماح بنسخها لفترة طويلة،كما قيل أيضاً أنها فقدت.  وقد تم تهريبها من سوريا إلى إسرائيل وتم تصويرها في وقتنا الحالي وهي تُعد الأساس الذي يعتمد عليه الكتاب المقدس العبري الذي أصدرته الجامعة العبرية.  وتعتبر مرجعاً صحيحاً للنص الذي دوَّنه ابن أشير.

مخطوطة لننجراد: وفقاً لما ورد كملاحظة ختامية بها فقد قام صموئيل بن يعقوب في القاهرة القديمة بنسخها عام 1008 نقلاً عن مخطوطة (مفقودة الآن) دوَّنها هارون بن موسى بن أشير حوالي عام 1000 م ، وهي تمثل إحدى المخطوطات القديمة للكتاب المقدس العبري كاملاً.

المخطوطة البابلية للأنبياء المتأخرين: وتسمى أحياناً مخطوطة ليننجراد للأنبياء  أو مخطوطة بطرسبرج. وهي تشمل إشعياء وإرميا والأسفار الاثنى عشر. وترجع إلى عام 916 م، ولكن أهميتها الرئيسية تكمن في إعادة اكتشاف علامات الترقيم التي أضافها الكتبة المازوريون في المدرسة البابلية. أما مخطوطة روخلن التي ترجع إلى عام 1105 فهي الآن في كارلزروه. ومثلها مثل مخطوطة المتحف البريطاني (حوالي 1150 م) فهي تحتوي تنقيحاً أجراه ابن نفتالي وهو مازوري من طبرية. وتعتبر هذه المخطوطات ذات أهمية بالغة بالنسبة لتحقيق نص ابن أشير

مخطوطات إيرفورت: توجد مخطوطات إيرفورت (E1, E2, E3) . في مكتبة جامعة توبنجن. وتمثل إلى حد ما (وخصوصاً نص E3التقليد النصي لابن نفتالي. وترجع مخطوطة E1 إلى القرن الرابع عشر. أما مخطوطة E2 فيرجَّح أنها ترجع إلى القرن الثالث عشر. أما مخطوطة E3 فهي أقدم المخطوطات الثلاث وتعود إلى ما قبل عام 1100

 

2(ب) ملخص

1(ج) قواعد نقد النص

وضع العلماء معايير ثابتة لتحديد القراءة الصحيحة أو الأصلية. وهناك سبعة معايير نذكرها على النحو التالي:

دليل اختيار القراءة الصحيحة:

1- تُفضَّل القراءة الأقدم على الأحدث لأنها أقرب للأصل.

2- تُفضَّل القراءة الأكثر صعوبة لأن الكتبة كانوا يميلون إلى تبسيط القراءات الصعبة.

3- تُفضَّل القراءة الأقل حجماً لأن النساخ كانوا عرضة لإدخال بعض المواد أكثر من حذف جزء من النص المقدس.

4- تُفضَّل القراءة التي تفسر القراءات الأخرى المختلفة.

5- تُفضَّل القراءة التي يؤيدها المدى الجغرافي الأكثر اتساعاً لأنه من غير المرجح أن تكون مثل هذه المخطوطات أو النسخ قد أثرت على بعضها البعض.

6- تُفضَّل القراءة التي تتفق أكثر مع أسلوب الكاتب المعتاد.

7- تُفضَّل القراءة التي لا تعكس انحيازاً عقائدياً معيناً.

2(ج) مقارنة الفقرات المتكررة
وهناك دليل آخر على صحة مخطوطات العهد القديم نجده عندما نقارن بين الفقرات المتكررة في النص المازوري نفسه، إذ تتكرر العديد من المزامير (مثل مزموري 14، 53)، كما نجد الكثير من إشعياء 36-39 في ملوك الثاني 18-20 ، وهناك تماثل كبير بين إشعياء 2: 24 و ميخا 4: 1-3 ، ونجد أجزاء كثيرة من أخبار الأيام في صموئيل والملوك. ويتضح من دراسة هذه النصوص الاتفاق الأساسي بينها وفي بعض الأحيان التطابق التام بينها. ومن ثم يمكن القول بأن نصوص العهد القديم لم تشهد تغيراً جذرياً، حتى مع افتراض أن هذه النصوص المتماثلة ترجع إلى مصادر متطابقة.

3(ج) البرهان الأثري
قدم علم الآثار أدلة مادية على صحة نصوص العهد القديم، إذ أكدت الكثير من الاكتشافات على الدقة التاريخية لوثائق الكتاب المقدس حتى بالنسبة للأسماء القديمة لملوك البلدان الأجنبية التي وردت به بشكل عرضي. وقد ألفت الكتب الكثيرة التي سجلت هذه البراهين الأثرية التي تؤكد صحة الكتاب المقدس. ويؤكد عالم الآثار نلسون جلوك ما يلي: يمكن القول بأن الاكتشافات الأثرية في قطاعاتها المختلفة لم تناقض أبداً أي إشارة كتابية. بل أن هناك عشرات الاكتشافات التي تؤيد، إجمالاً وتفصيلاً، الإشارات التاريخية في الكتاب المقدس. 

4(ج) الترجمة السبعينية والنصَّ المازوري
كانت الترجمة السبعينية هي نسخة العهد القديم التي استخدمها الرب يسوع والرسل. فالكثير من اقتباسات العهد الجديد مأخوذة عنها، حتى في المواضع التي تختلف فيها عن النص المازوري. وتتفق الترجمة السبعينية بوجه عام مع النص المازوري وتعد شاهداً على صحة النص العبري في القرن العاشر.

لو لم تكن هناك أية شواهد أخرى، يمكن الاستدلال على صحة النصَّ المازوري والتيقن من ذلك عن طريق مقارنة النصوص وفهم النظام الخاص الذي استعمله الكتبة اليهود. ولكن بعد اكتشاف مخطوطات البحر الميت، بدءً من عام 1947، أصبح هناك شواهد قوية على صحة النص العبري الذي دوَّنه المازوريون. لقد اتهم نقاد النصَّ المازوري المخطوطات، بأنها قليلة وترجع إلى عصور متأخرة. وباكتشاف مخطوطات البحر الميت، شهدت المخطوطات القديمة على صحة العهد القديم كله تقريباً. وتسبق هذه المخطوطات المخطوطات المازورية العظيمة للقرن العاشر بحوالي ألف عام. وقبل اكتشافات جنيزة القاهرة وكهوف البحر الميت كانت بردية ناش (وهي قصاصة مدوَّن عليها الوصايا العشر والشيما) (تثنية 6: 4-9) التي ترجع إلى ما بين عامي 150 و100 ق.م.، هي المخطوطة الوحيدة المعروفة للنصَّ العبري التي ترجع إلى ما قبل العصر المسيحي.

5(ج) الاتفاق مع التوراة السامرية
رغم الاختلافات الكثيرة والقليلة الشأن بين التوراة السامرية والنص العبري للعهد القديم، هناك اتفاق أساسي بينهما. فكما أشرنا سلفاً، فإن الاختلافات التي يصل عددها إلى ستة آلاف اختلاف عن النصّ المازوري ترجع معظمها إلى اختلاف الأشكال الإملائية للكلمات والتنوع الثقافي. ويتفق 1900 من هذه الاختلافات مع الترجمة السبعينية (كما هو الحال بالنسبة لأعمار الآباء الأولين المذكورة في تكوين 5 و11). وبعض اختلافات التوراة السامرية ترجع إلى أسباب طائفية مثل الأمر ببناء الهيكل على جبل جرزيم، وليس في أورشليم (جاء ذكرها بعد خروج 20: 17). إلا أنه يجب ملاحظة أن معظم مخطوطات التوراة السامرية ترجع إلى عصر متأخر (القرنين الثالث عشر والرابع عشر) ولا يرجع أي منها إلى ما قبل القرن العاشر ومع ذلك فهي تؤكد مجمل النص الذي نقلت عنه قبل مئات السنين.

6(ج) مقارنة مع مخطوطات البحر الميت
باكتشاف مخطوطات البحر الميت، توفرت للعلماء مخطوطات عبرية أقدم من مخطوطات النصّ المازوري العظيم بنحو ألف عام. ومن ثم استطاعوا التحقق من سلامة النصّ العبري. هناك تطابق تام فيما بينهما يصل إلى 95 بالمائة، أما ال 5% المتبقية فيرجع معظمها إلى زلات النسَّاخ والاختلافات الإملائية. إن مخطوطة سفر إشعياء (IQIs a) التي اكتشفت في قمران حدت بمترجمي النسخة القياسية «المنقحة للكتاب المقدس » لتسجيل ثلاثة عشر اختلاف فقط بينها وبين النصّ المازوري، ثمانية من هذه الاختلافات عُرِفت في النسخ القديمة، والقليل منها له أهمية تذكر. ومن بين 166 كلمة عبرية في إشعياء 53 ، هناك سبعة عشر حرفاً فقط في المخطوطة ب لسفر إشعياء تختلف عن النصّ المازوري. وعشرة من هذه الحروف تتعلق باختلافات في الهجاء، وأربعة منها تتصل بالأسلوب، والثلاثة الأخرى تشكل حروف كلمة نور (الزائدة في آية 11)، مما لا يؤثر على المعنى. (Harris, IC, 124) علاوة على ذلك فقد وجدت هذه الكلمة في الآية نفسها في الترجمة السبعينية وفي المخطوطة (أ) لسفر إشعياء.

7(ج) خاتمة
إن آلاف المخطوطات العبرية التي تؤكد صحتها الترجمة السبعينية والتوراة السامرية، والشواهد العديدة من خارج وداخل النص الكتابي تقدم براهين قاطعة على موثوقية نصّ العهد القديم. ومن ثم يمكنني القول مع كنيون إن المسيحي يستطيع أن يمسك بالكتاب المقدس قائلاً دون خوف أو تردد أنه يمسك بكلمة الله الحقيقية التي وصلت إلينا ولم يفقد منها شيئاً عبر الأجيال.

ولما كان نصّ العهد القديم يرتبط على نحو وثيق بالعهد الجديد، فإن موثوقيته تدعم الإيمان المسيحي. وهذا صحيح ليس فقط بالنسبة لتأكيد النبوءات الخارقة للطبيعة عن المسيح، ولكن أيضاً بالنسبة لدعم الموثوقية التاريخية للعهد القديم التي شهد بها الرب يسوع وكتَّاب العهد الجديد.

 

2(أ) البرهان الأثري والتاريخي للعهد القديم

1(ب) تمهيد وتعريف بعلم الآثار
لقد بدأ علم الآثار يحتل مكانة هامة بين العلوم الطبيعية في الفترة الأخيرة. فقد كانت له إسهامات هامة في الكثير من المجالات ومنها نقد الكتاب المقدس ودراسات موثوقية النص الكتابي.

تتكون كلمة archaeology (علم الآثار) من كلمتين يونانيتين: Archaios وتعني قديم أو عتيق، وLogos وتعني كلمة أو بحث أو دراسة. فالمعنى الحرفي لها هو دراسة الآثار القديمة. ويرد التعريف التالي لها في قاموس وبستر: الدراسة العلمية للآثار (مثل الحفريات والأبنية القديمة وغيرها من الآثار القديمة) التي نتجت عن الحياة والنشاط البشري في الماضي. ومن ثم فإن مهمة عالم الآثار هي أن يجمع ما تخلف من آثار من مجتمع معين ثم يعيد بناء هذه الآثار من جديد.

يختلف علم الآثار عن معظم العلوم الحديثة في أنه يحاول إثبات فرضية معينة لا أن يخرج بنتائج علمية أكيدة. إن أساس أي تجربة في العلم الحديث هو أنه لو تكرر حدوث الشئ فلابد أنه صحيح. وعلى النقيض من ذلك لا يمكن لعلم الآثار أن يعيد نتائجه. لذلك فهو يقدم أطروحات فقط -وليس نتائج أكيدة- فيما يتعلق بمكتشفاته ما لم يكن هناك دليل آخر خارجي سواءً كان هذا الدليل نصي أو ما شابه ذلك. وهذا هو ما ينفرد به علم الآثار وحده.

وخلال القرنين التاسع عشر والعشرين واجه الكتاب المقدس موجة عنيفة من النقد العالي. لقد سعى النقاد إلى تقويض الأساس التاريخي للكتاب المقدس، فافترضوا أن به أخطاءً يجب تصحيحها لتلائم حقائق علم الآثار. ولكن هذا الموقف قد تبدَّل الآن. قال العالم اليهودي الذي صار مسيحياً نلسون جلوك: ينبغي التأكيد على أنه ليس هناك أي اكتشاف أثري يناقض أية عبارة واضحة المعنى في الكتاب المقدس.  لاحظ أن هذه العبارة قالها عالم يهودي صار مسيحياً. فرغم أنه لم يكن مسيحياً فقد شهد أن علم الآثار يؤكد الكتاب المقدس.

وفي هذا الكتاب نقسِّم البرهان الأثري إلى برهان القِطَع الأثرية والبرهان الوثائقي. ويمكن تعريف برهان القطع الأثرية على أنه قِطَع أثرية لمجتمعات قديمة تشهد بشكل مباشر لأحداث معينة في الكتاب المقدس. ومن ناحية أخرى يمكن تعريف البرهان الوثائقي على أنه نصوص غير كتابية (وثائق مدوَّنة) تؤيد الأحداث التاريخية للعهد القديم بشكل مباشر أو غير مباشر. وكل من هذين البرهانين يعتبر أثرياً بطبيعته.

 

2(ب) كلمة تحذير
رغم أن علم الآثار لم يناقض الكتاب المقدس أبداً، إلا أننا يجب أن نشير إلى التحذير التالي. نسمع كثيراً العبارة التالية: «علم الآثار يثبت الكتاب المقدس». لا يمكن لعلم الآثار أن يثبت الكتاب المقدس لو كان يقصد بذلك أنه يثبت إعلان الله ووحيه. ولكن إن كنا نقصد بذلك أنه يبين أن حدثاً كتابياً معيناً يوافق التاريخ. فعندها نقول إن علم الآثار يثبت الكتاب المقدس. وأعتقد أن علم الآثار يسهم في مجال الدراسات الكتابية، ليس فيما يختص بإثبات وحيه، ولكن لأنه يؤكد صحة ومصداقية الأحداث التاريخية التي سجلها لنا. ولنفترض أن الأحجار التي نقشت عليها الوصايا العشر قد تمَّ العثور عليها. فيمكن لعلم الآثار أن يؤكد أنها أحجار وأن الوصايا العشر قد كتبت عليها وأنها ترجع إلى زمن موسى، ولكنه لا يستطيع إثبات أن الله أعطاها لموسى.

كتب ميللر باروز يقول إن علم الآثار يمكن أن يخبرنا الكثير عن طبوغرافية حملة عسكرية ولكنه لا يستطيع أن يخبرنا أي شئ عن طبيعة الله.

وهناك قيد آخر يقيِّد علم الآثار وهو قلة الآثار. كتب إدوين ياموتشي يقول: في استخدامهم للشواهد الأثرية لم يستطع مؤرخو العصور القديمة أن يدركوا مدى ندرة الشواهد التي لدينا. ولا أكون مغالياً إذا قلت إن ما لدينا ليس إلا جزءاً بسيطاً جداً من الشواهد المطلوبة.

ويناقش جوزيف فري في كتابه «علم الآثار وتاريخ الكتاب المقدس» مسألة علم الآثار وعلاقته بالكتاب المقدس:

أشرنا إلى أن الكثير من نصوص الكتاب المقدس التي طالما حيرت المفسرين قد اتضح معناها في ضوء الاكتشافات الأثرية. وبعبارة أخرى ألقى علم الآثار الضوء على النصوص الكتابية ومن ثم قدم إسهامات هامة في مجال التفسير الكتابي. فضلاً عن ذلك فقد أكد علم الآثار عدداً لا يحصى من النصوص الكتابية التي كان يرفضها النقاد لعدم صحتها التاريخية أو تناقضها مع الحقائق المعروفة.

وينبغي للمرء أيضاً أن يدرك أن علم الآثار لم يدحض تماماً آراء النقاد الراديكاليين إذ أن هؤلاء النقاد لديهم من الافتراضات المسبقة ما يمنعهم من تبنِّي وجهة نظر موضوعية. ويوضح باروز هذا الأمر قائلاً: ليس صحيحاً أن نقول إن الاكتشافات الأثرية قد فنَّدت جميع النظريات التي قال بها النقاد. وليس صحيحاً أيضاً أنه قد تم دحض جميع المواقف والمناهج الأساسية التي تبناها النقد العلمي الحديث.

ومع ذلك، وعلى نحو ما هو موضَّح في هذا الفصل، فإن علم الأثار قد بَّين أن الكثير من عقائد النقد الراديكالي غير صحيحة مما أثار التساؤلات حول ما كان يُدرس باعتباره النتائج الأكيدة للنقد العالي. ولذلك فمن الأهمية بمكان عند التعامل مع علم الآثار ليس فقط السعي لمعرفة الحقائق ولكن أيضاً فحص الافتراضات المسبقة لمن يعرضون هذه الحقائق.

ويعلق ألبرايت، على سبيل المثال، على البراهين التي أكدت مملكة سليمان المترامية الأطراف والتي طالما شكَّك فيها النقاد الراديكاليون. وكتب يقول: ومرة أخرى نجد أنه ينبغي تصحيح مسار النقد الراديكالي الذي شهدته الخمسون عاماً الماضية.

ويؤكد البعض ومن دون أساس أن من يؤمنون بقوى ما وراء الطبيعة لا يمكن لهم أبداً أن يتفقوا مع من لا يؤمنون بها فيما يختص بنتائج علم الآثار، إذ أن كل منهما يقف في معسكر مختلف عن الآخر. ويفترض هؤلاء أن المرء يفسر الاكتشافات الأثرية وفقاً لرؤيته الخاصة.

ويرد على هذا الإدعاء جوزيف فري في كتابه: «علم الأثار والنقد العالي» بشكل مقنع قائلاً:

وطبقاً لهذا الرأي فإن اكتشافاً أثرياً معيناً يعني شيئاً ما بالنسبة لمن يؤمن بالقوى الخارقة للطبيعة ويعني شيئاً آخر بالنسبة لمن لا يؤمن بها، ومن ثم فإن علم الآثار ليس ذا أهمية كبيرة بالنسبة للدفاع عن العقيدة.

وليس هذا هو كل شئ. ولأوضح الأمر، كان الناقد الكتابي في القرن التاسع عشر يمكنه أن يقول إن سرجون لم يكن له وجود، وأنه لم يكن هناك وجود للحثيين أو كان وجودهم غير ذي قيمة وإن الروايات الخاصة بالآباء الأولين كانت بها إشارات لعصور متأخرة، وإن المنارة ذات الأفرع السبعة في خيمة الاجتماع عرفت في عصر متأخر، وأن إمبراطورية داود لم تكن بهذا الاتساع المشار إليه في الكتاب المقدس، وإن بيلشاصر لم يكن له وجود، إلى غير ذلك من الأخطاء الكثيرة التي افترض وجودها في النص الكتابي.

وعلى العكس من ذلك فقد دلت، الاكتشافات الأثرية على أن سرجون قد وجِد وعاش في قصر فخم على بعد ما يقرب من اثني عشر ميلاً شمال نينوي، وأن الحثيين وجِدوا وكانوا شعباً له شأن، وأن الروايات الخاصة بالآباء الأولين تناسب العصر المشار إليه في الكتاب المقدس، وأن المنارة ذات السبعة أفرع قد عرِفت في بدايات العصر الحديدي، وأنه كانت هناك مدينة هامة ذكرت ضمن ما ذكِر عن مملكة داود، وجِدت على مسافة بعيدة شمالاً، وأن بيلشاصر وجِد وحكم بابل، وأن سائر الأخطاء والتناقضات الأخرى المفترضة لم تكن أخطاء على الإطلاق.

وبالطبع فإن عقيدة المرء يمكن أن تؤثِر على تفسيره لحقيقة معينة أو اكتشاف أثري معين بعض الشيء. ولكن بالنسبة للخطوط العريضة والكمّ الهائل من التفاصيل الدقيقة، تظل الحقائق هي الحقائق سواء كان مكتشفها يؤمن بما وراء الطبيعة أم لا. ولست أعرف شخصاً من هؤلاء الذين لا يؤمنون بالقوى الخارقة للطبيعة، لا يزال يفترض أن سرجون لم يكن له وجود أو أن الحثيين لم يكن لهم وجود أو أن بيلشاصر كان شخصية أسطورية. هناك الكثير من الأشياء التي يتفق عليها جميع العلماء المنصفين بغض النظر عن عقيدتهم الدينية. إلا أن هناك مجالات معينة لم يأخذ فيها الناقد الليبرالي البراهين، سواءً كانت أثرية أم لا، بعين الاعتبار بشكل كافِ. واعتقد أن هذا صحيح بالنسبة لمجالات النظرية الوثائقية وفي المسائل المتعلقة بكتَّاب أسفار الكتاب المقدس وتاريخ كتابتها وصحتها.

 

3(ب) تفسير المعلومات الأثرية

هناك ثلاثة خطوط إرشادية مفيدة لدراسة المعلومات الأثرية التي تتصل بالمسيحية. أولاً: يمكن الوصول إلى المعنى من خلال السياق. فالبرهان الأثري يعتمد على عوامل السياق من تاريخ ومكان ومادة وأسلوب. وهنا يعتمد المعنى على الافتراضات المسبقة للمفسر. ومن ثم فليست جميع التفسيرات المقترحة للشواهد تؤيد المسيحية. ومن الأهمية بمكان أن نتأكد من أن الافتراضات المسبقة للشخص صحيحة قبل تفسير هذه المعلومات.

ثانياً: يعد علم الآثار نوعاً خاصاً من العلوم. فالفيزيائيون والكيميائيون يمكنهم إجراء كافة أنواع التجارب لإعادة خلق العمليات التي يقومون بدراستها ويلاحظونها المرة تلو الأخرى. أما علماء الآثار فلا يمكنهم ذلك. إذ ليس أمامهم سوى الشواهد التي تركتها لهم مرة واحدة حضارة معينة. فهم يقومون بدراسة أحداث ماضية فريدة وليس نظماً حاضرة. ولأنهم لا يستطيعون إعادة تشكيل المجتمعات التي يقومون بدراستها، فإنه لا يمكن اختبار ما يتوصلون إليه من نتائج كما هو الحال في العلوم الأخرى. إن علم الآثار يحاول أن يجد تفسيرات مقبولة ومحتملة الحدوث للشواهد التي يكتشفها. ولا يمكن لعلم الآثار أن يصيغ القوانين كما هو الحال بالنسبة للعلوم الطبيعية. ولهذا السبب فإن النتائج التي يتوصل إليها عرضة للتنقيح. وأفضل التفسيرات هو الذي يفسر جميع الشواهد على أكمل وجه.

ثالثاً: يعد الشاهد الأثري شاهداً جزئياً. فهو يتضمن فقط جزءاً صغيراً من مجمل الأحداث. ومن ثم فإن اكتشاف المزيد من الشواهد يمكن أن يغير النتائج تماماً، وخاصة إذا كانت النتائج تستند أكثر إلى غياب الشواهد والافتقار للأدلة. وقد أدَّت الاكتشافات الأثرية إلى دحض الكثير من الآراء النقدية للكتاب المقدس. فمثلاً: طالما ساد الاعتقاد بأن الكتاب المقدس أخطأ عندما تحدَّث عن الحثيين. (تكوين 23: 10) ولكن بعد اكتشاف المكتبة الحثية في تركيا (1906) لم يعد الحال كذلك.

 

4(ب) الأسباب الأساسية للاهتمام المتزايد بعلم الآثار
لماذا حظي علم الآثار بهذا الاهتمام الكبير في السنوات الأخيرة؟ يذكر وليم ف. ألبرايت أربعة عوامل للتقدم المتواصل في مجال علم الآثار:

1- الزيادة السريعة في عدد البعثات الأثرية القادمة من مختلف الأقطار بما فيها اليابان. وتماشى مع ذلك الزيادة في أعداد المتاحف ونشر المجلدات. ومن ثم فإن الزيادة لم تكن فقط في أعمال التنقيب الأثرية ولكن فيما ينشر عنها من بحوث كذلك.

2- استحداث وسائل أفضل للتنقيب الأثري بشكل لافت للنظر. وينطبق هذا على كل من تحليل الطبقات المتراصة فوق بعضها (علم الطبقات) وتصنيف وتأريخ المكتشفات (دراسة الرموز الكتابية).

3- استخدام الكثير من التقنيات الحديثة للعلوم الطبيعية ومنها استخدام الكربون المشع (نظير الكربون 14) لتحديد الأعمار.

4- فهم وتفسير الكمَّ الهائل من النصوص والنقوش الأثرية الجديدة والمدوَّنة بالعديد من اللغات والكتابات التي لم يكن الكثير منها معروفاً قبل عقود قليلة. وقد أتاح تطبيق القواعد اللغوية والفيلولوجية السليمة على ألواح الكتابة المسمارية والبرديات الهرطوقية المصرية نشر هذه النصوص بشكل سريع وصحيح. لقد أصبح تفسير أي كتابة جديدة يتم بشكل سريع إذا ما توفرت بعض الأدلة التي تسمح بذلك. وهناك عدد لا يحصى من الألواح المسمارية التي ترجع إلى الألفية الثالثة ق.م. والتي حفظت تحت أنقاض مستعمرة في غرب آسيا ومصر. كما قللت الأساليب الأثرية المستحدثة نسبة المفقودات الأثرية إلى حد كبير.

بمساعدة علم الطبقات والتحليل العلمي والبحث الأثـري يمكـن لعـالم الآثــار اليوم أن يعيد تشكيل الحياة اليوميــة للشعوب القديمة بدقة كبيرة

 

5(ب) الحجارة تصرخ: أمثلة للبرهان الأثري لصحة روايات العهد القديم
يعزِّز علم الآثار معرفتنا بالخلفية الاقتصادية والثقافية والاجتماعية والسياسية للنصوص الكتابية. كما أنه يساعدنا على فهم الديانات الأخرى التي كانت لدى الشعوب المحيطة بإسرائيل.

1(ج) سدوم وعمورة
كان يعتقد أن دمار مدينتي سدوم وعمورة قصة غير حقيقية حتى دلت الاكتشافات على أن المدن الخمس التي يذكرها الكتاب المقدس كانت في الواقع مراكز للتجارة في المنطقة وكانت تقع جغرافياً كما قال الكتاب تماماً. أما الدمار الذي حل بهذه المدن والذي ذكره الكتاب المقدس فلم يكن أقل دقة. تشير الشواهد إلى حدوث نشاط زلزالي أسفَرَ عن تشقق طبقات الأرض المختلفة وانفجار الحِمم البركانية. ويكثر القار في هذه المدن، مما يشير إلى تساقط المواد الكبريتية على هذه المدن التي رفضت الله. هناك أدلة على أن طبقات الصخور الرسوبية قد انصهرت معاً بفعل الحرارة الشديدة. وتمّ هذا الاكتشاف على قمة جبل أوسدوم (جبل سدوم). وهذا برهان قوي على الحريق الهائل الذي حدث في الماضي ربما بسبب اشتعال البترول وانفجاره تحت البحر الميت. ولا ينفي هذا التفسير بأي حال من الأحوال الصفة المعجزية للحدث لأن الله هو المهيمن على قوى الطبيعة. ويبين توقيت الحدث، في ظل أحداث زيارة الملائكة وتحذيراتهم، الطبيعة المعجزية لهذا الحدث.

2(ج) أريحا
خلال أعمال التنقيب التي جرت في أريحا (1930- 1936) اكتشف جارستنج شي