|
مقدمة: اختبارات لموثوقية الكتابات
القديمة
إن ما نتحدث عنه هنا هو الموثوقية
التاريخية للكتاب المقدس وليس موثوقية
وحيه. وهنا يكون من الضروري اختبار
الموثوقية التاريخية للكتاب المقدس
بنفس المعايير التي نختبر بها أي
وثيقة تاريخية أخرى.
يعرض
س. ساندرز في كتابه «مقدمة
للبحث في تاريخ الأدب الإنجليزي»
المبادئ الثلاثة الأساسية لدراسة
التاريخ، وهي الفحص الببلوغرافي والبرهان
الداخلي والبرهان الخارجي.وفي هذا الفصل نتناول
بالبحث العهد الجديد من الكتاب المقدس
لنرى مدى موثوقيته كمصدر صحيح للأحداث
التاريخية التي يسجلها من خلال تطبيق
المبادئ الثلاثة السابقة عليه.
1(أ) الفحص الببلوغرافي لموثوقية
العهد الجديد
إن الفحص الببلوغرافي هو دراسة
عملية الانتقال النصي للوثائق حتى
تصل إلينا. وبعبارة أخرى إذا كانت
الوثائق الأصلية ليست بحوزتنا،
فما مدى موثوقية النسخ التي بين
أيدينا بالنظر إلى عدد المخطوطـات
والفترة الزمنيـة الفاصلة بين
المخطوطة الأصلية والنسخ الباقية
الموجودة حالياً؟
1(ب) عدد المخطوطات وقربها الزمني
من الأصل
يقول ف. إ. بيترز إن أسفار
العهد الجديد كانت أكثر الكتب القديمة
شيوعاً وانتشاراً إذا ما نظرنا فقط
إلى ما وصل إلينا من مخطوطات. (Peters,
HH, 50) وعلى ذلك فإن موثوقية نص
العهد الجديد ترتكز على عدد كبير
جداً من المخطوطات. إن عدد النسخ
اليونانية وحدها تبلغ حوالي 5.656
مخطوطة للعهد الجديد كاملاً أو لأجزاء
منه. وهذه المخطوطات نسخت باليد فيما
بين القرن الثاني والقرن الخامس عشر.
إن
بين إيدينا اليوم ما يزيد على 5.686
مخطوطة يونانية للعهد الجديد. أضف
إلى ذلك أكثر من 10 آلاف نسخة من
الفولجاتا اللاتينية و9.300 نسخة
على الأقل من المخطوطات القديمة،
أي أن ما لدينا اليوم يصل إلى حوالي
25 ألف مخطوطة لأسفار العهد الجديد
أو ما يزيد على ذلك. وليس هناك أية
وثيقة أخرى من الوثــائق القديمة
تقترب ولو من بعيد من هذا العدد من
النسـخ. وبالمقــارنة تأتي إلياذة
هوميروس فـي المرتبــة الثانية حيث
يصل عدد مخطوطاتها إلى 643 مخطوطــة
فقـط. كما أن أول نص كامل لإلياذة
هوميروس يرجع إلى القرن الثالث عشر.
وفيما
يلي بيان مفصل بعدد مخطوطات العهد
الجديد التي وصلت إلينا:
المخطوطات
اليونانية
مخطوطات الحروف
الكبيرة المنفصلة 307
مخطوطات الحروف
الصغيرة المتصلة 2.860
مخطوطات القراءات
الكنسية 2.410
المخطوطات البردية
109
مجموع المخطوطات
اليونانية 5.686
مخطوطات بلغات
أخري
الفولجاتا
اللاتينية أكثر من 10.000
المخطوطات الأثيوبية
أكثر من 2.000
المخطوطات السلافية
4.101
المخطوطات الأرمينية
2.587
مخطوطات البشيتا
السريانية أكثر من 350
المخطوطات القبطية
البحرية 100
المخطوطات العربية
75
مخطوطات اللاتينية
العتيقة 50
المخطوطات الأنجلوساكسونية
7
المخطوطات القوطية
6
المخطوطات السوجدانية
( Sogdian)
3
مخطوطات
السريانية العتيقة 2
المخطوطات
الفارسية 2
المخطوطات
الفرنكية 1
مجموع
المخطوطات غير اليونانية أكثر من
19.284
المجموع
الكلي أكثر من 24.970
إن
أهمية عدد المخطوطات أمر لا يمكن
المغالاة فيه. وكما هو الحال بالنسبة
للكتابات القديمة الأخرى، ليس لدينا
مخطوطات أصلية متبقية إلى الآن للكتاب
المقدس. إلا أن وفرة المخطوطات تتيح
لنا إمكانية إعادة جمع النسخة الأصلية
بدرجة بالغة الدقة.
ويقول
جون وارويك مونتجمري إن الشك
في نصوص أسفار العهد الجديد من شأنه
أن يلقي بالشك على جميع الأعمال الكلاسيكية
القديمة، فليس هناك وثيقة من العصر
القديم تثبت المصادر صحتها على النحو
الذي تثبت به العهد الجديد.
أما
سير فردريك ج. كنيون، الذي
كان مديراً وأمين أول للمتحف البريطاني
ومسئولاً عن شئون المخطوطات، فيقول:
بالإضافة
إلى عددها الكبير، تختلف مخطوطات
العهد الجديد عن الأعمال الكلاسيكية
الأخرى .. إذ أن الفترة الفاصلة بين
كتابة أي منها وبين أقدم مخطوطاتها
المتبقية إلى الآن ليست قصيرة كما
هو الحال بالنسبة للعهد الجديد. كتبت
أسفار العهد الجديد في النصف الثاني
من القرن الأول، وأقدم المخطوطات
الباقية إلى الآن له (باستثناء بعض
الأجزاء القليلة منه) ترجع إلى القرن
الرابع أي بعد حوالي 250-300 سنة.
وقد تبدو هذه الفترة طويلة، ولكنها
فترة لا تذكر بالنسبة للفترة التي
تفصل بين كتابة معظم الأعمال الكلاسيكية
وبين أقدم مخطوطاتها. إننا نعتقد
أن لدينا نصاً صحيحاً لمعظم الأجزاء
الهامة للأعمال الدرامية السبعة المتبقية
لسوفوكليس، مع أن أقدم المخطوطات
الهامة لها والتي يعتمد عليها هذا
النص كتبت بعد 1400 سنة من موت الشاعر
اليوناني سوفوكليس.
ويقول
كنيون أيضاً في كتابه
«الكتاب المقدس وعلم الآثار »:
ومن ثم فإن الفترة الفاصلة بين
تاريخ كتابة الأصل وأقدم
المخطوطات المتبقية إلى الآن تصبح
قصيرة للغاية بحيث يمكن إهمالها،
وهكذا يزول كل شك في وصول الأسفار
المقدسة إلينا كما كتبت تماماً.
ويمكن اعتبار كل من موثوقية
وسلامة أسفار العهد الجديد قد تم
التثبت منها أخيراً.
كتب
كل من دوكري وماثيوس وسلون
مؤخراً: بالنسبة لمعظم النص الكتابي
نجد أن ما وصل إلينا يتطابق تقريباً
في قراءة واحدة. وباستبعاد أخطاء
التدوين والتغييرات المتعمـدة تصبح
هناك نسبة ضئيلة جداً يدور حولها
التساؤل. وهكذا
يصلون إلى النتيجة التالية:
ينبغي
القول بأن الفترة الزمنية بين كتابة
النص الأصلي وبين المخطوطة التالية
المتبقية إلى الآن لهذا النص تقل
كثيراً بالنسبة للكتاب المقدس عنها
بالنسبة لأي عمل آخر في الأدب اليوناني
... ورغم وجود الاختلافات بين كثير
من مخطوطات العهد الجديد، فليس هناك
أي عقيدة مسيحية جوهرية تعتمد على
أي من هذه القراءات المختلف عليها.
ويضيف
ف.ج.أ. هورت: يقف العهد الجديد وحده
تماماً بين الكتابات الأدبية القديمة
بحيث لا يضاهيه أي منها أو يقترب
منه وذلك لتنوع واكتمال مخطوطاته.
ويقول
ج. هارولد جرينلي: إن عدد
مخطوطات العهد الجديد الموجودة بين
أيدينا تفوق كثيراً مثيلاتها في أي
عمل أدبي قديم.. دونت أقدم مخطوطات
العهد الجديد الموجودة لدينا بعد
فترة قصيرة من كتابة النص الأصلي
بالمقارنة بمعظم الأعمال الأدبية
القديمة.
ويؤكد
لنا و.ف. ألبرايت أنه ليس
هناك أي عمل إغريقي قديم تؤيده
المخطوطات على النحو الذي نشهده
في العهد الجديد. هناك الكثير من
المخطوطات القديمة للعهد الجديد
على نحو يفوق أي عمل كلاسيكي آخر،
كما أن أكثر هذه المخطوطات قدماً
واكتمالاً لا يفصل بينها وبين
النص الأصلي سوى قرنين فقط.
ويقول
إدوارد جليني:
لقد منحنا الله 5.656 مخطوطة
كاملة أو جزئية للنص اليوناني
للعهد الجديد. وهو يعد أكثر الكتب
بقاءً واكتمالاً من بين ما وصل
إلينا من العصور الغابرة. ليس فقط
أن لدينا هذا العدد الكبير من
المخطوطات ولكن هذه المخطوطات
يقترب زمن كتابتها جداً من زمن
كتابة النصوص الأصلية. فهناك بعض
المخطوطات الجزئية للعهد الجديد
ترجع إلى القرن الثاني الميلادي
وهناك الكثير من المخطوطات التي
لا يفصل بينها وبين الأصل إلا
أربعة قرون أو أقل. ويزداد المرء
دهشة إذا ما قارن بينها وبين
الكتابات القديمة الأخرى
المتبقية.
ويذكر
لي ستروبل في أحد كتبه الحديثة
( نشر عام 1998) آخر الإحصائيات للمخطوطات
اليونانية للعهد الجديد على النحو
التالي: 99 مخطوطة بردية و306 مخطوطة
بالحروف الكبيرة و2.856 مخطوطة بالحروف
الصغيرة و2.403 مخطوطة للقراءات فيصبح
المجموع 5.664 مخطوطة. (Strobel,
CC, 62-63). قد تظهر اختلافات طفيفة
بين الإحصاءات ويرجع هذا إلى احتساب
الأجزاء الصغيرة من المخطوطات ضمن
المجموع، إلا أن هذا الكمّ الكبير
من المخطوطات يضفي على العهد الجديد
مصداقية تاريخية كبيرة.
أما
مايكل فيلت بمعهد دراسات العهد
الجديد في مونستر بألمانيا فيورد
لنا أحدث الإحصاءات للمخطوطات اليونانية
للعهد الجديد (في أغسطس 1998) على
النحو التالي: 109 مخطوطة بردية و307
مخطوطة الحروف الكبيرة و2.860 مخطوطة
بالحروف الصغيرة و2.410 مخطوطة للقراءات
بمجموع 5.686 مخطوطة.
ويقول
جليني مقارناً بين العهد الجديد
والوثائق القديمة الأخرى: لا يختلف
أحد على موثوقية الكتب التاريخية
القديمة مع أن النسخ الأصلية لها
ليست لدينا. إلا أن ما لدينا من مخطوطات
لهذه الأعمال أقل بكثير مما لدينا
من مخطوطات العهد الجديد.
ويرسم
لنا ف.ف. بروس في كتابه: «وثيقة
العهد الجديد» صورة حية للمقارنة
بين العهد الجديد والكتابات التاريخية
القديمة:
ربما
أمكننا تقدير مدى ثراء العهد الجديد
بالمخطوطات إذا ما قارنا بينه وبين
غيره من الأعمال التاريخية القديمة.
فلم يتبق سوى عدد قليل من المخطوطات
لكتابات قيصر عن حروب الغال (كتبت
بين عامي 58 ، 50 ق.م.) منها تسع
أو عشر مخطوطات فقط لا تزال صالحة
ويفصل بين أقدمها وبين عصر قيصر حوالي
900 سنة. ومن بين 142 كتاباً للتاريخ
الروماني الذي كتبه ليفي (59 ق.م.
- 17م) هناك 35 كتاباً فقط لا تزال
باقية. وهذه الكتب التي وصلت إلينا
لم نعرفها إلا من خلال ما يقلّ عن
20 مخطوطة فقط. واحدة من هذه المخطوطات
فقط، وهي التي تحوي أجزاء من الكتب
من الثالث إلى السادس، ترجع إلى القرن
الرابع. ومن بين 14 كتاباً لتاريخ
تاسيتوس (حوالي 100م) هناك
أربعة كتب ونصف فقط ما زالت موجودة،
ومن بين حولياته التاريخية التي تبلغ
16 كتاباً بقي 10 كتب كاملة وكتابان
غير كاملين. ونصوص هذه الأجزاء المتبقية
لاثنين من أعماله التاريخية العظيمة
تعتمد بشكل كلي على مخطوطتين ترجع
إحداهما إلى القرن التاسع والأخرى
إلى القرن الحادي عشر.
أما
المخطوطات المتبقية لأعماله الصغرى، فمصدرها مخطوطة ترجع
إلى القرن العاشر. أما تاريخ ثوسيديدس
(حوالي 460-400 ق.م.)، فقد وصل
إلينا في ثماني مخطوطات ترجع أقدمها
إلى حوالي سنة 900م، وبعض أوراق البردي
القليلة التي ترجع إلى بداية العصر
المسيحي. وينطبق الأمر نفسه على تاريخ
هيرودت (488-428 ق.م.) ومع ذلك لا
يقبل أي دارس للكتابات الكلاسيكية
أي تشكيك في موثوقية كتابات هيرودت
أو ثوسيديدس لأن أقدم
مخطوطاتها الهامة يفصل بينها وبين
الأصل أكثر من 1.300 عاماً.
ويكتب
جرينلي في كتابه «مقدمة
للنقد النصي للعهد الجديد» عن
الفترة الزمنية الفاصلة بين المخطوطة
الأصلية للنص وأقدم مخطوطاته المتبقية
إلى الآن، قائلاً:
إن
أقدم مخطوطات معظم الكلاسيكيات اليونانية
يفصل بينها وبين موت مؤلفيها ألف
عام أو أكثر. أما بالنسبة للمؤلفات
اللاتينية فإن هذه الفترة البينية
تقل إلى حد ما فتصل إلى ثلاثة قرون
على الأقل لكتابات فيرجيل. أما في
حالة العهد الجديد فإن اثنتين من
أهم المخطوطات كتبتا قبل مرور 300
عام على إتمام كتابة العهد الجديد،
بل إن بعض أسفار العهد الجديد وبعض
المخطوطات لأجزاء كثيرة منه لا تفصل
بينها وبين النسخة الأصلية له سوي
قرن واحد.
ويقول
أيضاً:
إن كان العلماء يقبلون الكتابات الكلاسيكية
القديمة ككتابات موثوق فيها رغم أن
أقدم المخطوطات لها كتبت بعد فترة
طويلة من النسخ الأصلية، وعدد هذه
المخطوطات ضئيل جداً في كثير من الحالات،
إذاً، فمن الواضح أن موثوقية نص العهد
الجديد أمر لا غبار عليه أيضاً.
وفي
هذه المقارنة يكتب بروس ميتسجر
في كتابه «نص العهد الجديد»
قائلاً:
حفظت
لنا أعمال الكثير من المؤلفين القدامى
من خلال خيط رفيع جداً من المخطوطات
المتناقلة. فمثلاً انتقل التاريخ
الوجيز لروما الذي كتبه فيليوس
باتركلوس إلى العصور الحديثة
عبر مخطوطة واحدة غير كاملة صدرت
عنها الطبعة الأولي - وهذه المخطوطة
الوحيدة فقدت في القرن السابع عشر
بعد نسخها على يد بيتوس ريناوس
في أمبرباخ. كما أن الحوليات
التاريخية للمؤرخ الشهير تاسيتوس
بقيت الكتب الستة الأولي منها فقط
من خلال مخطوطة واحدة ترجع إلى القرن
التاسع. وفي عام 1870 احترقت المخطوطة
الوحيدة المعروفة لـ الرسالة إلى
ديوجنيتس في المكتبة المحلية
لمدينة شتراسبورج وهذه الرسالة
من المؤلفات المسيحية المبكرة التي
تعتبر ضمن كتابات الآباء الرسوليين.
وعلى النقيض من هذا كله، يجد الناقد
النصي للعهد الجديد نفسه في حيرة
بسبب كثرة المخطوطات التي بين يديه.
ويكتب
ف.ف. بروس قائلاً: ليست
هناك أي مجموعة من الكتابات
القديمة لها مثل هذه الثروة من
المخطوطات النصية الجيدة التي
يحظي بها العهد الجديد.
بالمقارنة
بما يقرب من 5.700 مخطوطة يونانية
للعهد الجديد، يوضح الجدول التالي
افتقار بعض الوثائق القديمة الأخرى
للمخطوطات
ولا
عجب في النتيجة التالية التي وصل
إليها رافي زاكرياس: في الحقيقة،
يعد العهد الجديد أوثق الكتابات القديمة
من حيث عدد المخطوطات والفترة الزمنية
الفاصلة بين الأحداث التاريخية وبين
تدوين الوثيقة وكذلك من حيث تنوع
الوثائق المتاحة لتأييده أو رفضه.
ليست هناك مخطوطات أخرى قديمة تضاهي
مخطوطات العهد الجديد من حيث عددها
وتوافقها.
2(ب) أهم مخطوطات العهد الجديد
نعرض فيما يلي أهم الكشوف لمخطوطات
العهد الجديد حسب الترتيب التاريخي
لها. ولتحديد عمر المخطوطة هناك بعض
العوامل التي تساعدنا على ذلك وهي:
1-
مادتها.
2- حجم وشكل حروف الكتابة.
3- علامات الترقيم.
4- طريقة تقسيم النص.
5- الزخرفة.
6- لون الحبر.
7- نسيج ولون الرقوق
مخطوطة
جون رايلاندز (130م)
وهي
توجد بمكتبة جون رايلاندز في مانشستر
بإنجلترا (أقدم مخطوطات العهد الجديد).
بسبب قِدَمها وموقع العثور عليها
(مصر)، بالقرب من الموقع الذي دونت
فيه (آسيا الصغري)، تؤكد هذه المخطوطة
التي تحوي إنجيل يوحنا أن هذا الإنجيل
كتب في نهاية القرن الأول الميلادي.
ويحدثنا
بروس ميتسجر عن أحد الانتقادات
التي كانت توجه فيما مضى إلى إنجيل
يوحنا قائلاً: لو أن هذه المخطوطة
الصغيرة كانت معروفة في منتصف القرن
الماضي، فإن مدرسة نقد العهد الجديد
التي أسسها فيرديناند كريستيان
باور الأستاذ الألمعي
لجامعة توبنجن لم تكن لتفترض أن الإنجيل
الرابع لم يكتب حتى عام 160م تقريباً.
بردية بودمر الثانية (150-200م)
وقد تم شراءها في الخمسينات والستينات
من أحد التجار في مصر. وهي توجد في
مكتبة «بودمر للآداب العالمية»
وتحتوي على معظم إنجيل يوحنا. تعد
مجموعة مخطوطات بودمر أهم
اكتشافات المخطوطات البردية للعهد
الجديد منذ اكتشاف مخطوطات «تشستربيتي»
(يأتي ذكرها لاحقاً في هذا الفصل).
ووضعت هذه المجموعة في مكتبة الآداب
العالمية في كولاجني بالقرب
من جنيف وترجع إلى عام 200م أو ما
قبله. وهي تشتمل على 104 ورقة تحوي
يوحنا 1: 1 إلى 6: 11، 6: 35ب إلى
14: 26 وأجزاء من أربعين ورقة أخرى
بها يوحنا 14-21 . والنص مزيج من
الكتابة الإسكندرية والغربية، وهناك
ما يقرب من عشرين مرة للتبديل بين
الكتابات التي تنتمي جميعها إلى العائلة
الغربية. (Geisler, GIB, 390) يرجع
هربرت هنجر، مدير المخطوطات
البردية بالمكتبة الوطنية بفيينا،
هذه المخطوطة إلى وقت مبكر في منتصف
القرن الثاني الميلادي إن لم يكن
في أوله، انظر بحثه.
المخطوطة
P72.
وهي جزء من المجموعة السابقة تشتمل
على نسخة مبكرة من رسالة يهوذا ورسالتي
بطرس. كما حصل م. بودمر على
مخطوطة أخرى مبكرة من مخطوطات الكتاب
المقدس لإنجيلي لوقا ويوحنا ... ويرجع
فيكتور مارتين ورودلف سيزر
المحرران هذه النسخة إلى ما بين عامي
175م و225م. ومن ثم فهي تعد أقدم
نسخة معروفة لإنجيل لوقا وواحدة من
أقدم نسخ إنجيل يوحنا. ويصفها ميتسجر بأنها
أهم اكتشاف لمخطوطات العهد الجديد
منذ شراء برديات تشستربيتي.
بردية
تشستربيتي (200م)
تم شراء هذه المخطوطات في الثلاثينات
من أحد التجار في مصر وهي موجودة
بمتحف تشستربيتي في دبلن.
وبعضها يخص جامعة ميتشجن. وتضم هذه
المجموعة مخطوطات بردية تحوي ثلاث
منها على أجزاء كبيرة من العهد الجديد.
كتب سير فردريك
كنيون في كتابه « الكتاب المقدس
والدراسات الحديثة»: النتيجة
النهائية لهذا الاكتشاف -الذي يعدّ
الأهم من نوعه منذ اكتشاف المخطوطة
السينائية- هي في الواقع تقليل الفجوة
الزمنية بين المخطوطات القديمة والتواريخ
المعروفة لكتابة أسفار العهد الجديد
حتى أصبحت غير ذات قيمة في أي مناقشة
تدور حول موثوقية هذه الأسفار. ليس
هناك أي كتاب آخر من الكتب القديمة
له مثل هذا الكمّ الكبير من المخطوطات
التي تؤيده، ولا يمكن للباحث المنصف
أن ينكر أن النص الذي وصل إلينا صحيح
جوهرياً. ويمكن
الإطلاع على قائمة مفصلة بالمخطوطات
البردية في النسخ اليونانية للعهد
الجديد الصادرة عن «اتحاد جمعيات
الكتاب المقدس» أو نستله-آلاند
وكلتاهما تم طباعتهما في شتوتجارت.
الدياطسرون
وتعني اتفاق الأناجيل الأربعة، والعبارة
اليونانية dia Tessaron تعني حرفياً
«من الأربعة» وهو
كتاب يبين توافق الأناجيل الأربعة
كتبه «تاتيان» (نحو 160م).
كتب
«يوسابيوس» في «التاريخ الكنسي»
يقول: كتب «تاتيان»
مؤلفاً يجمع الأناجيل معاً وأطلق
عليه اسم الدياطسرون ولا يزال هذا
المؤلف موجوداً في بعض الأماكن. ويعتقد
أن تاتيان المسيحي الأشوري هو أول
من كتب مؤلفاً للتوافق بين الأناجيل،
لا يزال جزء صغير منه موجوداً حتى
اليوم.
المخطوطة
الفاتيكانية (325-350م)
وهي توجد في مكتبة الفاتيكان وتحوي
الكتاب المقدس كله تقريباً. وبعد
مرور ما يقرب من مائة عام على النقد
النصي، يعتبر الكثيرون أن المخطوطة
الفاتيكانية إحدى أهم المخطوطات الموثوقة
للعهد الجديد.
المخطوطة
السينائية (350م)
وهي توجد في المتحف البريطاني. وهذه
المخطوطة، التي تحوي العهد الجديد
كله تقريباً وأكثر من نصف العهد القديم،
اكتشفها الدكتور قسطنطين فون تشيندورف
في دير جبل سيناء عام 1859. وقد أهداه
الدير إلى القيصر الروسي، ثم اشترته
الحكومة البريطانية من الاتحاد السوفيتي
بمبلغ 100 ألف جنيه في عيد الميلاد
عام 1933م.
ولهذا
الاكتشاف قصة مذهلة. ويروي لنا
بروس متسجر الأحداث المثيرة التي
أدت إلى هذا الاكتشاف:
في
عام 1844 بدأ تشيندورف، الذي
كان أستاذاً بجامعة ليبزج
ولم يكن قد تجاوز الثلاثين من العمر،
رحلته الطويلة في الشرق الأدني بحثاً
عن مخطوطات الكتاب المقدس. وفي زيارته
لدير سانت كاترين بجبل سيناء، وجد
مصادفةً بعض الرقوق في سلة للمهملات
كانت ممتلئة بالأوراق التي كان مصيرها
أن تستخدم في إشعال الفرن الخاص بالدير.
وبفحص هذه الرقوق تبين أنها نسخة
من الترجمة السبعينية للعهد القديم
مدونة بالحروف الكبيرة المنفصلة اليونانية.
وقد استعاد من هذه السلة ما لا يقل
عن ثلاثة وأربعين من هذه الأوراق،
وذكر له رهبان الدير أن ضعف ما يمكن
أن تحمله السلة في المرة الواحدة
من هذه الأوراق قد احترق بهذه الطريقة!.
وبعد ذلك، عندما عرض على تشيندورف
أجزاء أخرى من المخطوطة نفسها (وكانت
تحوي سفر إشعياء كاملاً وسفري المكابيين
الأول والثاني)، حذَّر الرهبان من
استخدام مثل هذه الرقوق في إشعال
النيران وذلك لقيمتها البالغة. أما
الأوراق الثلاث والأربعون التي سمح
له بالاحتفاظ بها فكانت تحوي أجزاء
من سفر أخبار الأيام الأول وإرميا
ونحميا وأستير، وعندما عاد إلى أوروبا
أودعها مكتبة جامعة ليبزج،
حيث تبقي إلى الآن. وفي عام 1846
نشر محتوياتها وأطلق عليها اسم مخطوطة
فريدريك أوغسطس تكريماً للملك
فريدريك أوغسطس الذي كان ملكاً
لموطن المكتشف وراعياً له.
ولم
تثمر زيارة تشيندورف التالية
إلى الدير عام 1853 عن اكتشاف أي
مخطوطات جديدة إذ كان الرهبان مرتابين
بسبب الحماس الذي أبداه للمخطوطات
أثناء زيارته الأولي عام 1844 . ثم
قام بزيارة ثالثة في عام 1859 بتوجيه
من القيصر الروسي ألكسندر الثاني.
وقبل مغادرته الدير بفترة قصيرة،
قدم تشيندورف لمشرف الدير نسخة من
الترجمة السبعينية التي كان قد نشرها
في ليبزج.
وعندئذ
ذكر له المشرف أن لديه أيضاً نسخة
من الترجمة السبعينية وأخرج من خزانة
قلايته مخطوطة ملفوفة في قطعة قماش
حمراء. فرأي العالم تشيندورف
أمام عينيه، وقد استولي عليه
الذهول، الكنز الذي طالما كان يتوق
لرؤيته. وطلب، مخفياً مشاعره ومتظاهراً
بعدم الاكتراث، تصريحاً بفحص المخطوطة
في ذلك المساء. وعندما حصل تشيندورف
على هذا التصريح عاد إلى حجرته وظلَّ
ساهراً طوال الليل مبتهجاً بدراسة
المخطوطة - لأنه ، كما يقول في يومياته
(التي كتبها باللاتينية لكونه عالماً)،
بدا النوم وكأنه تدنيساً للمقدسات!
وسرعان ما وجد أن المخطوطة تحتوي
على أكثر مما كان يرجوه، لأنها لم
تكن تحتوي فقط على معظم العهد القديم
ولكن أيضاً على العهد الجديد الذي
كان سليماً بل وفي حالة ممتازة، بالإضافة
إلى ذلك كانت هناك الأعمال المسيحية
الأولي للقرن الثاني الميلادي، فكانت
هناك رسالة برنابا (ولم تكن
تعرف قبلاً إلا من خلال إحدى الترجمات
اللاتينية الضعيفة) وجزء كبير من
راعي هرماس، الذي لم يكن يعرف
منه حتى ذلك الوقت إلا اسمه فقط.
المخطوطة
الإسكندرية (400م)
وهي توجد في المتحف البريطاني. وتذكر
الموسوعة البريطانية أنها كتبت باليونانية
في مصر. وهي تحتوي على معظم الكتاب
المقدس تقريباً.
المخطوطة
الإفرايمية (400 م)
وهي توجد في المكتبة الوطنية بباريس.
وتقول عنها الموسوعة البريطانية:
تعود أهميتها بالنسبة لبعض أجزاء
العهد الجديد في أنها تعود إلى القرن
الخامس وتحقق نصوص العهد الجديد.
وتضم هذه المخطوطة جميع أسفار العهد
الجديد ما عدا الرسالة الثانية إلى
أهل تسالونيكي ورسالة يوحنا الثانية.
وهذه المخطوطة وثيقة ترجع إلى القرن
الخامس ويطلق عليها اللوح الممسوح
palimpset وهي مخطوطة مُحيت الكتابة
المنقوشة عليها وأعيدت الكتابة عليها.
وعن طريق استخدام بعض المواد الكيماوية
وبذْل الجهد الحثيث يمكن للعالم قراءة
الكتابة الأصلية تحت الكتابة الجديدة.
المخطوطة
البيزية (450م)
وهي موجودة بمكتبة جامعة كمبريدج
وتشتمل على الأناجيل وسفر أعمال الرسل
باللغتين اليونانية واللاتينية.
مخطوطة
واشنطن (أو المخطوطة الفريرية-حوالي
450 م)
وتحتوي
على الأناجيل الأربعة. وتوجد في معهد سميثونيان
في واشنطن.
مخطوطة
كلارومنت (500م)
وتحتوي على رسائل بولس الرسول. وهي
مخطوطة ثنائية اللغة.
3(ب) تعدد الترجمات يؤيد صحة المخطوطات
ومما يدعم صحة وسلامة نصوص الكتاب
المقدس بشكل قوي تعدد الترجمات القديمة.
نادراً ما كانت الكتابات الأدبية
القديمة تترجم إلى اللغات الأخرى.
كانت
المسيحية منذ ظهورها إيماناً تبشيرياً.
أعدت الترجمات الأولى للعهد الجديد
على يد الإرساليات التبشيرية للعمل
على نشر الإيمان المسيحي بين الشعوب
التي كانت تتحدث باللغات السريانية
واللاتينية والقبطية.
أعدت
الترجمات السريانية واللاتينية للعهد
الجديد حوالي سنة 150م. وهذه الترجمات
تقرّبنا كثيراً من وقت كتابة النصوص
الأصلية. هناك ما يربو على الخمسة
عشر ألف نسخة بلغات مختلفة.
1(ج) الترجمات السريانية
تشتمل النسخة السريانية العتيقة على
الأناجيل الأربعة وتم نسخها حوالي
القرن الرابع الميلادي. وينبغي توضيح
أن السريانية هو الاسم الذي يطلق
بوجه عام على اللغة الآرامية المسيحية.
وهي تكتب بشكل مختلف عن الحروف الآرامية.
(Bruce, BP, 193) كتب ثيودوريوس
المبوسيوستي (القرن الخامس):
«قد ترجم (الإنجيل) إلى لغة السريان».
البشيطا السريانية
المعنى الأساسي لها هو البسيطة .
وكانت هي النسخة النموذجية، وتمت
حوالي 150-250م. ولدينا الآن أكثر
من 350 مخطوطة لها ترجع إلى القرن
الخامس.
السريانية
الفلسطينية
ويرجع معظم الدارسين هذه النسخة إلى
حوالي 400-450م (القرن الخامس).
النسخة
الفيلوكسينية (508 م)
قام بوليكاربوس بترجمة العهد الجديد
إلى اللغة السريانية الجديدة وقدم
هذه الترجمة إلى فيلوكسيناس
أسقف مابوج.
النسخة
السريانية الهاركلية (616 م)
وقام
بها توماس الهاركلي.
2(ج) الترجمات اللاتينية
اللاتينية العتيقة
تحكي لنا المصادر التاريخية من القرن
الرابع إلى القرن الثالث عشر أنه
في القرن الثالث كانت تنتشر نسخة
لاتينية عتيقة في شمال أفريقيا وأروبا.
اللاتينية
العتيقة الأفريقية (أو النسخة البابينسية
- 400 م)
يقول
ميتسجر إن ج. أ. لوي
عرض نقوشاً قديمة لها نقلت عن بردية
ترجع إلى القرن الثاني.
النسخة
الكوربيانية (400 - 500 م)
وهي
تحتوي على الأناجيل الأربعة.
النسخة
الفرسيلينية (360 م).
النسخة
البلاتينية (القرن الخامس الميلادي).
الفولجاتا
اللاتينية (وتعني الشائعة أو الشعبية
)
كان
جيروم سكرتيراً لدماسوس
أسقف روما. وقد قام جيروم بهذه الترجمة
بناءً على طلب الأسقف فيما بين عامي
366 و 384 م.
3(ج) الترجمات القبطية (أو المصرية)
قال «ف. ف. بروس» إنه
من المرجح أن تكون أول ترجمة قبطية
قد تمت في القرن الثالث أو الرابع
الميلادي.
النسخة
الصعيدية
ابتداءً
من القرن الثالث الميلادي.
النسخة
البحيرية
يقول
رودالف كاسير المحرر إنها
ترجع إلى حوالي القرن الرابع.
نسخة
مصر الوسطي
ترجع
إلى القرن الرابع أو الخامس.
4(ج) ترجمات أخرى مبكرة
الأرمينية (400 م)
ويبدو أنها ترجمت عن نسخة يونانية
للكتاب المقدس تم الحصول عليها من
القسطنطينية.
القوطية:
القرن الرابع.
الجورجية:
القرن الخامس.
الأثيوبية:
القرن السادس.
النوبية:
القرن السادس.
4(ب) كتب القراءات الكنسية تؤيد صحة
المخطوطات
إن البحث في هذا الميدان مهمل
بشكل كبير، ومع ذلك فإن ثاني أكبر
مجموعة من المخطوطات اليونانية للعهد
الجديد هي كتب القراءات الكنسية.
ويعطينا
بروس ميتسجر فكرة عامة عن
هذه الكتب: على شاكلة ما كان يحدث
في المجامع اليهودية، حيث كانت تُقرأ
أجزاء من أسفار الناموس والأنبياء
في الخدمة الدينية كل سبت،كان المسيحيون
في الكنائس يقرأون أجزاءً من أسفار
العهد الجديد في خدمات العبادة. وتم
وضع نظام لقراءة فصول من الأناجيل
والرسائل واقتضت الضرورة ترتيبها
وفقاً لنظام ثابت لأيام الآحاد والأيام
المقدسة الأخرى للسنة المسيحية.
ويذكر
لنا ميتسجر أنه تم إحصاء 2.135
مخطوطة من مخطوطات القراءات الكنسية،
ولكن معظمها لا يزال ينتظر إلقاء
الضوء عليه من قِبل التحليل النقدي.
(وفي إحصائية أخرى حديثة يصل عدد
هذه المخطوطات إلى 2.396 كما ذكرنا
سلفاً في هذا الفصل).
ويقول
ج. هارولد جرينلي: ترجع أجزاء
مخطوطات القراءات الكنسية الأكثر
قِدماً إلى القرن السادس، بينما ترجع
المخطوطات الكاملة إلى القرن الثامن
وما يليه.
كانت
كتب القراءات الكنسية عادة محافظة
حيث احتوت على نصوص أكثر قِدماً،
وهذا يجعلها ذات أهمية كبيرة بالنسبة
للنقد النصي.
ومع ذلك يجب أن نعترف بأن هذه المخطوطات
تأتي في المرتبة الثانية من حيث الأهمية
لتحقيق نصوص العهد الجديد لثلاثة
أسباب على الأقل:
1-
يتكرر فيها العهد الجديد كله لمرات
عديدة فيما عدا سفر الرؤيا وأجزاء
من سفر أعمال الرسل.
2-
نتيجة للدراسات الحديثة لكتب القراءات،
بدأت تأخذ دوراً أكثر أهمية في تحقيق
النص الصحيح للعهد الجديد. تسود الكتابة
البيزنطية في نصوص هذه المخطوطات،
ولكن هناك مجموعات تتميز بالقراءات
الإسكندرية والقيصرية.
3-
أثرت كتب القراءات أيضـاً في فهم
فقـرات معينـة مثل: يوحنا 7: 53 -
8: 11، ومرقس 16: 9- 20 .
ويمكن
الإطلاع على قائمة مفصلة لـمخطوطات
القراءات في الطبعة اليونانية للعهد
الجديد الصادرة عن اتحاد الكتاب
المقدس أو نستلة - آلاند
التي تم طباعتها في شتوتجارت.
5(ب) آباء الكنيسة الأولون يشهدون
لصحة المخطوطات
رغم أن اقتباسات الآباء من الكتاب
المقدس لا تعتبر شهادة من الدرجة
الأولى على صحة العهد الجديد، إلا
أن لها اثنين من الأدوار الثانوية
البالغة الأهمية. أولاً: أنها تؤيد
تماماً وجود سبعة وعشرين سفراً قانونياً
في العهد الجديد. صحيح أن هذه الاقتباسات
كان فضفاضة في أحيان كثيرة، إلا أن
بعض الآباء التزموا الدقة التامة
في استشهاداتهم. وعلى أي حال يكفي
أن تكون هذه الاقتباسات قد نقلت المحتوى
الأساسي للنص الأصلي. ثانياً: أن
هذه الاقتباسات كثيرة جداً لدرجة
أنه لو لم تتبق أية مخطوطة للعهد
الجديد، لأمكن جمعه مرة أخرى من كتابات
الآباء الأولين وحدها.
وباختصار
فقد كان ج. هارولد جرينلي
محقاً عندما كتب: إن هذه الاقتباسات
واسعة جداً لدرجة أن العهد الجديد
يمكن إعادة تكوينه منها دون استخدام
مخطوطاته.
قارن
مثلا الاقتباسات الكثيرة التي يقدمها
مؤشر برجن بالنسبة لعدد قليل
من الكتاب الأولين الأكثر أهمية في
الجدول السابق.
وفيما
يتعلق باقتباسات الآباء من العهد
الجديد، يقول بروس ميتسجر:
بالإضافة إلى البرهان النصي المستمد
من المخطوطات اليونانية للعهد الجديد
ومن النسخ الأولى له، فإن الناقد
النصي لديه اقتباسات كتابية كثيرة
في الشروحات والعظات وغيرها من الأبحاث
التي كتبها آباء الكنيسة الأولون.
حقاً إن هذه الاقتباسات واسعة جداً
حتى أنه لو ضـاعـت جمـيع مصـادرنا
الأخرى لنصوص العـهد الجـديـد، فإن
هذه الاقتباسات وحدها كافية عملياً
لإعـادة تكوين العهد الجديد كله.
وتقول
الموسوعة البريطانية: لو أن الدارس
لنصوص الكتاب المقدس قام بفحص المخطوطات
والنسخ، فإنه لا يكون بذلك قد اطلع
على جميع براهين تحقيق نصوص العهد
الجديد، إذ أن كتابات الآباء المسيحيين
الأولين غالباً ما تعكس شكلاً من
أشكال النصوص يختلف عن المخطوطات
بأنواعها ... إن شهادة هذه الكتابات
لنصوص العهد الجديد، خاصة وأنها تحتوي
على قراءات من مصادر أخرى، تعد إحدى
الشهادات التي يتعين على الناقد النصي
أن يطلع عليها قبل الوصول إلى النتائج.
كان
السير دافيد دالريمبل يتساءل
عن مدى كثرة نصوص الكتاب المقدس في
كتابات الآباء الأولين عندما سأله
أحدهم قائلاً: لنفرض أن العهد الجديد
قد ضاع وفقدت جميع نسخه قبل نهاية
القرن الثالث، فهل كان من الممكن
جمعه مرة أخرى من كتابات الآباء في
القرنين الثاني والثالث؟ وبعد الكثير
من البحث قال دالريمبل: انظر
إلى هذه الكتب. أتذكر سؤالك لي عن
العهد الجديد وكتابات الآباء؟ لقد
أثار هذا السؤال فضولي ولما كان لديّ
جميع الأعمال الموجودة للآباء في
القرنين الثاني والثالث، بدأت أبحث،
ولقد وجدت حتى الآن العهد الجديد
كله فيما عدا إحدي عشرة آية. وفيما
يختص بكتابات الآباء الأولين يقدم
لنا جوزيف أنجس في صفحة 56
من كتابه « دليل الكتاب المقدس
» التحذيرات التالية:
1-
ترد الاقتباسات أحياناً دون مراعاة
الدقة الحرفية.
2-
كان بعض النساخ عرضة للخطأ أو التغييرات
المتعمدة.
ومن
أهم الآباء الذين شهدوا بكتاباتهم
لصحة مخطوطات العهد الجديد ما يلي:
أكلميندس الروماني (95م)،
ويصفه أوريجانوس في المجلد
الثاني والفصل الثالث من كتابه
« المبادئ » بتلميذ الرسل.
وكتب
ترتليان في الفصل 23 من كتاب
«ضد الهرطقات » أنه تعين (أي
أكليمندس) على يد بطرس.
ويقول
عنه أيضاً إيريناوس في المجلد
الثالث والفصل الثالث من كتاب
« ضد الهرطقات » إن بشارة الرسل
كانت لا تزال تدوي في أذنيه وتعاليمهم
أمام عينيه.
وهو
يقتبس من الأسفار التالية:
متي
كورنثوس الأولي
مرقس
تيطس
لوقا
العبرانيين
أعمال
الرسل بطرس الأولي
أغناطيوس (70-110 م)
كان أسقفاً لأنطاكية كما استشهد.
كان يعرف الرسل جيداً وتحتوي رسائله
السبع على اقتباسات من الأسفار التالية:
متي
فيليبي
يوحنا
كولوسي
أعمال
الرسل تسالونيكي الأولي والثانية
رومية
تيموثاوس الأولي والثانية
كورنثوس
الأولي يعقوب
غلاطية
بطرس الأولي
أفسس
بوليكاربوس (70-156
م) وقد استشهد وهو في السادسة
والثمانين من عمره. وكان أسقفاً لسميرنا
وتلميذاً للرسول يوحنا.
كما
اقتبس أيضاً من العهد الجديد كل من
برنابا (حوالي 70 م) وهرماس
(حوالي 95 م) وتاتيان (حوالي
170 م) وإيريناوس (حوالي 170
م).
أكليمندس الإسكندري
(150-212 م) وله 2.400 اقتـباس
من جميع أسفار العهد الجديد ما عدا
ثلاثة منها.
ترتليان (160-220 م)
وكان أحد شيوخ كنيسة قرطاج، واقتباساته
من العهد الجديد تزيد عن السبعة آلاف
منها 3.800 اقتباس من الأناجيل.
هيبوليتس (170-235
م) اقتــبس أكثــر من 1.300 آية.
چاستن مارتر (133م)
وقد قاوم مارسيون الهرطوقي.
أوريجانوس (185-253/254
م)، وقد ألَّف هذا الكاتب
الجهير الصوت أكثر من ستة آلاف
عمل. ويورد أكثر من ثمانية عشر
ألف اقتباس من العهد الجديد.
كبريان (مات سنة 258م)
وكان أسقفاً لقرطاج. وله ما يقرب
من 740 اقتباس من العهد القديم و
1.030 اقتباس من العهد الجديد.
ويقول
جايسلر ونيكس: تشير الإحصاءات
الأوليـة إلى أن هناك ما يقرب من
32.000 اقتباس من العهـد الجديد ترجع
إلى ما قبــل انعقـاد مجمع نيقية
(325 م). ولا يمثــل هـذا العدد كافة
الاقتباسات بأي حال مـن الأحــوال،
فــهو لا يشـمل اقتباسات كتَّـاب
القــرن الرابـع. ولو أضفنا إلى هذا
العدد اقتباسات كـاتب واحد فقط هـو
يوسابيوس الذي ظهر قبيل وإبان
مجمـع نيقية فـإن العدد الكلي لاقتباسات
العهد الجديد سيرتفع إلى أكثـر من
36.000 اقتباس.
وإلى
جميع هــؤلاء يـمـكـن أن نضيف أغسطينوس
وأمبياس ولتنتياس وفم الذهب وجيروم
وغايس الروماني وأثناسيوس وأمبروزيوس
أسقـف ميلان وكيرلس الإسكندري وأفرايم
السرياني وهيلاريوس أسـقف بواتييـه
وغـريغـوريـوس النيـسي وغيـرهم.
وفي
حديثه عن اقتباسات الآباء من العهد
الجديد كتب ليو جاجاني: من
بين المجلدات الكثيرة التي تركها
لنا دين برجن بعد وفاته ولم
تنشر مادتها، يعد الفهـرس الــذي
أورده لاقتبـاسات آبــاء الكنيسة
الأولين من العهد الجديد ذا أهمية
خاصة. ويشتمل هذا على ستة عشر مجلداً
كبيراً موجـودة في المتحف البريطاني
وتحوي 86.489 اقتبـاساً.
2(أ) البرهان الداخلي لموثوقية العهد
الجديد
1(ب)
الشك في الوثيقة
وفي هذا يقول جون وارويك مونتجمري
إن علماء النقد الأدبي عليهم أن يتبعوا
القول المأثور عن أرسطو: يجب أن يفسر
الشك في صالح الوثيقة وليس في صالح
ما يدَّعيه الناقد بدون وجه حق. ومن
ثم يجب على الناقد أن ينصت إلى المخطوطة
التي يدرسها، ولا يفترض فيها الزيف
والخطأ ما لم يناقض المؤلف نفسه أو
يذكر وقائع غير صحيحة.
ويوضح
هورن ذلك بقوله:
فكر
لبرهة فيما يجب أن يتوفر في صعوبة
معينة كي نتخذ منها حجة سليمة لمناقضة
عقيدة معينة. من المؤكد أن الأمر
لا يقتصر على التناقض الظاهري. أولاً:
يجب أن نكون على يقين من فهمنا للنص
بشكل صحيح والسياق الذي ترد فيه الكلمات
أو الأرقام. ثانياً: أن نحصل على
كل ما يتعلق بالموضوع من معلومات.
ثالثاً: أنه ليس بالإمكان إلقاء المزيد
من الضوء على هذا الموضوع من خلال
البحث المعرفي أو النصي أو علم الآثار
... إلخ.
إن
الصعوبات لا تشكل اعتراضات، كما أن
المشكلات الصعبة ليست بالضرورة أخطاء.
وليس هذا تقليلاً من حجم المشكلات
ولكنه محاولة لرؤيتها على النحو الصحيح.
إن الصعوبات يجب أن تجابه والمشكلات
يجب أن تدفعنا إلى السعي للبحث عن
الحقيقة، وحتى هذا الوقت الذي نصبح
فيه على دراية كاملة بأطراف موضوع
معين فلسنا مؤهلين أن نقول: هذا خطأ
واضح ودليل قاطع على عدم عصمة الكتــاب
الـمقدس . وغني عن التعريف أن هناك
اعتراضات لا تحصى قـد ثبت عدم صحتها
منذ بداية هذا القرن.
2(ب) هل الوثيقة خالية من التناقضات؟
دكتور جليسون أركر اشتهر في
المعهد اللاهوتي بإلمامه بأكثر من
ثلاثين لغة، معظمها لغات وجدت في
عصور العهد القديم بمنطقة الشرق الأوسط.
إن الدكتور أركر هو من قام
بالتدريس لأكثر من ثلاثين عاماً بمعاهد
اللاهوت في مجال نقد الكتاب المقدس.
وهو يقدم لنا الوصف المتواضع التالي
لمؤهلاته، نلاحظ من خلاله معنى صعوبة
نصوص الكتاب المقدس:
لما
كنت طالباً في هارفارد، شغفت
بدراسة الكتاب المقدس والبراهين الكتابية
وعلم الدفاع عن العقائد المسيحية،
فاجتهدت للإلمام باللغات والحضارات
التي تتصل بدراسة الكتاب المقدس.
وتخصصت في دراسة اللاتينية واليونانية
كما تعلمت الفرنسية والألمانية. وفي
المعهد اللاهوتي تخصصت في العبرية
والآرامية والعربية. وفي سنوات دراساتي
العليا انخرطت في دراسة السريانية
والأكادية حتى أنني كنت أقوم بالتدريس
في هاتين المادتين. وقد كنت قبل ذلك
في المدرسة الثانوية وفي أثناء العامين
الأخيرين فيها كنت مهتماً على نحو
خاص بدراسات المملكة المصرية الوسطي
وتعلمت المزيد عنها فيما بعد إذ تلقيت
بعض الدورات الدراسية فيها. وفي معهد
الدراسات الشرقية في شيكاغو،
قمت بدراسة متخصصة في تاريخ الأسرة
الثامنة عشرة كما درست القبطية والسومرية.
وإضافة إلى دراسة اللغات القديمة،
درست في كلية الحقوق، ومن ثم أصبحت
عضواً في نقابة المحامين في ماسشوسيتش
عام 1939، وجعلني ذلك ألم إلماماً
تاماً بموضوع الأدلة القانونية.
وفي
مقدمة موسوعة «صعوبات الكتاب المقدس
» يقدم الدكتور أركر الشهادة
التالية عن الاتساق الداخلي للكتاب
المقدس:
تعرضت
للتناقضات الظاهرية الواحدة تلو الأخرى
وقمت بدراسة التعارض المزعوم بين
نصوص الكتاب المقدس وعلوم اللغويات
والآثار وغيرها ومن ثم فقد ازدادت
ثقتي في الكتاب المقدس، إذ اكتشفت
أن معظم المشكلات التي واجهها الإنسان
في الكتاب المقدس منذ العصور القديمة
وحتى الآن، قد تم معالجتها وتفسيرها
على نحو مرضي تماماً من خلال النص
الكتابي نفسه - أو من خلال الدراسات
الموضوعية لعلم الآثار. إن النتائج
التي يمكن الحصول عليها من الوثائق
التاريخية القديمة المصرية والسومرية
والأكادية تتفق جميعها مع نصوص الكتاب
المقدس، ولا يمكن لعالم إنجيلي محنَّك
أن يخشى الإدعاءات والتحديات العدائية
للعقلانيين أصحاب مذهب الفلسفة الإنسانية
أو المناقضين أياً كانت عقيدتهم.
وينتهي
الدكتور أركر إلى أن هناك
من البراهين في الكتاب المقدس ما
يكفي لدحض أي اتهام وجَّه إليه في
أي وقت مضي. وهذا أمر متوقع من كتاب
له مكانة مثل تلك التي يصف بها الكتاب
المقدس نفسه، فهو كلمة الله الحي
المنزهة والمعصومة.
كثيراً
ما يتحيز دارسو الكتاب المقدس عندما
يجدون تناقضات في الكتاب المقدس.
فمثلاً، كان أحد زملائي يتساءل دائماً
لماذا تختلف رواية إنجيل متي عن رواية
سفر أعمال الرسل بشأن حادثة موت يهوذا
الإسخريوطي. فيذكر متي أن يهوذا شنق
نفسه ومات، ولكن أعمال الرسل يذكر
أن يهوذا سقط على رأسه في حقل، انشق
من الوسط فانسكبت أحشاؤه كلها. وكان
ما يحير صديقي هو أنه كيف يمكن أن
تكون كلتا الروايتان صحيحتان. فافترض
أن يكون يهوذا قد شنق نفسه عند حافة
صخرية، فانفلت الحبل وسقط يهوذا على
رأسه إلى حقل بأسفل الجرف. إنها الطريقة
الوحيدة التي يمكن بها لإنسان أن
ينشق من الوسط إذا سقط في حقل. وقد
كان هذا الافتراض صحيحاً فبعد عدة
سنوات قام صديقي، برحـلة إلى الأراضي
المقدسة وشـاهد الموقع المعروف لموت
يهوذا وهو حقل عند سفح جبل خارج أورشليم.
إن
الإدعاءات بعدم صحة الكتاب الـمقدس
ترجع عادة إلى الجهل بـالـمبـادئ
الأسـاسية لتفسير النصوص القديمة.
وفيما يـلي الـمــبادئ التي يمكـن
أن تساعد المرء على اكتشاف ما إذا
كان هناك خطأ أو تناقض فعلي في النص
- وهـو نـص الكـتاب الـمقـدس فـي
حالتـنا هـذه:
المبدأ
الأول: ما لم يتم تفسيره ليس بالضرورة
غير قابل للتفسير.
لا
يمكن لأي دارس مطَّلع أن يَّدعي بقدرته
على تفسير جميع الصعوبات التي تواجهنا
في الكتاب المقدس. ومع ذلك فلا يصح
للناقد أن يفترض، من هذا المنطلق،
أن ما لم يتم تفسيره حتى الآن لن
يتم تفسيره أبداً. ولو قابل أي عالِم
أحد غرائب الطبيعة، فإنه لا يكفّ
عن البحث العلمي بسبب ذلك. ولكن هذا
يدفعه للمزيد من البحث ليجد التفسير.
وعلى
سبيل المثال لم يكن لدى العلماء فيما
مضى تفسيراً طبيعياً لظواهر الطبيعة
مثل الشهب وحالات الكسوف والعواصف
والأعاصير والزلازل. وحتى وقت قريب
لم يكن العلماء يعرفون كيف يمكن للنحلة
الطنانة أن تطير. ومع ذلك فلم يتخلَّ
أحد العلماء عن البحث العلمـي، ويصـرخ
قائلاً: ياله من تناقض! إن جميع هذه
الألغـاز قد باحـت بأسرارها وتكشَّفت
أمام بحث ومثابرة العلمـاء.
ومن
نفس المنطلق، يقوم العالِم المسيحي
بدراسة الكتاب المقدس، وهو يعرف أن
ما لم يجد له تفسيراً حتى الآن ليس
بذلك غير قابل للتفسير. فهو لا يفترض
أن الاختلافــات الظــاهــرة هـي
تناقضات. وعندما يقابل شيئاً ما لا
يستطيع تفسيره، فإنه يواصل البحث
مؤمناً أنه سوف يتوصل إلى التفسير
في نهاية المطاف. وفي الـواقـع لو
افتـرض الباحث عكس ذلك فإنه سـوف
يتوقف عن البحث، فلماذا يبحث عن إجابة
من يعتقد أنها غير موجودة؟
ودارس
الكتاب المقدس، مثل نظيره الباحث
العلمي، قد نال مكافأة إيمانه وبحثه.
إذ أن الكثير من الصعوبات التي حيَّرت
العلماء قد استجابت لمثابرة العلماء
وبحثهم عن إجابة لها من خلال التاريخ
وعلوم الآثار واللغة وغيرها من فروع
المعرفة. وعلـى سبيـل الـمـثال، افترض
النقَّاد ذات يـوم أن مـوسى لا يمكـن
أن يكـون هــو كاتب الأسفار الخمسة
الأولي من الكتاب المـقدس لأنه لم
تكن الكتابة معروفة في أيام موسى.
أما الآن فـإنـنا نعرف أن الكتابة
وجدت قبل ألفي عام أو أكثر من زمـن
موسى. واعتـقد النقـاد أيضـاً فيمـا
مضـي أن الكتاب الـمقـدس أخطأ في
حديثه عن شعب الحثيين إذ لم يشر إليهم
الـمؤرخون مطلقاً. والآن يعرف المؤرخون
وجودهم عن طريق الـمكتـبة التـي وجـدت
لهـم في تركيا. وهـذا يعطيـنا الثـقة
فـي أن الصعـوبات الكتابيـة التي
لم نجد لها تفسـيراً حتى الآن حتماً
لها تفسير، ولا يجـب علينـا أن نفتـرض
وجـود الخطـأ في الكتاب الـمقدس.
ولكـن
مـا أن نبدأ في فحص الحالات التي
تؤيده (أي التناقض الـمزعـوم في الكـتاب
الـمقدس) حـتى نتبين أنها حالات صعبة
وليست مستحيلـة التـوافـق. ومن الأمور
الواضحة أنه يجب إثبات استحالة التوفيـق
بـين أمريـن من خـلال أي افتراض طبيعـي
قبل الجزم بأن هناك تناقضاً. وهذا
مبدأ معروف في البحث التاريخي، وهو
المبدأ الوحيد المعقول والممكن، ما
لم نكن على استعداد أن نـؤكـد أن
الأمرين معاً يشتملان بالضرورة على
جميع الحقائق المتصلة بموضوع البحث
وأن نستبعد إمكانية التوفيق بينهما.
موجز
لمباديء فهم التناقضات الظاهرية فى
الكتاب المقدس
1-
ما لم يتم تفسيره ليس بالضرورة غير
قابل للتفسير.
2-
التفسير المعرض للخطأ لا يعني عدم
عصمة الوحي.
3-
يجب فهم سياق النص.
4-
تفسير النصوص الصعبة في ضوء النصوص
الواضحة.
5-
عدم تأسيس التعليم على النصوص الغامضة.
6-
الكتاب المقدس هو كتاب إنساني وله
سمات إنسانية.
7-
عدم اكتمال رواية معينة لا يعني عدم
صحتها.
8-
اقتباسات العهد الجديد المأخوذة عن
العهد القديم لا يجب بالضرورة أن
تستخدم نفس الألفاظ.
9-
لا تتفق تعاليم الكتاب المقدس بالضرورة
مع كل ما يسجله من أحداث.
10-
الكتاب المقدس يستخدم لغة الحياة
اليومية غير المتخصصة.
11-
الكتاب المقدس ربما يستخدم الأعداد
التقريبية أو الأعداد الدقيقة.
12-
يجب مراعاة الأساليب الأدبية المختلفة
في الكتاب المقدس.
13-
وجود خطأ في إحدى النسخ لا يعني أن
الخطأ موجود في النص الأصلي.
14-
العبارات العامة ليست بالضرورة وعوداً
شاملة.
15-
إعلانات الوحي اللاحقة حلَّت محل
إعلانات الوحي السابقة.
المبدأ الثانى: التفسير المعرض للخطأ
لا يعنى عدم عصمة الوحى.
إن البشر محدودون ومن ثم فهم عرضة
للخطأ. ولهذا توجد ممحاة في نهاية
القلم الرصاص ومفتاح للحذف في أجهزة
الكمبيوتر. وطالما وجد الجنس البشري
غير الكامل فسوف يكون هناك تفسيرات
خاطئة لكلمة الله ورؤى غير صحيحة
للعالم الذي خلقه. ولا ينبغي أن يفترض
المرء أن رؤية علمية معينة سائدة
في الوقت الحالي هي القول النهائي
في موضوع معين. إن الآراء العلمية
التي سادت في الماضي تعتبر أخطاء
في نظر علماء اليوم. ومن ثم يمكن
توقع أن يكون هناك تناقضاً بين الآراء
العلمية الشائعة والتفسيرات المقبولة
بشكل عام لما ورد في الكتاب المقدس.
ولكن هذه التناقضات لا تكفي لإثبات
أن هناك تناقضاً حقيقياً بين العالم
الذي خلقه الله وبين كلمته.
المبدأ الثالث: يجب فهم سياق النص.
لعل من أكثر الأخطاء شيوعاً عند النقَّاد
هو اقتطاع النص من سياقه. وكما يقول
المثل السائر: النص خارج سياقه ذريعة.
فبهذه الوسيلة غير الصحيحة يمكن للمرء
أن يبرهن على أي شئ من الكتاب المقدس.
فالكتاب المقدس يقول: ليس إله (مز14:
1). وبالطبع فإن سياق النص هو: قال
الجاهل في قلبه ليس إله. (مز14: 1).
ويمكن لأي شخص أن يقول إن يسوع حذرنا
قائلاً: لا تقاوموا الشر (مت 5: 39)،
ولكن السياق الذي يحث على عدم الانتقام
لا يجب إغفاله. وبالمثل يقصر الكثيرون
عن فهم السياق الذي وردت فيه عبارة
يسوع: من سألك فأعطه. فهل هذا يعني
أن نعطي طفلاً صغيراً سلاحاً نارياً
إذا طلب ذلك؟ إن عدم فهم معنى النص
في ضوء السياق الذي ورد به ربما يكون
الخطأ الرئيسي الذي يرتكبه من ينتقدون
الكتاب المقدس.
المبدأ الرابع: تفسير النصوص الصعبة
فى ضوء النصوص الواضحة.
إن بعض نصوص الكتاب المقدس يصعب فهمها.
وترجع صعوبتها أحياناً إلى عدم وضوحها.
وأحياناً يبدو أحد تعاليم الكتاب
المقدس كما لو كان يناقض أحد النصوص
الأخرى به. فمثلاً، يبدو كما لو أن
يعقوب يقول إن الخلاص بالأعمال (يعقوب
2: 14-26)، بينما يتضح من تعليم بولس
أن الخلاص بالنعمة. وفي هذه الحالة
لا ينبغي أن نفهم قول يعقوب على أنه
يناقض بولس. فبولس يتحدث عن التبرير
أمام الله (الذي هو بالإيمان وحده)،
بينما يشير يعقوب إلى التبرير أمام
الناس (الذين لا يمكنهم رؤية إيماننا،
ولكن أعمالنا فقط).
وهناك
مثال آخر ورد في فيلبي 2: 12 حيث
يقول بولس: «تمموا خلاصكم بخوف ورعدة».
وبنظرة سطحية يبدو أنه يقول إن الخلاص
بالأعمال. إلا أن هذا يتعارض تماماً
مع الكثير من نصوص الكتاب المقدس
التي تؤكد بوضوح: «لأنكم بالنعمة
مخلصون، بالإيمان، وذلك ليس منكم.
هو عطية الله. ليس من أعمال كيلا
يفتخر أحد». (أف 2: 8-9). وأيضاً:
«وأما الذي لا يعمل، ولكن يؤمن بالذي
يبرر الفاجر، فإيمانه يحسب له براً».
(رو4: 5). وعندما نفهم عبارة تمموا
خلاصكم في ضوء النصوص الأخرى الواضحة
يمكننا أن ندرك أنه مهما كان المقصود
من هذه العبارة، فإنها لا تعني أننا
نخلص بالأعمال. وفي الواقع فإن ما
تعنيه هذه الآية نفهمه من الآية التالية
لها مباشرة. إننا يجب أن نتمم خلاصنا
لأن نعمة الله تممته في قلوبنا. فيقول
بولس: «لأن الله هو العامل فيكم أن
تريدوا وأن تعملوا من أجل المسرة».
(في 2: 13).
المبدأ الخامس: عدم تأسيس التعليم
علي النصوص الغامضة.
بعض نصوص الكتاب المقدس صعبة الفهم
بسبب عدم وضوح معناها. وسبب هذا عادة
أن الكلمة الرئيسية في النص لم ترد
إلا في هذا الموضع (أو أنها نادرة)،
ومن هنا تأتي صعوبة فهم ما يقصده
الكاتب ما لم يستدل على ذلك من السياق.
ومن أمثلة ذلك الكلمة التي ترد في
أحد النصوص الشهيرة في الكتاب المقدس
ولا تظهر في أي موضع آخر في الآداب
اليونانية المعروفة كلها حتى زمن
كتابة العهد الجديد. وتظهر هذه الكلمة
في الصلاة الربانية (مت 6: 11)، وتترجم
عادة: خبزنا كفافنا أعطنا اليوم.
والكلمة التي يدور حولها التساؤل
هي الكلمة التي تترجم بكلمة كفاف
- epiousion. . وحتى الآن لم يتفق
العلماء على أصلها أو على معناها
الدقيق. ويحاول المفسرون أن يربطوا
بينها وبين الكلمات اليونانية المعروفة.
وكانت هناك اقتراحات كثيرة للمعني
المقصود من بينها:
- خبزنا
المستمر أعطنا اليوم.
- خبزنا
السماوي (أو فوق الطبيعي) أعطنا اليوم.
- خبزنا
لقوتنا أعطنا اليوم.
- خبزنا
كفافنا (أي ما نحتاجه اليوم) أعطنا
اليوم.
وكل
هذه الاقتراحات لها من يدافع عنها،
وكل منها له دلالته في السياق ويستند
إلى المعلومات المحدودة المتاحة.
ولا يبدو أن هناك حاجة ملحَّة إلى
تغيير الترجمة التي يعرفها الجميع
الآن. إلا أن هذا المثال يوضح ما
نرمي إليه. فبعض نصوص الكتاب المقدس
صعبة الفهم لأن الكلمة الرئيسية فيها
لا تظهر إلا مرة واحدة أو أنها نادرة
الظهور.
وفي
أحيان أخرى، قد تكون الكلمات واضحة
ولكن المعنى ليس واضحاً لأننا غير
متأكدين إلى أي شئ تشير. في (كورنثوس
الأولي 15: 29) يتحدث بولس عن الذين
يعتمدون من أجل الأموات. فهل يشير
إلى معمودية الأحياء نيابياً لضمان
خلاص المؤمنين الذين ماتوا ولم يعتمدوا
(كما يقول اتباع طائفة المورمون)؟
أم أنه يشير إلى معمودية المؤمنين
الجدد في الكنيسة ليملأوا صفوف من
انتقلوا؟ أم أنه يشير إلى المؤمن
الذي يعتمد من أجل ، أي ( باعتبار
) أنه مات ودفن مع المسيح؟ أم أنه
يشير إلى شئ آخر. وعندما لا نكون
متأكدين:
1-
لا ينبغي أن نبني عقيدة على أحد النصوص
غير الواضحة. والقاعدة العامة في
تفسير الكتاب المقدس هي: الأمور الأساسية
هي الأمور الواضحة، والأمور الواضحة
هي الأمور الأساسية. ويسمى هذا الوضوح
الكتابي. فلو أن هناك أمراً ما من
الأمور ذا أهمية، فإن الكتاب المقدس
سوف يعلن عنه بوضوح، وربما في أكثر
من مكان.
2-
إن لم يكن النص واضحاً، لا ينبغي
أبداً أن يفسر على أنه يناقض أحد
التعاليم الواضحة الأخرى في الكتاب
المقدس.
المبدأ
السادس: الكتاب المقدس كتاب إنسانى
وبه سمات إنسانية.
إن
الكتاب المقدس يقول إن الله استخدم
أشخاصاً من البشر لتلقِّي الحقائق
الأبدية والتبشير بها. وعلى ذلك فإن
الأساليب البلاغية (كما كان يسوع
يتكلم بأمثال) لا يجب تفسيرها حرفياً
لمناقضة نصوص أخرى في الكتاب المقدس.
المبدأ السابع: عدم اكتمال رواية
معينة لا يعنى عدم صحتها.
فمثلاً تتحدث النصوص في مرقس 5: 1-20
ولوقا 8: 26-39 عن مجنون واحد به
روح نجس بينما يتحدث متي 8: 28-34
عن اثنين. فكل من مرقس ولوقا - من
خلال استخدام النقل المباشر للحدث
على الأرجح يركزان في روايتهما على
الشخصية الأكثر أهمية في الحدث. إن
هذه الروايات غير متناقضة، إنها في
الحقيقة متكاملة إذ تقدم المزيد من
المعلومات إذا تمت دراستها معاً.
المبدأ الثامن: الاقتباسات الموجودة
بالعهد الجديد من العهد القديم لا
يجب بالضرورة أن تستخدم نفس الألفاظ.
كما توجد اليوم أكثر من ترجمة
واحدة للكتاب المقدس، كان المسيحيون
الأوائل غالباً يقتبسون عن الترجمة
السبعينية (الترجمة اليونانية للعهد
القديم) التي كانت تستخدم صياغة مختلفة
قليلاً للنص نفسه.
المبدأ التاسع: لا تتفق تعاليم الكتاب
المقدس بالضرورة مع كل ما يسجله من
أحداث.
من الخطأ اعتبار أن كل ما يحويه
الكتاب المقدس يلقى الاستحسان من
قِبَل الكتاب المقدس. فالكتاب المقدس
يسجل بعض حالات الكذب مثل كذب الحية
أو الشيطان (تك 3: 4، يو8: 44) وكذب
راحاب (يش 2: 4). فليس بالضرورة أن
يكون الكتاب المقدس متسامحاً مع هذه
الحالات، إنه فقط يسجل بكل دقة وأمانة
حتى أكاذيب وأخطاء الخطاة. فالحق
في الكتاب المقدس يوجد فيما يعلنه
لنا من تعاليم، وليس في جميع الأحداث
التي يسجلها. وما لم يؤخذ هذا الفارق
في الاعتبار، يمكن للمرء أن يستنتج
على نحو غير صحيح أن الكتاب المقدس
يعلِّم بالفجور عندما يذكر خطية داود
(2 صم 11: 4)، أو أنه يشجع على تعدد
الزوجات عندما يذكر زوجات سليمان
الكثيرات (1 مل 11: 3)، أو أنه يقرر
الإلحاد عندما يذكر قول الجاهل ليس
إله (مز14: 1).
المبدأ العاشر: الكتاب المقدس يستخدم
لغة الحياة اليومية غير المتخصصة.
إن وجود أحد التعبيرات غير العلمية
في الكتاب المقدس لا يعني بالضرورة
أن هذا التعبير غير صحيح. فالحقائق
العلمية مثل دوران الأرض ربما توصف
وفقاً للمصطلحات اللغوية لهذا العصر
(فمثلاً: الشمس تدور في فلكها).
المبدأ الحادى عشر: قد يستخدم الكتاب
المقدس الأعداد التقريبية أو الأعداد
الدقيقة.
كثيراً ما تستخدم الأعداد التقريبية
سواء في الآداب القديمة أو الحديثة.
وكثيراً ما يستخدم الكتاب المقدس
أيضاً هذا العرف اللغوي.
المبدأ الثانى عشر: يجب مراعاة الأساليب
الأدبية المختلفة فى الكتاب المقدس.
وعادة ما يحدد السياق ما إذا
كان مصطلحاً معيناً يجب فهمه حرفياً
أم مجازياً.
المبدأ الثالث عشر: وجود خطأ فى إحدي
النسخ لا يعني أن الخطأ موجود فى
النص الأصلى.
عندما يتحدث علماء اللاهوت عن
عصمة الكتاب المقدس، فإنهم يشيرون
إلى النص الأصلي أو المخطوطات الأصلية
له وليس النسخ المنقولة عنه.
المبدأ الرابع عشر: العبارات العامة
ليست بالضرورة وعوداً شاملة.
كثيراً ما يذهب النقاد إلى أن العبارات
غير المشروطة ليس لها استثناءات.
فهم يعرضون لآيات تعبَّر عن حقائق
عامة، ثم يشيرون بفرح إلى استثناءات
واضحة لهذه الحقائق. وهكذا ينسون
أن مثل هذه الآيات تهدف فقط إلى التعبير
عن أحكام عامة.
ويعد
سفر الأمثال أحد الأمثلة الهامة في
هذا الصدد. إن الأمثال بطبيعتها تقدم
إرشادات عامة وليس سُنناً جامعة.
إنها قواعد للحياة، ولكن هذه القواعد
تسمح بالاستثناءات. ومن أمثلة ذلك
ما ورد في أمثال 16: 7 . تقول الآية:
«إذا أرضت الرب طرق إنسان، جعل أعداءه
أيضاً يسالمونه». ومن الواضح أن هذه
العبارة لا تعبِّر عن حقيقة جامعة.
لقد كان الرب راضياً عن بولس عندما
رجمه أعداؤه (أعمال 14: 19). ويسوع
أرضى الله، ولكن أعداءه صلبوه! إلا
أنه بوجه عام يصح القول بأن الشخص
الذي يرضي الله غالباً ما يجذب أعداءه
للوقوف في صفه. وانظر فقط إلى الطريقة
التي انجذب بها بولس إلى الرب يسوع!
المبدأ الخامس عشر: إعلانات الوحى
اللاحقة حلَّت محل إعلانات الوحى
السابقة.
يقدم لنا الكتاب المقدس أدلة
كثيرة تشير إلى تطور الوحي، أي أن
الله لم يعلن كل شئ دفعة واحدة، ولم
يهييء نفس الظروف لكل العصور. ومن
ثم فإن إعلاناته اللاحقة حلَّت محل
مثيلاتها السابقة. أحياناً ما يفسر
النقاد تغيراً ما في الوحي على أنه
خطأ.
فمثلاً
لو سمح الأب لطفله الصغير أن يأكل
بأصابعه حتى إذا ما كبر يعلِّمه كيف
يستخدم الملعقة، فإن هذا لا يعد تناقضاً.
ولا يناقض الأب نفسه أيضاً إذا أصرَّ
لاحقاً أن يستخدم ابنه الشوكة بدلاً
من الملعقة لتناول الخضروات. هذا
هو تطور الوحي حيث يناسب كل أمر ظرفاً
معيناً.
كان
هناك عصراً (في ظل الشريعة الموسوية)
أمر الله فيه بتقديم الذبائح الحيوانية
للتكفير عن خطايا البشر. ولكن بما
أن المسيح قدم الذبيحة التي بلا عيب
عن الخطية (عب 10: 11-14)، فإن هذا
الأمر الإلهي لا يسري فيما بعد. وبالـمثـل
عندما خلق الله الإنسان، أمره أن
يأكل الفاكهة والخضـروات فقـط (تك1:
29). ولكن لاحقـاً، عندمـا تغيرت
الظـروف بـعد الـطوفـان، أمره الله
بأكـل اللحـم أيضاً. (تك 9: 3). وهذا
التغيـر من أكل النباتـات فقـط إلى
أكل الأطعمة النباتية والحيوانية
معاً مثال علـى تـطور الوحـي وليس
تناقضاً. وفي الواقع فإن رسالات الوحي
المتتابعة كانـت أوامر مختلفة لأناس
مختلفين في أزمنة مختلفة في خطـة
اللـه العظيمـة للفداء.
إن
الشخص الذي يأخذ الكتاب المقدس على
محمل الجد، بدلاً من أن يتذرع بأعذار
وتفسيرات واهية له، سوف يتفق مع
مارك توين الذي قال إن الجزء
الذي أثار قلقه واهتمامه في الكتاب
المقدس ليس الجزء الذي لم يفهمه بل
الجزء الذي فهمه بالفعل!
3(ب) هل استخدم الكاتب مصادر أولية؟
كتب كتَّاب العهد الجديد كشهود
عيان على الأحداث أو استقوا من مصادر
أولية مباشرة. وتشهد أسفار العهد
الجديد بما يلي:
لوقا
1: 1-3
إذ كان كثيرون قد أخذوا بتأليف قصة
في الأمور المتيقنة عندنا، كما سلَّمها
إلينا الذين كانوا منذ البدء معاينين
وخداماً للكلمة. رأيت أنا أيضاً إذ
قد تتبعت كل شئ من الأول بتدقيق أن
أكتب على التوالي إليك أيها العزيز
ثاوفيلس.
2 بطرس
1: 16
لأننا لم نتَّبع خرافات مصَّنعة،
إذ عرفناكم بقوة ربنا يسوع المسيح
ومجيئه، بل قد كنا معاينين عظمته.
1 يوحنا
1: 3
الذي رأيناه وسمعناه نخبركم به، لكي
يكون لكم أيضاً شركة معنا. وأما شركتنا
نحن فهي مع الآب ومع ابنه يسوع المسيح.
أعمال
2: 22
أيها الرجال الإسرائيليون اسمعوا
هذه الأقوال. يسوع الناصري رجل قد
تبرهن لكم من قِبَل الله بقوات وعجائب
وآيات صنعها الله بيده في وسطكم،
كما أنتم أيضاً تعلمون.
يوحنا
19: 35
والذي عاين شهد، وشهادته حق، وهو
يعلم أنه يقول الحق لتؤمنوا أنتم.
لوقا
3: 1
وفي السنة الخامسة عشرة من سلطنة
طيباريوس قيصر، إذ كان بيلاطس البنطي
والياً على اليهودية، وهيرودس رئيس
ربع على الجليل، وفيلبس أخوه رئيس
ربع على إيطورية وكورة تراخونيتس،
وليسانيوس رئيس ربع على الأبِلية.
أعمال
26: 24-26
وبينما هو يحتج بهذا، قال فستوس بصوت
عظيم: أنت تهذي يا بولس! الكتب الكثيرة
تحوِّلك إلى الهذيان! فقال: لست أهذي
أيها العزيز فستوس، بل أنطق بكلمات
الصدق والصحو. لأنه من جهة هذه الأمور،
عالم الملك الذي أكلِّمه جهاراً،
إذ أنا لست أصدق أن يخفى عليه شئ
من ذلك، لأن هذا لم يفعل في زاوية.
وفيما
يتعلق بموضوع المصادر الأولية المباشرة
للعهد الجديد يقول ف.ف. بروس،
الأستاذ السابق للنقد والتفسير الكتابي
بجامعة مانشستر:
كان
المبشرون الأوائل بالإنجيل يدركون
قيمة ... الشهادة التي تستند إلى
المصادر الأولية فاحتكموا إليها مراراً
وتكراراً. فكان قولهم: إننا شهود
لهذه الأمور هو شهادتهم الدائمة والواثقة.
ولم يكن من السهل على الإطلاق، كما
يعتقد بعض الكتَّاب، اختلاق أقوال
أو أفعال صادرة عن يسوع في هذه السنوات
المبكرة إذ كان هناك الكثير من تلاميذه
الذين يذكرون ما حدث وما لم يحدث.
ولم
يكن المبشرون الأوائل يتعاملون مع
شهود العيان الودودين فقط، فقد كان
هناك أشخاص نزَّاعون إلى الرفض وكان
هؤلاء على دراية تامة بالأحداث الخاصة
بيسوع وخدمته وموته. لم يكن التلاميذ
ليخاطرون بذكر أحداث غير دقيقة (فما
بالك بتعمد تغيير الحقائق والتلاعب
بها)، الأمر الذي كان من شأنه أن
يفتضح على الفور من قِبَل أشخاص كانوا
سيسعدون بذلك. وعلى النقيض من ذلك،
فإن أحد الأدلة القوية للبشارة الرسولية
الأولى هو احتكامهم الواثق لمعرفة
السامعين، فلم يقولوا فقط: إننا شهود
لهذه الأمور بل أيضاً: كما أنتم أيضاً
تعلمون (أع 2: 22). فلو كانت هناك
أية محاولة للحيدان عن الحقائق في
أي من الأمور، لكان الشهود المعارضون
لجمهور المستمعين اعترضوا على ذلك.
وربما
يعترض البعض قائلين: نعم، ولكن هذا
ما إدِّعاه كتَّاب العهد الجديد.
ولو أن كاتباً مزيفاً دوَّن الحدث
بعد مائة سنة أو أكثر من حدوثه، يمكنه
أن يدَّعي أي شئ. ولكن الحقيقة هي
أن أسفار العهد الجديد لم تدوَّن
بعد مائة سنة أو أكثر من الأحداث
التي تصفها، ولكنها دوِّنت أثناء
حياة أشخاص تذكرهم هذه الأسفار ذاتها.
ومن ثم يجب أن ينظر العلماء اليوم
إلى العهد الجديد كأحد المصادر التاريخية
الأولية الموثوقة للقرن الأول.
قال
وليم فوكسويل ألبرايت أحد
أبرز علماء الآثار المتخصصين في الكتاب
المقدس في العالم: يمكننا أن نقول
بكل تأكيد وثقة أنه لم يعد هناك أساس
لإرجاع أي سفر من أسفار العهد الجديد
إلى ما بعد عام 80م، وهذا التاريخ
يتقدم بجيلين كاملين عن التاريخ الذي
يحدده نقاد العهد الجديد المتطرفين
اليوم أي في ما بين عامي 130 و150م.
ويؤكد
فوكسويل على الأمر ذاته في
حديث صحفي لمجلة « المسيحية اليوم
» بتاريخ 18 يناير 1963 قائلاً:
في رأيي، كتبت جميع أسفار العهد الجديد
على يد يهود تمت معموديتهم للمسيحية
فيما بين الأربعينات والثمانينات
من القرن الأول الميلادي (والأرجح
فيما بين عامي 50 و70م).
ويخلص
ألبرايت إلى أنه: بفضل اكتشافات
وادي قمران، تبرهن ما كنا نعتقده
عن العهد الجديد من قبل وهو أنه تعاليم
المسيح وأتباعه المقربين بين عامي
25 و80م تقريباً.
لقد
أصبح الكثير من العلماء الليبراليين
اليوم مضطرين إلى وضع تقديرات زمنية
أقدم لكتابة العهد الجديد. وأحد هؤلاء
الدكتور جون أ. ت. روبنسون
الذي توصَّل إلى نتائج مذهلة في كتابه
«إعادة تحديد زمن كتابة العهد الجديد»
الذي أحدث انقلاباً في المفاهيم.
أدت أبحاثه إلى اعتقاده بأن العهد
الجديد كله كُتب قبل سقوط أورشليم
عام 70م.
3(أ) البرهان الخارجي لموثوقية العهد
الجديد
هل كتب التاريخ الأخرى تؤيد الشهادة
الداخلية للوثيقة أم تعارضها؟ . وبعبارة أخري، ما هي المصادر
الموجودة - خلافاً للنصوص موضع الدراسة
والتحليل - التي تؤيد صحتها وموثوقيتها
ومصداقيتها؟
1(ب) البرهان التاريخي لكتــَّاب
مسيحيين من العصر المسيحي المبكر
من خارج الكتاب المقدس
يحتفظ لنا يوسابيوس في كتابه
«التاريخ الكنسي» بكتابات بابياس
أسقف هيرابوليس (130م)، والتي يسجل
فيها بابياس أقوال الشيخ (الرسول
يوحنا):
اعتاد
الشيخ أن يقول هذا أيضاً: لقد دوَّن
مرقس، الذي كان تلميذاً لبطرس بدقة
جميع ما ذكره (بطرس) عن أقوال وأفعال
المسيح ولكن بدون ترتيب إذ أنه لم
يكن قد سمع الرب أو رافقه، ولكن فيما
بعد كما قلت رافق بطرس الذي لقَّنه
تعاليمه كلما اقتضت الضرورة. ولم
يكن يكتب مؤلفاً يجمع فيه أقوال الرب.
إذن فإن مرقس لم يخطئ في تدوينه بهذه
الطريقة للأشياء التي كان (بطرس)
يذكرها، لأن اهتمامه كان ينصبّ على
عدم إغفال أي شئ يسمعه وعدم تدوين
أي تعليم كاذب.
ويعلق
بابياس أيضاً على إنجيل متي قائلاً:
سجل متي أقوال الوحي باللغة العبرية
(أي الآرامية).
أما
إيريناوس، أسقف ليون (180م)،
فقد كان تلميذاً لبوليكاربوس أسقف
سميرنا الذي استشهد عام 156م وظل
في المسيحية لستة وثمانين عاماً وكان
تلميذاً للرسول يوحنا. كتب إيريناوس
يقول: إن هذه الأناجيل تعتمد على
أساس متين حتى أن الهراطقة أنفسهم
يشهدون لصحتها وإنطلاقاً منها (أي
من هذه الوثائق)، يحاول كل منهم أن
يؤسس عقيدته الخاصة.
لقد
أصبحت الأناجيل الأربعة شيئاً محورياً
في العالم المسيحي حتى أن إيريناوس
يشير إليها (الأناجيل الأربعة) كحقيقة
راسخة ومعروفة مثلها مثل الاتجاهات
الأصلية الأربعة للبوصلة:
كما
أن هناك أربعة اتجاهات للعالم الذي
نعيش فيه، وأربعة رياح أرضية، ولما
كانت الكنيسة قد انتشرت على وجه كل
الأرض، ولما كان الإنجيل هو عماد
وأساس الكنيسة وهو نسمة الحياة، فمن
الطبيعي أن يكون ذا أربعة أعمدة،
آتياً بنسيم الخلود من كل جهة ومنعشاً
حياة الإنسان من جديد. فمن ثم يتبين
أن الكلمة، مبدع كل الأشياء والجالس
فوق الكاروبيم والممسك بكل الأشياء
معاً، إذ ظهر للبشر، أعطانا أربعة
أناجيل ولكن يجمعها الروح الواحد.
لقد
نشر متي إنجيله بين العبرانيين (أي
اليهود) بلغتهم، بينما كان بطرس وبولس
يبشران بالإنجيل في روما حيث أسسا
الكنيسة هناك، وبعد انتقالهما (أي
موتهما، الذي يشير التقليد أنه كان
في وقت اضطهاد نيرون عام 64م)،
سلَّم مرقس تلميذ بطرس والشارح لأقواله،
بنفسه لنا كتاباته لفحوى بشارة بطرس.
أما لوقا تلميذ بولس، فقد دون بشارة
معلِّمه. ثم يوحنا، تلميذ الرب، والذي
اتكأ على صدره أيضاً (إشارة إلى يوحنا
13: 25 و21: 20)، فقد كتب إنجيله
عندما كان يعيش في أفسس بآسيا.
ويستخدم
أكليمندس الروماني (حوالي
95م) الكتاب المقدس باعتباره مصدراً
أصلياً موثوقاً.
أغناطيوس (70-110م): كان أسقفاً
لأنطاكية واستشهد بسبب إيمانه بالمسيح.
كان يعرف الرسل جميعاً وكان تلميذاً
لبوليكاربوس الذي كان تلميذاً
للرسول يوحنا.
ويقول
إلجين موير في كتاب شخصيات
التاريخ الكنسي إن أغناطيوس
نفسه قال: إنني أفضل الموت من أجل
المسيح على أن أحكم الأرض كلها. اتركوني
للوحوش حتى يكون لي شركة مع الله.
وقيل إنه ألقي للوحوش الضارية في
الكولوسيوم بروما. وكتب رسالته في
أثناء رحلته من أنطاكية إلى المكان
الذي استشهد به.
وقد
صدَّق أغناطيوس على الكتاب
المقدس من خلال الطريقة التي أسس
إيمانه بها على صحة الكتاب المقدس.
وقد كان له الكثير من الكتابات والشهادات
التي تؤيد موثوقية الكتاب المقدس.
بوليكاربوس (70-156م): كان تلميذاً
ليوحنا وسلَّم نفسه للاستشهاد عن
عمر يناهز الثمانية والستين عاماً
بسبب إخلاصه الشديد للمسيح وللكتاب
المقدس. وقد برهن موته على ثقته في
صحة الكتاب المقدس. حوالي سنة 155
، أثناء حكم أنطونيوس بيوس، عندما
كان الاضطهاد دائراً في سميرنا حيث
استشهد العديد من رفقائه، أفرز كقائد
للكنيسة وعِّين للاستشهاد. وعندما
طُلب منه إنكار الإيمان ومن ثم النجاة
من الموت، قال كلماته الشهيرة: ثمانية
وستون عاماً خدمته ولم أر منه شراً.
فكيف أتكلم بالشر على ملكي الذي خلصني؟
فأحرق ومات موت الشهداء الأبطال من
أجل إيمانه.
ومن المؤكد أن بوليكاربوس كانت له
صلات كثيرة لتحري الحقيقة.
تاتيان (حوالي 170م): قام بترتيب
النصوص المقدسة ليؤلف بذلك أول توافق
للأناجيل وهو ما يسمي الدياطسرون
.
2(ب) شهادة كتَّاب غير مسيحيين من
العصر المسيحي المبكر للعهد الجديد
يشير خصوم الكتاب المقدس من النقَّاد
إلى أن وثائق العهد الجديد لا يمكن
الثقة بها إذ أنها كتبت على يد تلاميذ
يسوع أو المسيحيين فيما بعد. وهم
يقولون إنه ليس هناك ما يؤيد شخصية
يسوع أو أحداث العهد الجديد في المصادر
غير المسيحية. وليس هذا الإدعاء باطلاً
فقط، بل أن جايسلر يقول أيضاً
في هذا الصدد:
إن
الاعتراض بأن هذه الكتابات غير حيادية
يتضمن إشارة خطيرة وغير صحيحة إلى
أنه لا يمكن الاعتماد على الشهود
إذا كانوا على صلة وثيقة بالشخص الذي
يدلون بشهاداتهم عنه. ومن الواضح
أن هذا إدِّعاء باطل. فإن من نجوا
من مذابح النازية كانوا بالقرب من
الأحداث. كانوا هناك وواجهوا تلك
الأحداث بأنفسهم. وينطبق الأمر نفسه
على شاهد المحكمة الذي نجا من هجوم
ضاري. وينطبق هذا أيضاً على من نجوا
من الغزو النورماندي أثناء الحرب
العالمية الثانية أو الهجوم الأمريكي
في حرب فيتنام. لا يجب اعتبار شهود
العهد الجديد فاقدي الأهلية لأنهم
كانوا على صلة وثيقة بالأحداث التي
يروونها.
ويضيف
قائلاً:
لنفترض
أن هناك أربعة شهود عيان على حادثة
قتل. وكان هناك شاهد آخر وصل إلى
مكان الحادث بعد وقوعه ولم ير إلا
جثة القتيل. وسمع آخر رواية غير مباشرة
عن الحادث. وفي أثناء المحاكمة ترافع
محامي الدفاع قائلاً: فيما عدا شهود
العيان الأربعة، تعد شهادة الإثبات
ضعيفة، ويجب رفض الدعوي لعدم كفاية
الأدلة. وهنا سوف يعتقد الحضور أن
المحامي يحاول المراوغة، إذ أنه يصرف
انتباه القاضي والمحلفين عن الشهادة
القوية إلى الشهادة الضعيفة. ومن
الواضح أن هذا المنطق غير سليم. وبما
أن شهود العهد الجديد كانوا هم الشهود
وحدهم ليسوع وكانوا معاصرين له، فمن
الخطأ تحويل الانتباه عنهم إلى المصادر
العلمانية غير المسيحية. ورغم ذلك،
فمن المفيد أن نبين ما هي البراهين
المؤيدة ليسوع والتي يمكن جمعها خارج
نطاق العهد الجديد.
الشهادات
التالية تمت مناقشتها بتفصيل أكثر
في الكتاب الذي ألَّفته مع بيل ويلسون:
«سار بيننا».
1(ج) تاسيتوس
يعتبر تاسيتوس الذي عاش في
القرن الأول أحد أكثر المؤرخين دقة
في العالم القديم. وهو يروي لنا أحداث
حريق روما العظيم الذي يُعتقد أن
الإمبراطور نيرون هو السبب
فيه:
وعلى
ذلك، وحتى يتخلص من الإشاعات والأقاويل،
ألصق نيرون التهمة بطبقة بغيضة من
الناس يطلق عليهم اسم المسيحيين،
وأنزل بهم أقسى ألوان العذاب. وكان
المسيح، الذي منه يشتق اسمهم، قد
كابد عقوبة الموت في أثناء حكم طيباريوس
على يد أحد الحكَّام وهو بيلاطس البنطي،
وبذلك خمدت أحد أشرَّ البدع، ولكنها
عادت لتنتشر من جديد ليس في اليهودية
فقط، المصدر الأول لهذا الشر، ولكن
في روما أيضاً حيث يجد كل ما هو
بغيض ومخزي من كل بقاع العالم
مرتعاً له ومن ثم يشتهر.
إن
أشر البدع التي يشير إليها تاسيتوس
هي على الأرجح قيامة يسوع. وهو ما
يشير إليه أيضاً سيوتونيوس
كما يلي.
2(ج) سيوتونيوس
كان سيوتونيوس واحداً من أهم
رجال بلاط الإمبراطور هادريان (الذي
حكم فيما بين 117-138م). وأقواله
تؤيد ما جاء في أعمال الرسل 18: 2،
وهو أن كلوديوس أمر جميع اليهود (ومن
بينهم بريسكلا وأكي |