|
1(أ) مقدمة
هناك بعض الافتراضات المسبقة الهامة لمنهج النقد العالى، ليس من الضروري أن تكون غير مرغوب فيها بل تكون أحياناً مطلوبة. ويستشهد أور باللاهوتي الألماني بيدرمان في قوله:
هذا ليس حقيقياً ولكنه زراً للرماد في العيون، إذا أكد شخص ما أن النقد العلمي والتاريخي يجب ويستطيع أن يتطور بدون افتراضات مسبقة. ففي اللحظة الأخيرة نجده يصل إلى النقطة التي تريدها هذه الخلفيات والافتراضات المسبقة، حيث تستطيع أو لا تستطيع أن تمسك ببعض الأشياء من ذاتها لتكون ممكنة.. بعض أنواع التعريفات المحددة تتسم بالمرونة، حيث أتت من التاريخ. وأي باحث يمكنه أن يحضر معه أبحاثاً تاريخية، وهذه يمكن أن تكون افتراضات عقائدية مسبقة لذلك الطالب.
إن النقد الراديكالي ليس فقيراً حينما يأتي من باحث قوي، فالمشكلة عندهم ليست في نقص المعلومات عن البرهان ولكن بالأحرى تفسيراتهم للنقد الكتابي المبني علي وجهات نظرهم العالمية.
على نحو ملائم، تتوقف نتائج النقد الكتابي على صحة المباديء الأولية له.
غالباً ما تنقَد الدراسات في مجال النقد الكتابي على مستوى النتائج أو الإجابات لا على مستوى الافتراضات المسبقة أو على القواعد التي نستند عليها في تفكيرنا.
إن الحديث عن الافتراضات المسبقة يكشف إذا كان الناس لديهم القدرة أن يصلوا إلى نتائج منطقية أم لا. فإذا كان لدى الشخص افتراضات مسبقة معقولة في ضوء الدليل المعروف، فإن نتائجه المنطقية تكون صحيحة. ولكن إذا كانت افتراضاته المسبقة خاطئة فإن نتائجه المنطقية سوف تُضخِّم الأخطاء الأصلية فقط طالما يكون الجدال ممتداً.
عند دراسة الكتاب المقدس هناك دائماً العديد من الافتراضات المسبقة الفلسفية ويكون تقييم هذه الافتراضات المسبقة الفلسفية، فوق نطاق مجال هذا العمل. ولكن علم الآثار أعطانا الكثير لكي نفكر فيه وندرسه اليوم بطريقة موضوعية، كذلك فإن أية افتراضات مسبقة بخصوص الكتاب المقدس يجب أن توضع موضع الاعتبار أيضاً.
إن واحدة من الخطوات الأولي في هذه الدراسة هو أن نوفِّق بين هذه الافتراضات المسبقة مع المعطيات الموضوعية، قبل أن نبدأ أي مناقشة جادة في نقط أخري.
بخصوص عمل العلماء الذين يهتمون بالوثائق يجب أن نسأل هذا السؤال، «ما هي افتراضاتهم المسبقة وهل هي مسموح بها؟».
2(أ) أولوية تحليل المصادر على علم الآثار
واحدة من المآخذ الرئيسية على مدرسة النقد العالي كانت أنه في كثير من تحليلاتهم ومحاولاتهم لفصل وتمييز الوثائق المزعومة، فإن استنتاجاتهم كانت مبنية على نظريات غير موضوعية بخصوص تاريخ إسرائيل، والتطور المحتمل، وعملية جمع المصادر المزعومة. ولكنهم فشلوا أن يشيروا بطريقة كافية للمعلومات الموضوعية والصحيحة التي يعطيها علم الآثار.
إن التماثل المنهجي الذي استمر بين الدراسات الخاصة بالأسفار موسى الخمسة والدراسات الخاصة بأعمال هوميروس كان مطابقاً للتأثير المتبادل، وأيضاً للاستفادة المتبادلة من التقدم الذي حدث في مناهج وتقنيات الأبحاث.
كتب كاسيتو: بدون شك هذه الأبحاث تأثرت أيضاً بآراء ومفاهيم، واتجاهات، ومطالب، وخصائص، وخصوصية كل عصر. ولكون الأمر هكذا فليس أمامنا اكتشاف موضوعي عن ما هو موجود فعلاً في الكتب القديمة، ولكن نتيجة الانطباع غير الموضوعي لهذه الكتابات على الناس في بيئة معينة. ماذا وجد الباحثون من بين شعوب مختلفة بعضها عن بعض ظاهرة أدبية معقدة جداً ومع ذلك تكون متشابهة، فإنه يكون هناك على وجه الخصوص اتجاه في عصر واتجاه آخر في عصر آخر، وفي فترة ثالثة، ومن الطبيعي أن ينشأ شك أن آراء الباحثين ليست مؤسسة على حقائق موضوعية ولكنها تتأثر بواسطة السمات غير الموضوعية للباحثين أنفسهم.
ويلفت هاريسون أنظارنا إلى:
مهما يقدَّم من نقد لفلهوزن ومدرسته، فإنه من الواضح تماماً أن نظريته عن مصدر أسفار موسى الخمسة بلاشك كانت ستتغير كثيراً لو أن فلهوزن كان قد اختار أن يأخذ في اعتباره المادة المتاحة في علم الآثار المتاح دراسته في أيامه. لو كان أخضع أبحاثه الفلسفية للتحكيم العاقل للبراهين الواقعية ككل.وبينما هو وأتباعه قد انتزعوا الإعجاب إلى حد ما بخصوص الاكتشافات المتعلقة بفقه اللغة في تلك الأيام وأظهروا درجة من الاهتمام بأصول الثقافة العبرية فيما يتعلق باللغات السامية. إلا أنهم اعتمدوا كلية على وجهة نظرهم بخصوص ثقافة وتاريخ ديانة العبرانيين في مساعيهم لتفسير الكتاب المقدس.
ويستكمل هاريسون :«لم يهتم فلهوزن في معظم الأحوال بمدى التقدم الذي حدث في مجال الدراسات الشرقية، وبمجرد وصوله إلى نتائجه وخلاصاته، لم يكلف نفسه عناء مراجعة رأيه في ضوء الأبحاث والدراسات الأخرى في مجاله العام»
وحتى عام 1931 كان بعض النقَّاد لا يزالون يدَّعون أن تحليل المصادر المزعومة كانت الطريقة الأكثر دقة لتحديد الخلفية التاريخية لأسفار موسى الخمسة. قال بيدرسون وهو باحث سويدي وواحد من رواد مدرسة التقاليد الشفهية: «كل مصادر أسفار موسى الخمسة هي من مصادر فترة ما قبل السبي ومصادر ما بعد السبي. وعندما نفحص هذه المصادر والمصادر الأخرى، ليس عندنا أي وسيلة أخرى غير التخمين الفعلي، ففي كل حالة بمفردها يجب فحص أسلوب كتابة هذا المصدر .
إن مثل هذا الاعتماد على تحليل المصادر ومافيه من ذاتية شديدة قد تعرض لنقد الكثير من الدارسين.
كتب مندنهال: إن قيمة التحليل الأدبي للتاريخ ونجاحه في إقناع عالم الدارسين اليوم يعتمد على استخراج معيار أكثر كفاءة ودقة للحكم به، بدلاً من المعايير غير الكافية التس استخدمها اتباع هذا المنهج. ولهذا السبب، فإن النتائج يجب أن يُحكم عليها أن تهبط إلى فئة الآراء، وليس إلى فئة الحقيقة التاريخية.
يضيف سايس إن: «من آن لآخر فإن معظم التوكيدات الإيجابية للنقد المتسم بالشك قد تعرضت للهدم بواسطة الاكتشافات الأثرية. فالأحداث والشخصيات البارزة التي أُعلن بثقة أنها أسطورية قد ظهر أنها تاريخية، والكُتَّاب الأقدم قد ظهر أنهم مُلمِّين أكثر من الذين يصفونهم بأنهم النقَّاد المحدثين الذين نظروا للأقدمين باستهانة.
ويحذر رايت قائلاً: «يجب أن نحاول أن نعيد بناء تاريخ إسرائيل، كما فعل المؤرخون عن الشعوب القديمة، باستخدام أي أداة متاحة، وهذا لا يسمح بإهمال علم الآثار» .
وبالمثل يطلب البريت بمناهج يمكن التحقق منها. ويقول إن الوصول إلى اليقين التام في تاريخية أو عدم تاريخية فرضية ما لا تتأسس بشكل كلي على الإطار الأدبي الموجودة فيه، وإنما لابد دائماً من وجود دليل خارجي.
العبارة التالية التي قالها مندنهال تستحق أن ننتبه إليها جيداً: «إنه لشيء له معنى ومغزى أن معظم النتائج الجديدة المهمة في الدراسات التاريخية لا شأن لها بالتحليل الأدبي.
ويتحدث رايت عن البيانات الخارجية لمراقبة النقد الراديكالي فيقول:
عندما كانت تتشكل المواقف الأساسية للنقد العالي في القرن الماضي (دراسة أسفار التوراة لتقرير تاريخها الأدبي وأغراض كتابتها) كانت هناك كمية غير كافية من المعطيات الكتابية التي تُستخدم في الرد على النقد المتطرف. لهذا السبب، فإن آية بعد الأخرى كان يُعترض عليها على أنها تزوير أو تزييف أدبي. وإمكانية «الخداع الكاذب» في جمع الوثائق المكتوبة كان يُبالغ فيها وراء نطاق حدود الإدراك. وعندما يؤسس مثل هذا الاتجاه في النقد، فإن العمل المحافظ تتزايد صعوبته، طالما أن العوامل العاطفية وأيضاً المنطقية تُستخدم في تدعيم الموقف العقلى المتسم بالشك في معظم ما يؤكده الآخرون.
ويُعلِّق البريت بخصوص تاريخية العهد القديم: «إن معطيات علم الآثار والحفريات قد أكدت الموثوقية التاريخية للعديد من النصوص في العهد القديم، واحتمال وجود أعداد كبيرة من مثل هذه الحالات أكثر بكثير من احتمال عكسها.
ويقرر البريت أكثر من هذا فيقول: لا يزال فلهوزن يُعتبر في أعيننا أعظم باحث كتابي في القرن التاسع عشر. ولكن وجهة نظره، وصورته عن تطور إسرائيل قد انهارت.
3(أ) نظرة طبيعية تطورية عن ديانة وتاريخ إسرائيل
إن مفهوم هيجل التطوري وتطبيقه على التاريخ يمكن أيضاً تطبيقه على الدين خاصة في العهد القديم. يفترض النقَّاد العقلانيون أن التطور الديني تمَّ من خلال عملية تطورية بدأت «بالاعتقاد في الأرواح في أيام الإنسان البدائي، ثم مرَّت بمراحل مختلفة، شملت عبادة الأسلاف، أو الاعتقاد في الأشياء التي تسكنها الأرواح، والطوطمية أو الاعتقاد في إله للقبيلة، وحيوان للقبيلة له علاقة بأعضاء القبيلة، والمانا Mana أو فكرة قوة تسكن في أي شيء، والسحر وهو التحكم في الأمور فوق الطبيعية. أخيراً اعتقد الإنسان في آلهة واضحة المعالم (الإيمان بعدة آلهة وعبادتها)، وأخيراً رفعوا إلهاً واحداً فوق الآلهة الأخرى
.
يشرح رايت وجهة نظر فلهوزن وكثير من النقاد الراديكاليين قائلاً:
إن إعادة بناء فرضية جراف - فلهوزن لتاريخ الديانة اليهودية، كانت التوكيد على أنه في داخل صفحات العهد القديم لدينا مثال كامل لتطور الديانة من عبادة الحيوانات في زمن الآباء إلى عبادة إله واحد من غير إنكار لوجود آلهة أخرى. ولقد عبد الناس إلهاً واحداً في القرن السادس والخامس ق.م، وكانت هناك عبادة البعل في فلسطين.
ويقول أور : «إن أول الأسباب وربما أعمقها لرفض عبادة هذه الآلهة وعبادة إله واحد هو إله العهد القديم، يرجع إلى الآباء وإلى موسى. إن فكرة وحدة الله قد تأكدت في إسرائيل القديمة».
يتحدث فلهوزن عن خلْق العالم فيقول: «عند الشباب فإن مثل هذا التعبير اللاهوتي التجريدي لما يسمعوا عنه، هكذا الأمر مع العبرانيين، فإننا نجد هذه الكلمة معناها يأتي في الاستخدام فقط بعد السبي البابلي».
ويضيف فلهوزن أن «الفكرة الدينية عن البشرية طبقاً لتكوين
6:9 ليس مفهوماً قديماً عند العبرانيين أكثر من الأمم الأخرى».
ويقرر الباحث الهولندي كيونين هذا الوضع في فصل بعنوان «وجهة نظرنا» في كتابه «ديانة إسرائيل» أنه يضع المبدأ الذي يقول إنه لا يوجد أي فرق بين ديانة إسرائيل والديانات الأخرى. ويقول أيضاً: بالنسبة لنا فإن الديانة الإسرائيلية هي واحدة من هذه الديانات، لاشيء أقل ولا شيء أكثر.
وقد أُخذ في الاعتبار تقييم أور «إن الافتراض المسبق في مسألة تهم الرأي العام الذي يُقاوم هذه النقطة القائلة أن ديانة إسرائيل لا تُقدم أية ملامح ولكنها قابلة للشرح والتفسير بعيداً عن أي سبب أو علَّة - لدرجة أنها لا تحتاج لأي وسيط أعلى ليُعللها».
هنا نرى التفسير للنقَّاد لتاريخ إسرائيل ممثلاً في جلاسون أرشر، الذي يقدم هذه النقطة لنا:
إن الفهم المتطور للتاريخ وفحص عقيدة أن الإنسان هو غاية الكون القصوى سادت في القرن التاسع عشر. فمعظم المفكرين كانوا يرون الديانة بمعزل عن فكرة التدخل الإلهي، شارحين أن الديانة هي تطور طبيعي أنتجته احتياجات الإنسان الذاتية. وكان رأيهم أن الديانة العبرانية كالديانات المجاورة لها، قد بدأت بكل تأكيد بالاعتقاد أن كل ما في الكون روحاً أو نفساً، وبعد ذلك تطور هذا الاعتقاد خلال مراحل الإيمان بعدة آلهة وفي النهاية الإيمان بإله واحد.
إن فلسفة هيجل التطورية كان لها تأثيراً كبيراً على دراسات العهد القديم، وهو ما يشير إليه هربرت هان:
لقد كان مفهوم التطور التاريخي هو الإسهام الأكبر الذي قدمه النقد التحرري لدراسات العهد القديم. بالطبع فإن هذا المفهوم لم ينمو فقط من قراءة موضوعية للمصادر. ولكن بوجه عام نجد أنه انعكاس للولع بالعقل الظاهر في ذلك الحين.
لكن المفهوم الصحيح لتاريخ العهد القديم تناسب مع المبدأ التطوري للتفسير الذي يسود في العلوم والفلسفات المعاصرة، ففي العلوم الطبيعية الخاصة بدارون اصبحت نظرية التطور هي الفرضية السائدة على كل الأبحاث. وفي العلوم التاريخية وفي مجالات الفكر الديني والفلسفي، نرى أن المفهوم التطوري قد بدأ في ممارسة تأثير قوي بعد أن تخلى هيجل عن فكرة «أن تصبح» واستبدلها بفكرة «أن تكون». وقد وصل إلى هذه الفكرة بالمنطق المجرد دون أن يختبرها بواسطة التطبيق العلمي على حقائق ملحوظة، ولم يكن مدهشاً أن نفس المبدأ كان ينبغي تطبيقه على تفسير تاريخ العهد القديم. ففي كل عصر نجد أن التحليل قد دعم الأشكال الفكرية لهذا العصر، وفي النصف الأخير من القرن التاسع عشر حدثت سيادة للعقل من خلال المناهج العلمية والنظرة التطورية للتاريخ.
ويكتب بول فينبرج عن مدخل هيجل للتاريخ:
اعتقد هيجل أن مشكلة الفلسفة هي أن نجد معنى للتاريخ. من هذا الافتراض الأساسي حاول أن يشرح كل تاريخ البشرية. ولقد شمل تاريخ إسرائيل ألفيتين تقريباً ومن المحتمل أن يكون هذا التاريخ هو البداية. وفي فلسفته عن الدين، خصص هيجل للديانة العبرية مكاناً مهماً في النشوء التطوري للمسيحية - الديانة الكاملة. وتقدم وجهة نظر هيجل عن الديانة اليهودية إطاراً لا يُقاوم، فيه حاول أتباعه أن يفسروا العهد القديم.
وتلخص دائرة المعارف البريطانية فلسفة هيجل : يفترض هيجل مسبقاً أن كل التاريخ البشري هو عملية من خلالها كان الجنس البشري يتقدم روحياً وأخلاقياً. وهذا هو الذي عمله العقل البشري في مرحلة تقدمه في فهم المرء لقدراته ومشاعره ودوافعه... وكانت الخطوة الأولى هي عمل التحوَّل من الحياة الوحشية الطبيعية إلى حالة النظام والقانون.
وينعكس تأثير هيجل على باحثي العهد القديم في القرن التاسع عشر في جملة قالها كيونين في كتاب (ديانة إسرائيل) التي استشهد بها أور: «أي شيء نسميه عالمياً، أو على الأقل قاعدة عامة هي أن الديانة بدأت بالتقديس الأعمى للقوى الخرافية، بعد ذلك تطورت إلى الإيمان بعدة آلهة وعبادتها، وحينئذ ارتفعت إلى عبادة إله واحد - وإذا طبقنا هذه القاعدة، فإن الإسرائيليين ليسوا استثناءً».
مثل هذا الافتراض يتجاهل أو يرفض تصديق قصة إسرائيل عن تاريخها في العهد القديم.
إن مدرسة فلهوزن تنظر إلى الديانة العبرية، على أنها لم تكن سوى مجرد نتاج التطور، ولم تمسها أي قوة فوق طبيعية. هذه النظرة تجاهلت الحقيقة القائلة إن الديانة العبرية وفروعها فقط هي التي انتجت عبادة الإله الواحد الحقيقي، وأن الرسالة الوحيدة في كل الكتب المقدسة العبرية تنادي بعبادة الإله الواحد، وهكذا فإن قصص الآباء الإسرائليين مثل إبراهيم وإسحق ويعقوب وموسى قد أُعيد فحصها بقصد أن الإيمان بعدة آلهة التي كانت في العصور المبكرة قد صححتها الكتابات المتأخرة للتقليد التثنوي وكتابات التقليد الكهنوتي.
إن كل هذا الافتراض - القائم على النظرة التطورية لتاريخ إسرائيل ودياناتها، كان حاسماً بالنسبة للفرضية الوثائقية التي وضعت في الملخص التالي في «قاموس الكتاب المقدس». في شكلها النموذجي، فإن الفرضية الوثائقية تعتمد على نوعين من الأدلة: الأدلة التي تقوم على البرهان الحرفي واللغوي الذي ظهر نتيجة تقسيم مواد أسفار التوراة الخمسة إلى مصادر مكتوبة متنوعة، ثم هناك الأدلة القائمة على البرهان التاريخي لتطور الفكر الديني في إسرائيل، الذي أنتج صورة تحليلية للعلاقة المتضمنة بين الوثائق والترتيب الزمني لها.
يقول ألبريت فيما يتعلق بتطبيق فلهوزن نظريات هيجل الفلسفية على تاريخ إسرائيل:
حاول فلهوزن بواسطة مفهوم التشابه الجزئي عند هيجل فيما يتعلق بالكتابات التي كانت قبل الإسلام والكتابات الإسلامية في بلاد العرب أن يبني طريقة لتطور تاريخ إسرائيل في الديانة والأدب التي تناسب تحليله النقدي، ولأن بناء فلهوزن في منتهى الذكاء أعطانا تفسيراً بسيطاً منتظماً لدرجة أنه أُقرَّ عالمياً بواسطة الباحثين البروتستانت التحرريين وبواسطة الباحثين الكاثوليك واليهود. وبالطبع كان هناك بعض الاعتراضات، ولكن في كل الأماكن تقريباً حيث كان الناس يتعلمون بواسطة دراسة طريقة النقد العبرية واليونانية ويتمتعون بها، وهم أيضاً تعلموا المعتقدات الأساسية الخاصة بفلهوزن ولسوء الحظ فإن هذا كله تطور في وقت تطور علم الآثار الذي كانت قيمته في تلك الفترة قليلة جداً في تفسير التاريخ.
ولقد كان النقَّاد دائماً يُحددون المفاهيم والمباديء اللاهوتية التقدمية وينسبونها إلى التاريخ الإسرائيلي المتأخر فقط، حيث كانوا يؤكدون أن المفاهيم والمباديء المبكرة لابد أنها كانت تتصف بالبدائية.
ولقد بيّن كيتشن بطريقة شاملة أن كثيراً من مثل هذه «المفاهيم التقدمية» كانت سائدة في الشرق القديم في الألفية الثالثة ق.م.
إن وجود هذه المفاهيم المنتشرة في كثير من الوثائق المكتوبة تعطي العبرانيين أن يعتادوا علي هذه الآراء في أي نقطة في تاريخهم. فمثلاً كان الكثيرون ينسبون إضفاء الصفة البشرية على الحكمة كما هي موجودة في سفر الأمثال أصحاح 8 و9 إلى تأثير الإغريق في القرن الثالث والرابع ق.م. ولكن إضفاء الصفة البشرية على الحقيقة، والعدل، والفهم، إلخ قد وجدت حقيقة في الألفية الثالثة ق.م. في مصر وما بين النهرين، وأيضاً في الألفية الثانية ق.م. في آداب الحثيين والكنعانيين. إن فكرة إله لكل العالم قد تبرهن بوضوح في عام 1940 أنها انتشرت أثناء الألفية الثالثة ق.م. ومع ذلك فإن بعض النقَّاد الراديكاليين لا يزالون مُصرِّين أن ينسبوا هذه الفكرة الكتابية (كما نراها في مزمور 67 إلى أوقات متأخرة نسبياً).
ويعكس چون ماكي لغة المدرسة التطورية عندما يقول بخصوص العهد القديم: «إن الروايات التي تؤخذ ككل تهدف إلى توصيل فكرة أنه تحت الصورة المتواضعة لإله القبيلة، فإن إله كل العالم قد أظهر نفسه في حياة إسرائيل»
ويُلخص البريت وجهة النظر هذه عندما يقول: «اتفقت المدرسة كلها على رفض الاعتراف بالإيمان الموسوي بإله واحد، وعلى رأي أن إيمان الإسرائيليين بإله واحد، كان نتيجة عملية تدريجية تطورية لم تصل إلى اكتمالها حتى القرن الثامن ق.م
.
هنا يعبر النقاد الراديكاليون عن النتائج أو الخلاصات الواضحة لتوجههم وافتراضهم المسبق المعادي لما فوق الطبيعة فيما يتعلق بدين إسرائيل في العهد القديم، وحيث أنهم قد رفضوا تماماً فكرة الوحي أو الإعلان المباشر من الله، فبالتأكيد أن عقيدة التوحيد تطورت عبر قنوات تطورية طبيعية مثل باقي الأديان.
لهذا السبب فإن النقَّاد الراديكاليين استنتجوا أن أي قطعة من الأدب يمكن أن يرجع تاريخها إلى مرحلتها في التعليم الديني، من المفترض أن الإنسان يستنتج أن المصدر الأدبي المبكر يكون أكثر بدائية فيما يتعلق بمفاهيمه الدينية.
عندما ظهر الإيمان بإله واحد أو التوحيد في كتاب يُفهم منه ظاهرياً أن يكون تاريخه وقت موسى (حوالي 1400 ق.م)، فإنه رُفض في الحال بواسطة كثير من النقَّاد الراديكاليين لأنه كما كتب فايفر أن جذور الإيمان بإله واحد لم تترسخ حتى وقت عاموس
.
فيما يلي بعض الافتراضات كتبها الذين يدافعون عن نظرية التطور:
1(ب) التوحيد
1(ج) الافتراض الوثائقي
لم يكن الإيمان بإله واحد موجوداً حتى زمن عاموس- وبكل تأكيد لم يكن موجوداً أثناء العصر الموسوي (حوالي 1400 ق.م) - وأنه كان بداية ديانة إسرائيل. وكما يقول هاريسون: رفض فلهوزن فكرة أن التوراة ككل كانت نقطة البداية لتاريخ إسرائيل كجماعة الإيمان».
لم يُعتبر الإيمان بإله واحد أنه كان موجوداً في العصر الموسوي. ولكنه اُعتبر بالحري أنه كان نتيجة تأثيرات التطهير الذي حدث أثناء السبي البابلي، ولم يكن الصفة المميزة لإسرائيل حتى بعد القرن السادس ق.م.
ويوافق كيونين
أن العبرانيين كانوا بدون شك يؤمنون بعدة آلهة. ولقد ظهر هذا
ليس فقط في اطار التتابع، ولكن أيضاً من الدليل الإيجابي بتعدد
الآلهة عندهم إذ أن هذا لم يعارضه أي نصّ من الأزمنة القديمة».
ويستمر كيونين قائلاً: «في البداية كانت ديانة إسرائيل هي الإيمان بتعدد الآلهة، وفي أثناء القرن الثامن ق.م كانت الغالبية العظمى من الناس لازالوا يؤمنون بوجود آلهة كثيرة، والأكثر من ذلك أنهم عبدوها. ونستطيع أن نحدد الزمن أنه كان أثناء القرن السابع ق.م. وما قبله إلى بداية السبي البابلي» (ق.م 586).
ويشرح كيونين
أسبابه التي تدعم فكرة تطور الدين، ما يمكننا أن نطلق عليه
الأمر السائد أو المنتشر في كل العالم أن الدين يبدأ بالديانات
الخرافية السحرية ثم تتطور إلى تعدد الإلهة وبعدها تصعد إلى
التوحيد أو وحدانية الإله - وهذه هي ما يمكن أن نعتبرها أعلى
مرحلة - والديانات السامية مرت بهذه المراحل بلاشك».
ويلخص كيونين نظريته:
إن أدنى تصور للدين والذي كان له أتباع كثيرون هو ما نعرفه بالفتيشة أو الديانات السحرية. والذي مازال موجوداً حتى حيثما تتضاءل الأفكار الطفولية، فمثلاً عبادة الأجرام السماوية، الشمس والقمر والكواكب انتشرت بين الناس، لذلك فإننا نفترض أن عبادة الأشجار والأحجار كانت شائعة بين العبرانيين. ولا يزال العهد القديم يحتوي على الكثير من عبادة ذلك الحجر الذي كان مكانه في أرض جوشن، ولكنه استمر في كنعان أيضاً. وعندما عُرف يهوه بعد ذلك من الكثيرين أنه الله الوحيد، فإن هذه الأحجار المقدسة كان لها ارتباط به بطرق كثيرة. ومن الجدير أن نلاحظ أن هذه الأحجار كانت تُعبد بواسطة الآباء أثناء تجوالهم في أرض كنعان، إما كمذابح تكريماً ليهوه أو كذكرى لوجوده.
ويختتم فايفر قائلاً: لقد زرع عاموس بدون أي تمييز عنصري سواء في الجنس أو الدولة، ديانة كونية، التي منها ظهرت الديانات الكبرى التوحيدية التي تنادي بالخلاص وهي اليهودية والمسيحية والإسلام
2(ج) الإجابة الأساسية
يقول البرايت: «إنه على وجه التحديد بين 1500 و1200 ق.م، أعني في العصر الموسوي، فإننا نجد أقرب اقتراب لعبادة إله واحد في عالم الأمم القديم، وهو قبل العصر الفارسي».
ويواصل چوزيف فري قائلاً إن فحصاً أثرياً لبعض النقوش تبين أن نوعاً من عبادة الإله الواحد وهو آتون دخلت مصر في الفترة ما بين 1400 و1335 ق.م. وهناك دلائل على ميول لعبادة الإله الواحد في بابل في الفترة ما بين 1500-1200 ق.م في نصّ بابلي شهير الذي يُبين هوية كل الآلهة المهمين في بابل حيث أنها جميعاً تجمعت في إله واحد وهو الإله العظيم مردوخ، فالإله ذبابا هو مردوخ إله المعارك والإلة سين هو مردوخ الذي يضيء الليل، والإله هدد هو مردوخ إله المطر. لقد كان هناك إله واحد عظيم له عدة وظائف. أيضاً ظهرت الميول لعبادة الإله الواحد في سوريا وكنعان في نفس فترة القرن الرابع عشر ق.م. ولقد أُعطيت أسماء معينة للآلهة الذين كانوا يُعبدون في أماكن مختلفة، كل واحد منهم كان يُعتبر واحداً من الأشكال المختلفة للإله الواحد العظيم: فكان هناك الإله تشوب لمدينة نيريك والإله تشوب لمدينة حلب، والإله تشوب لمدينة شاموخا، ويبدو أنه في النهاية صار الإله تشوب يعتبر الإله العظيم والوحيد، الذي يظهر نفسه في أماكن عديدة.
كتب البرايت أنه جمع معلومات أثرية من كثير من الأماكن بغرض ملء الخلفية التاريخية للتوفيق بين المعتقدات الدينية المتعارضة والصراعات ضد ما أنجزه الأنبياء في مهمتهم. وبفضل لعلم الآثار فإننا نستطيع أن نرى بأكثر وضوح أن أنبياء إسرائيل لم يكونوا في الانجذاب الصوفي الوثني أو مبتدعي ديانة.
لم يستنتج البرايت فقط أن عاموس لم يكن مبتدعاً لدين، وأنه ليس أول معلم توحيد في إسرائيل، ولكن القويمي الرأي الذين يتبعون يهوه بقوا هكذا منذ موسى إلى عزرا.
ويلاحظ رايت: إننا يمكننا أن نؤكد بثقة أنه في زمن الآباء فإن الديانة في كل أجزاء الشرق الأدنى كانت قد أزالت من وقت طويل، مرحلة الاعتقاد بأن الكون وكل ما فيه له روحاً أو نفساً تنظم الكون.
ويستنتج ارشر أنها حقيقة تاريخية لا تقبل الجدل أنه لم تُطور أي أمة أخرى (بخلاف الأمم التي تأثرت بالإيمان العبراني) ديانة حقيقية لعبادة إله واحد وأمرت شعبها بأن يُخلص له. ربما تكون بعض الصور أو التماثيل قد أشارت إلى أشخاص مثل أخناتون ، فقد تكلم الآلهة بصيغة الكثرة، ولكن لا جدال أنه لا المصريين ولا البابليين ولا اليونانيين اعتنقوا الإيمان التوحيدي.
ويلاحظ أور أن عبادة الإله الواحد عند الإسرائيليين كانت من الخصائص الأولى التي نلاحظها عند دراسة العهد القديم. كان هذا عمل بطولي فذِّ في حد ذاته إذا قورن بحقيقة أن تعدد الآلهة وعبادة الأوثان كان اتجاهاً شائعاً. كانت ديانات البابليين والأشوريين والمصريين وحتى الفلسطينيين وهم جيران إسرائيل قد فُسرت وتحولت إلى عبادة آلهة كثيرة. فلم يكن الله معروفاً سوى في اليهودية.
هكذا فإن نظرية فلهوزن عن التطور من الأمور البسيطة إلى الأمور المعقدة قد صار ينظر إليها علماء الآثار باعتبارها نظرية خاطئة تماماً.
ويستنتج كيتشن:
إن المنظور من الأمور البسيطة إلى الأمور المعقدة هي فكرة خاطئة. إنها صحيحة فقط داخل حقل صغير من المراجع لفترة محددة من الوقت وليست لكل الثقافات في فترات طويلة. يعتقد البعض أن الارتفاع والسقوط الذي حدث لمصر ثلاث مرات بعد المملكة القديمة، والمملكة الوسطى والمملكة الحديثة، أو الازدهار المتوالى للحضارة السومرية، أو ثقافة بابل أو الممالك الأشورية البابلية فيما بين النهرين، ينطبق هذا التذبذب والتغير الهام على كل أوجه الحضارة، الفن والأدب والسياسة وحالة المجتمع، والاقتصاد، والمعتقد الديني.
ويكتب البرايت، إذا كان يُقصد بالذين يؤمنون بإله واحد أنهم مفكرون ولهم وجهات نظر مثل التي عند الفيلسوف فيلو أورابي افوبيا أوغسطينوس أو غيرهم كثيراً الذين امنوا بالتوحيد، الذين تكلَّم عنهم القديس بولس والقديس أُغسطينوس، فإن موسى لم يكن واحداً من الذين يؤمنون بإله واحد. من ناحية أخرى، إذا كان مصطلح الموحد (الذي يؤمن بإله واحد) يعني شخصاً يُعلِّم بوجود إله واحد فقط، خالق كل شيء، ومصدر العدل، الذي يكون قوياً في مصر، مثلما يكون قوياً في الصحراء وفي فلسطين، الذي ليس عنده أمور جنسية أو تناسلية، ولا أساطير تتصل بالآلهة وأنصاف الآلهة، وهو يتخذ شكلاً بشرياً في الهيئة، ولكن لا يمكن أن يُرى بالعين البشرية، ولا يمكن أن يُصوَّر على أي هيئة - علاوة على ذلك يكون مؤسس عبادة يهوه، فإن موسى بالتأكيد يكون موحداً.
إن الدرجة التي يُعتبر فيها موسى موحِّداً هي موضع الكثير من المناقشات البحثية على أي حال، فإن هاريسون يؤمن أن هناك القليل من التبرير لعدم وصف موسى بالموحَّد، مع أنه يجب أن نحرص أن لا نفهم أن هذا الرأي بمعنى تأملي يوناني. إنه معنى أكثر دقة للموقف ربما يُصاغ في مصطلحات مبنية على الملاحظة والاختيار للإيمان بإله واحد.
2(ب) التكيف البيئي
1(ج) الافتراض الوثائقي
هناك عملية تطور طبيعية وأحوال جغرافية هي التي أنتجت الديانة الإسرائيلية. أساساً، فإن المعتقدات الدينية قد استعارتها إسرائيل من الديانات الوثنية الموجودة حول إسرائيل.
2(ج) الإجابة الأساسية
يكتب رايت: إن إيمان إسرائيل حتى في أشكاله الأولى والأساسية كان مختلفاً تماماً عن المعاصرين الذين كانوا يؤمنون بآلهة كثيرة لدرجة أن الإنسان لا يستطيع أن يشرح هذا شرحاً من خلال تفسير نظرية التطور البيئي. مثل هذه الحجة تناقض إلى حد ما عادات التفكير والافتراضات المنهجية لكثير من الباحثين القياديين في الجيلين الأخيرين. ومع ذلك فإنه من الصعب أن نرى كيف يُبرر أي استنتاج استنتاجاً آخر بواسطة الحقائق كما نعرفها الآن من التراكم الفظيع للمعلومات بخصوص العالم الكتابي.
يلفت البرايت النظر إلى أنه من المستحيل أن الديانة الإسرائيلية يمكن أن تفسر بالقول إنها استُعيرت من الديانات المجاورة: «فأي كتاب جديد عن نقوش أو مستندات أدبية عن شمال كنعان سوف تضيف لمعرفتنا عن الخلفية الأدبية للعهد القديم. من الناحية الأخرى، فإن أي إصدار جديد للنصوص الخاصة بالأساطير الكنعانية تجعل الهوة التي بين ديانات كنعان وديانة إسرائيل واضحة المعالم. فالبيئة الجغرافية المشتركة، والكتابات المشتركة عن الثقافة واللغة المشتركة لم تكن كافية لإخماد جذوة توهج الإيمان الإسرائيلي بإله موسى أو جعل عبادة يهوه مشابهة لعبادة البعل».
فالإسرائيليون كانوا قادرين على مقاومة ضغط الحركة التوفيقية مع الديانات الوثنية التي كانت تحيط بهم.
يصف الكسندر هيدل الفروق ما بين عبادة البابليين المعاصرة لآلهة كثيرين وعبادة الإسرائيليين لإله واحد:
إن قصص الخلْق عند البابليين قد تخللتها عبادة غير ناضجة لآلهة كثيرين، إنها تتحدث ليس فقط عن أجيال متتالية من الآلهة والآلهات مثل تيمات وماردوخ كما أنهم جميعاً يحتاجون إلى تغذية جسدية.
مقابل كل هذا، فإن الأصحاحات الأولى من سفر التكوين وأيضاً كتاب العهد القديم ككل يُشير فقط إلى خالق واحد وحافظ واحد لكل الأشياء، إله واحد هو الذي خلق الكون ويسمو عليه. في كل العهد القديم لا يوجد أي أثر للمعارك التي بين الآلهة، كالتي نجدها مثلاً في Enuma وفي Hesiod، وهذا يقودنا إلى استنتاج أن البابليين لم يصلوا إلى هذا الإيمان التوحيدي.
إن خطر الفساد البيئي أشار إليه ميريل أنجر: إن الإقامة المؤقتة للآباء في وسط الذين يؤمنون بتعدد الآلهة والعرافة جعلتهم دائماً في خطر الفساد. إن الترافيم التي كانت مع راحيل ( تك
19:31). و«الآلهة الغريبة التي أمر يعقوب بنزعها من بيته» ( تك
2:35)، والتي كانت مخبأة تحت شجرة بلَّوط في شكيم ( عدد 4)، هي مؤشر للعدوى من الناس المحيطين بهم. ومع ذلك فإن الآباء كانوا متحررين من العرافة التي كانت معروفة من الشعوب الوثنية من حولهم
.
واحدة من الاختلافات الرئيسية كانت ازدواجية الديانة الوثنية في تعبيرات الجنس.
يكتب رايت: «لسبب معين ربما كان جزئياً بسبب الطبيعة التاريخية للإعلان الإلهي، فإن الإسرائيليين لم يتحدوا بقوى الطبيعة التي تُتمم بعضها البعض بواسطة الازدواجية التي كانوا يُعبِّرون عنها بمصطلحات الجنس. فبينما يتحدثون عن شخصية يهوه، وبينما الضمائر المستخدمة تكون في حالة التذكير، فليس هناك أنثى متممة له. إن ازدواجية الذكر والأنثى توجد فقط في العالم المخلوق، إنها ليست جزءاً من الله، الذي من الضروري أن يكون ليس بالذكر أو المؤنث. إن الكتب المقدسة العبرانية ليس بها أي كلمة لإلهة أنثى».
يستنتج البرايت: «ليس هذا الوقت المناسب لوصف الانهيار الكامل لآراء فلهوزن تحت تأثير معرفتنا الجديدة لآثار العصور القديمة، يكفي أن نقول إنه لا يوجد أي جدال ضد توحيد الإسرائيليين الأوائل التي سوف لا تنطبق تماماً (مع تغيرات مناسبة لدليل محدد) على اليهود بعد السبي. لا يستطيع أي شيء أن يُغيِّر الحقيقة المؤكدة الآن أن الهوة بين الديانات الإسرائيلية والكنعانيين كانت عظيمة مثل التماثل بين ثقافاتهم وأدبهم الشعري».
ويضيف رايت: «لقد تحققنا اليوم بطريقة متزايدة أن محاولة جعل كتاب العهد القديم مصدر لشرح تطور الديانة من مفاهيم بدائية لمفاهيم متقدمة جداً قد جُعلت ممكنة فقط بواسطة إساءة التفسير الراديكالي الخاطيء للكتابات الأدبية القديمة»
3(ب) الوصية الثانية (من الوصايا العشر)
1(ج) الافتراض الوثائقي
الوصية الثانية، مع أنها تُنسب لموسى، لا يمكن أن تكون جزءاً من الديانة الإسرائيلية الأولى بسبب تحريمها للصور. يرفض النَّقاد الراديكاليون أن موسى هو الذي كتبها، وكذلك يرفضون التاريخ القديم لهذه الوصية، لأنه من المعتقد أن الإسرائيليين كانوا في الحقيقة يعبدون الصور. ويقرر فلهوزن أن منع الصور كان أثناء الفترة الأكثر قِدَماً غير المعروفة تماماً
يقول فلهوزن: إن هذا هو واحد من الأسباب الرئيسية لرفض صحة كتابة موسى لها.
يكتب سميث: حتى المعتقد الأساسي في الوصية الثانية، أن يهوه لا يُعبد عن طريق الصور.. لا يمكن في ضوء التاريخ، أن تعتبر أن لها مكاناً أساسياً في ديانة إسرائيل الأولى.
2(ج) الإجابة الأساسية
أصبح من الواضح أنه، إذا كان تحريم عبادة الصور إضافة في وقت متأخر لأسفار موسى الخمسة وأن الإسرائيليين قد عبدوا الصور، حينئذ فإننا سوف نجد صوراً ليهوه.
على أي حال، فإن هذه لم تكن الحقيقة الواقعية. يسجل رايت أن الكشف عن الآثار (الحفائر) في مجدو بواسطة جامعة شيكاغو قد فشلت أن تكتشف صوراً ليهوه. «لقد أزيلت كميات هائلة من الأنقاض من الخمس مستويات للمدينة (كلها إسرائيلية)، ولم يوجد ولا مثال واحد بقدر ما يعلِّم هذا الكاتب».
ويستمر رايت:
لا توجد أي صورة لله ذُكرت في عبادة الآباء، ولا مرتبطة بخيمة الاجتماع التي استخدمت كالمزار الرئيسي للأسباط، أو بهيكل سليمان. من الناحية الأخرى، نحن نعلم من علم الآثار أن الإسرائيليين كان عندهم نقوش أو تماثيل لإله الخصب الكنعاني والإلهة الأم بأعداد كبيرة.
ويبين هذا انتشار التوفيق بين المعتقدات الدينية المتعارضة التي استمرت في إسرائيل في وقت مبكر، كما تشهد الكتابات الأدبية بكل وضوح. وعندما استقر الأراميون في أرض كنعان، فإنهم تبنَّوا العادات الكنعانية. وعندما استقر الأموريون في بلاد ما بين النهرين، فإنهم تبنَّوا الديانة السومرية، وكيَّفوا ديانتهم عليها. وبالمثل، فإن شعب إسرائيل كان أمامهم إغراء تبنَّي عادات البيئة التي يعيشون فيها. إلا أنه في الكمية الهائلة من الحفائر التي حُصرت في المدن الإسرائيلية لا توجد بعد صورة لإله ذكر قد تم اكتشافها.
إن الكثير من سوء الفهم يكون نتيجة الفشل في التمييز ما بين «العقائد الرسمية» لديانة إسرائيل و«الممارسات الفعلية» لبعض من عامة الناس.
ويستنتج رايت أن «الدليل واضح تماماً أن منع صور يهوه كان ثابتاً في إسرائيل من العصور الأولى، لدرجة أن غير المنفتحين والمتساهلين فهموا أن يهوه لا يمكن أن يُكرِّم بهذه الطريقة.
ويُضيف: إن الصفة الأساسية للوصية الثانية وقِدَمها جعلها تتلقى دعماً قوياً على قدر ما تستطيع الآثار أن تقدمه لها.
4(ب) المستوى الأخلاقي
1(ج) الافتراض الوثائقي
إن الشرائع واللهجة الأخلاقية وكذلك المستوى الاجتماعي الذي ينسب لموسى يبدو متعاظماً للغاية بحيث يستبعد أن يتواجد في تلك المرحلة المبكرة جداً من تطور إسرائيل.
2(ج) الإجابة الأساسية
إن مختلف الاكتشافات الأثرية أحبطت استمرار هذا الافتراض. يكتب ميلر باروز: إن المستويات التي أُعلنت بواسطة مجموعة الشرائع والقوانين القديمة للبابليين والأشوريين والحثيين، وأيضاً المُثل العليا الموجودة في كتاب الموتى المصري، وأدب حكمة المصريين قد صححت هذا الافتراض.
عندما نتحدث عن الإسرائيليات، عن دخول كنعان، وعن العبادة الوثنية التي واجهتها إسرائيل، فإن ألبرايت يقول إن مجموعة الأساطير الفاضحة المتصلة بالآلهة والعبادة «حل محلها بواسطة إسرائيل بساطة القوم المرتحلين ونقاء الحياة والتوحيد ومجموعة الشرائع أخلاقية».
5(ب) التشريعات الكهنوتية
1(ج) الافتراض الوثائقي
يكتب فايفر: «إن الشرائع الكهنوتية مثل كل تشريع، على الرغم من افتراض قدمها وخلفيتها الموسوية، فإنها تحمل العلامة المميزة لعصرها وهو النصف الأول من الفترة الفارسية (538-331 ق.م).
ويشرح چوزيف فري في كتاب «علم الآثار والنقد العالي» الموقف بطريقة أشمل عندما يقول إن نصَّاً آخر من المفترض أنه الأجزاء الأخيرة من أسفار موسى الخمسة هو سجل بشرائع تقديم الذبائح في سفر اللاويين، تُنسب إلى الوثيقة(P) ... فإذا كان معظم أسفار موسى الخمسة تُنسب إلى الوثيقة P، يكون تاريخها 500 ق.م. إذن فإن القول بأن الأسفار الخمسة تُنسب لموسى، لابد أن يكون باطلاً.
وعلى العكس، فإن البرهان الأثري يتبين أنه لا يوجد سبب مُلزم بأن تُرجع شرائع تقديم الذبائح في سفر اللاويين إلى وقت متأخر، لأنها ظهرت في الكتابات الأوجاريتية القرن الرابع عشر ق.م.
2(ج) الإجابة الأساسية
1(د) وجود الإسرائيلين في مصر
من الواضح أن الشكوك التي تثار بشأن التاريخ القديم تنشأ من الاعتقاد أن الإسرائيليين كانوا ببساطة بدائيين في أيام موسى لدرجة أنهم لا يستطيعون أن يكتبوا مثل هذا القانون. لكن أرشر لا يتفق معهم ويقول: «من الصعب أن نقول إن الإسرائيليين كانوا بدائيين على أن يُحكموا بواسطة تشريعات مثل هذه التي كانت في زمن موسى، إذ أنه بحسب سجلهم الواضح، أنهم كانوا يعيشون وسط واحدة من أكثر الحضارات تقدماً في الأزمنة القديمة لأكثر من أربعمائة سنة، ومن الطبيعي أنهم فكروا في آراء متقدمة أكثر من مجموعة الشرائع التي كانت عند القبائل الفطرية في الصحراء.
2(د) شريعة حمو رابي
أيضاً يبدو أن النصف الآخر من الشك يأتي من الاعتقاد أنه لا تستطيع أي حضارة بدائية أن تكتب مثل هذه الشرائع التي عندنا اليوم. يتعامل فري في كتابه «علم الآثار وتاريخ الإنجيل» مع القضية هكذا: «على أي حال فإن الاكتشافات الأثرية أظهرت القوانين الموجودة في الناموس المذكورة في سفر التثنية، وبقية أسفار موسى الخمسة، لا يمكن أن يرجع تاريخها إلى وقت متأخر تبعاً لافتراض مدرسة الشك. إن مجموعة قوانين حمورابي (كُتبت في الفترة ما بين 2000-1700 ق.م). اكتُشفت بواسطة بعثة آثار فرنسية عام 1901-1902 في موقع صوصة Susa القديمة، إلى الشرق من منطقة ما بين النهرين. ولقد كُتبت مجموعة القوانين هذه على قطعة من الصخر البركاني الأسود، وكان ارتفاعها تقريباً ثماني أقدام وتحتوي على 82 فصلاً تشمل تشريعات حمورابي ملك بابل، الذي عاش في 2000-1700 ق.م... ولقد اعتقد بعض النقَّاد أن قوانين موسى (الناموس) 1500- 1400ق.م. كانت متقدمة عن أيامه ونسبوها إلى فترة بعد ذلك 400-800 ق.م. ولكن إن اكتشاف شريعة حمورابي التي تسبق موسى بعدة قرون، تجيب على هذا الاعتراض.
3(ج) الافتراض المضاد
لسوء الحظ فإن هذا أدى إلى افتراض شيء آخر عمله علماء الوثائق:
يستمر فري قائلا:ً« حينئذ اُقترح أن موسى اقتبس قوانينه من شريعة حمورابي. إن مقارنة هاتين المجموعتين من القوانين التي كان بينهما فترة من الزمن أقنعت معظم النقَّاد أن هناك اختلافات أساسية، وأن قوانين العهد القديم لم تعتمد بطريقة أساسية على القوانين البابلية.
يشرح سايس القضية التي أمامنا: «إن عالماً ألمانياً في تاريخ الأشوريين ولغتهم كان في ألم عظيم عندما أكتشف التشابه بين مجموعة شرائع حمورابي وشرائع موسى (الناموس)، واستنتج من هذا العلاقة بينهما، وأن هناك حالات يكون فيها التشابه مذهلاً.
يكتب ميريل انجر: مرة أخرى، إن وجهات نظر النقد العالى تنسب هذه القوانين إلى القرن التاسع، أو الثامن أو السابع ق.م، أو حتى في وقت بعد ذلك، قد روجعت ورفضت تماماً. من ناحية أخرى، فإن اكتشاف الكتابات القانونية في العهد القديم أدت إلى تبنِّي وجهة نظر خاطئة أن التشريع العبراني ليس سوى مجرد مختارات من القانون البابلي.
4(ج) إجابات أخرى
1(د) تناقض التشريعات
يشرح أرشر أنه يجب أن يكون مفهوماً أن الاختلافات بين التوراة وشريعة حمورابي مذهلة أكثر من تشابههما، وأن الاختلافات تنتج من المجموعة النظامية من المفاهيم في موضوع الحياة أو الثقافة البشرية التي تتقيد بها كل واحدة من هاتين الثقافتين.
ومن ناحية أخرى: فإن الشريعة البابلية تزعم أن حمورابي تلقاها من إله الشمس. وموسى تلقي قوانينه (الناموس) من الله.
بالرغم من ادِّعاء حامورابي أنه تلقى قوانينه من إله الشمس فإنها تأخذ سمعتها من المقدمة والخاتمة، فهو وليس إله الشمس الذي أسس النظام والعدالة في كل الأرض، وعلى العكس من ذلك، فإن موسى كان مجرد أداة، فالتشريعات تقول: «هكذا يقول يهوه».
علاوة على ذلك، «فإن القوانين العبرانية وضعت قيمة أكبر على الحياة البشرية، واهتماماً أكبر لتكريم المرأة، ومعاملة آدمية للعبيد، فضلاً عن ذلك فإن مجموعة القوانين البابلية لا يوجد بها شيء يتماثل مع ذلك الخيط الذهبي الموجود في التشريع الموسوي - حب الله وحب الجار ( متى
37:22-40).
واستمر انجر فيقول إن قوانين حمورابي تتكيف مع حضارة الري وزرع الأرض، ومع التجارة في المجتمع المدني (منسوب إلى المدينة) في أرض ما بين النهرين. ومن ناحية أخرى فإن وصايا موسى تناسب شعباً تقوم حياته على الزراعة والرعي في أرض جافة مثل فلسطين، التي هي أقل تقدماً في التطور الاجتماعي والتجاري، ولكنهم واعون في كل مراحل حياتهم على دعوتهم الإلهية».
وأخيرا،ً تحتوي مجموعة القوانين العبرية الكثير من الوصايا والطقوس الدينية، أما مجموعة قوانين حمورابي فهي قوانين مدنية. على أي حال فإن النواميس الكهنوتية في سفر اللاويين تحتوي على كثير من نقط التلامس مع الطقوس الكهنوتية في غرب آسيا سواء في كنعان أو فينيقية أو في ما بين النهرين».
يجد فري عدم وجود ارتباط حقيقي بين القوانين الموسوية (الناموس) وقوانين حمورابي. مثل هذه المعلومة قالها بارتون وهو أستاذ ليبرالي في جامعة بنسلفانيا، الذي قال «إن المقارنة بين مجموعة قوانين حمورابي ككل مع شرائع أسفار موسى الخمسة ككل في حين أنها تكشف لنا تشابهات معينة، فإنها تقنع الدارس أن قوانين العهد القديم لا تعتمد مطلقاً على القوانين البابلية، التي تحتوي على قوانين خاصة بالجنود، وجامعي الضرائب، وتجار الخمور.
ويتوصل سايس وهو عالم متخصص في الحضارة الأشورية إلى أن الاختلاف بين التشريعيين فيما يتعلق بتجار الخمور على وجه التحديد هو سمة مميزة للاختلاف الذي يظهر في كثير من الأمور بينهما، كما يجعل التباين بينهما أكبر بكثير وأكثر حدة من أي اتفاق يمكن أن يشار إليه.
2(د) اكتشافات أجاريت (رأس شامرا)
يبدو أن هذا الجزء يبين الدليل الوحيد المتاح عن شريعة حمورابي، فإنها لا تتشابه مع قوانين (ناموس) موسى. فإن الشريعة الكهنوتية الموجودة في سفر اللاويين تشبه شريعة أخرى اكتشفتها الأبحاث الأثرية.
يلفت چوزيف فري نظرنا أن «حقيقة أن ألواح رأس شامرا (رأس شامرا هي مدينة كنعانية تقع على الشاطيء السوري الفلسطيني.مقابل طرف جزيرة قبرص)، يرجع تاريخها إلى حوالي 1400 ق.م. وقد سجلت عدة قوانين تشبه القوانين (الناموس) الموجودة في سفر اللاويين، وهي تبين أن النقاد غير المحافظين ليس لهم الحق في إنكار إمكانية وجود مثل هذه المجموعة من القوانين عن تقديم الذبائح منذ وقت موسى.
يذهب ميلر باوز في كتابه «ماذا تعني هذه الأحجار؟» فيشرح أن النصوص الموجودة في رأس شامرا تسمي أنواعاً كثيرة من الذبائح الحيوانية، شاملة بعض الذبائح التي كانت تستخدم أيضاً في العبادة اليهودية، وبعض الذبائح التي أبطلت بواسطة شريعة العهد القديم (الناموس). إن العديد من المصطلحات التي استخدمت في كتاب العهد القديم العبراني لأجل أنواع مختلفة من التقدمات ظهرت أيضاً في ألواح رأس شامرا، مثال ذلك: ذبيحة المحرقة، الذبيحة التي تُحرق كلها، ذبيحة الخطية، وذبيحة السلامة.
أليست الذبائح المشتركة تعني أن موسى استخدم ألواح رأس شامرا كمصدر لها؟ يستنتج فري: «نحن نعتقد أن هناك على الأقل إجابتان ممكنتان. في المقام الأولى، أنها ربما انتشرت من إسرائيل في الوقت الذي أوصى بها لموسى (حوالي 1450 ق.م) وأصبحت من ممارسات الكنعانيين والشعب في سوريا، لأنها قد ظهرت في ألواح رأس شامرا (1400-1350 ق.م)، الإجابة الثانية الممكنة هي أن الشريعة (الناموس) والوضع الشرعي الذي كشفه الرب في وقت أكثر قِدَماً «وفيما بعد أعطى لموسى» قد سُلِّم وانتشر بين شعوب مختلفة، وظهرت في شكل مُعدَّل، وغالباً ما يكون مُحرَّفاً بين هؤلاء الناس كقوانين رأس شامرا».
3(د) شريعة (ليبيت - عشتار) Lipit-Ishtar
بالاختصار، فإن شريعة(ليبيت - عشتار) Lipit Ishtar هي اكتشاف آخر. يشرح فرانسيس ستك في (الصحيفة الأمريكية لعلم الآثار)، إن أهميتها لا يمكن أن يُغالي في توكيدها، فاكتشافها يُطيل تاريخ القانون المُصنَّف حوالي قرنين. وهكذا فإنها تمهد الطريق لدراسة القانون المقارن الذي عمره أربعة آلاف سنة تقريباً
.
4(د) شريعة Eshnunna
نفس الشيء يمكن أن يقال لشريعة Eshnunna في فترة بابل القديمة (1830-1550 ق.م). يبدو أن حمورابي أدمج بعضاً من مجموعة القوانين هذه في مجموعته. ولقد وُجد لوحان في عام 1945 قرب بغداد تحتوي على هذه القوانين القديمة.
ولقد لفت يارون أنظارنا أن علم الآثار يؤكد أن هذه الألواح لا يمكن أن يرجع تاريخها بعد حكم الملك Dadusha. إن السنة الأخيرة من حكمه، تكون في السنة السابعة من حمورابي. على أي حال فإن علم الآثار لا يستطيع أن يعطي تاريخاً لتأليفها. إن التاريخ الذي أعطى لمجموعة قوانين Eshnunna هو حوالي 200 سنة قبل حمورابي.
لقد سقطت مملكة Eshnunna فريسة السياسات التوسعية التي اتبعها بنجاح حمورابي ملك بابل أثناء العقد الرابع من حكمه.
إن اكتشاف اللوحين المذكورين سابقاً يُضيف دليلاً إضافياً أن مجموعة قوانين حمورابي لم تكن المصدر الوحيد للقانون في العصور الأولى.
قوانين Eshnunna تحوي على مجموعة القوانين التي كُتبت في القرن العشرين ق.م باللغة الأكادية، تحتوي على 60 فقرة عن القانون الخاص بالتعامل مع أشياء مثل أسعار السلع، أجرة العربات والقوارب، أجور العمال، الزواج، الطلاق، الزنى، اغتصاب المرأة، والاعتداء على الأخرين، ووضع مسئولية الثور الذي ينطح إنساناً، والكلب المسعور الذي يعض إنسان.
6(ب) تعليقات إضافية
يكتب ألبرايت أن وجهة نظر فلهوزن عتيقة للغاية وإن تصوره عن التطورات الأولى لإسرائيل كانت مع الأسف محرَّفة.
يتحدث رايت عن البرايت فيقول إنه «جمع الحقائق الأثرية أثناء فحصه عن خلفية الكتاب المقدس في العالم لكي يُبيِّن فكرة فلهوزن التطورية التي أخذها من فلسفة هيجل المثالية، إن هذه الحقائق لم تعد تناسب الحقائق كما هي معروفة الآن.
كتبت إيرا مايوريس بريس في كتابها «الآثار والعهد القديم»، إن وجهات النظر التي تنتقد منشأ كثير من التشريعات التي تُنسب لموسى تضعها في القرون التاسع والثامن والسابع وحتى بعدها ق.م. إن وجهات النظر هذه يجب أن لا تُعدَّل فقط ولكن يجب أن تُرفض تماماً في بعض الحالات.
يستنتج لاجرانج (وهو باحث انغمس في الدراسة الكتابية مع البحث في الآثار في أورشليم لمدة أربعين عاماً). إن حقيقة العمل التاريخي الذي عمله فلهوزن هو أكثر من حل وسط، فالتطور الذي يبدأ بالتقديس الأعمى للأرواح الخرافية ثم عبادة رب واحد مع الإيمان بوجود آلهة أخرى، وبعد ذلك الإيمان بإله واحد (التوحيد)، في عبادة ساذجة غير تامة النمو إلى مؤسسات اجتماعية وكهنوتية معقدة، لا يمكنها أن تتلائم مع الحقائق التي اكتشفت بواسطة الاكتشافات الحديثة.
من أين أتى الدليل الأثري؟ كتب چورچ مندنهال متحدثاً عن الحفريات التي قادت علماء الآثار إلى النتائج السابقة:
كانت نقطة البداية هي تقديم الدليل الجديد من رأس شامرا وماري التي أبعدت من عالم الاحتمال نظريات معينة عن قصص الآباء تلك التي كانت قد كُتبت من قبل، والتي مع الكثير من التفاصيل من مصادر أخرى قد نادت بنظرية جديدة لتناسب الدليل الجديد.. فإذا كان هؤلاء الذين اخترعوا الأسباط الاثنى عشر في إسرائيل كان من بينهم البعض الذين كانت لهم علاقات مع حضارة ما بين النهرين، إذن فهم عاشوا عدة قرون في أرض محاطة بالتعقيد الموجود في معظم أنحاء العالم المليء بالكثير من الثقافات. ثم تبع هذا أن ظهروا بمظهر البرابرة الذين لا ثقافة لهم ولا تقاليد لهم. يتبع هذا أن المراحل الأولى من ديانة إسرائيل لم تكن بدائية كما اعتقد بعض الدارسين والذين قام اعتقادهم هذا ليس على أساس الدليل والبرهان، ولكن على أساس النظرية السابقة عن كيف يجب أن تتطور الديانة.
لذلك فإن البرايت قد علَّم:
إن التاريخ ليس سجلاً لأحداث لا معنى لها تحدث بالصدفة، أو حتى سلسلة من الأحداث المرتبطة ببعضها. إنه نسيج معقد من نماذج تتفاعل مع بعضها كل واحد منها له تركيبته الخاصة، مهما كانت هذه التركيبة صعبة في تحليلها. وعلاوة على ذلك فإن النسيج نفسه يتغير على الدوام، وبواسطة مقارنة الحالات المتتابعة التي تراها أعين المؤرخين المدربة، فإننا نستطيع أن نخمِّن الاتجاه الذي يسير فيه هذا التاريخ - وبكلمات أخرى تطور التاريخ، لهذا السبب فإن طريقة فلهوزن الهيجيلية تكون غير ملائمة تماماً لكي تصير المفتاح العام الذي به يستطيع الدارسون أن يدخلوا إلى قدس أقداس الديانة الإسرائيلية ويحصلوا على فهمٍ كافِ لها.
ويبدو أن استنتاج البرايت قد اتخذه بشكل قاطع فهو يقول: «في ضوء الشرق القديم لا يوجد شيء يبدو أكثر زيفاً ومتعارضاً مع القياس التمثيلي من التطور المسلَّم به عن الديانة اليهودية داخل حدود الزمن والظروف المسموح بها بواسطة مدرسة فلهوزن».
7(ب) المعاني المتضمنة
هذه الاستنتاجات تضعف بطريقة خطيرة مكانة الافتراض الوثائقي في هيئته القديمة وفي حالته الحالية من التغيير المتواصل، طالما أن التحليل السائد لأسفار موسى الخمسة يكون معظم أجزائه مبنياً على نظرية الوثائق القديمة.
إن استنتاج كيتشن له ما يبرره مثل هذا التطور الممتد، أن الافتراض لا أساس له من الصحة. فليس هناك سبب منطقي لتحديد تاريخ أي قطع أدبية على المستوى التخيلي لآرائهم على أساس مقياس لمدى تطور الحالة الدينية من البدائية إلى التحضر.
4(أ) لا توجد كتابة في زمن موسى (حوالي 1500- 1400 ق.م)
1(ب) الافتراض الوثائقي
لم تكن الكتابة معروفة فعلياً في إسرائيل في زمن موسى، وتبعاً لهذا فإن موسى لم يكن يستطيع أن يكتب أسفاره الخمسة.
قال فلهوزن نفسه: بكل تأكيد لم تكن إسرائيل في الزمن القديم بدون أسس معطاة من الله لتنظيم حياة الإنسان، غير أن هذه الأسس لم تكن قد نسخت بالكتابة.
ويقرر شولتز في عام 1893 في كتابه «لاهوت العهد القديم»: عن الطبيعة الأسطورية عند القصَّاصين قبل زمن موسى، الوقت الذي لم يكن فيه أي دليل كاف. كان زمن قبل معرفة الكتابة، زمن انفصل عن بقية الأزمنة بأكثر من أربعمائة عام. لم يكن هناك أي تاريخ حتى عن أقرب فترة كانت إسرائيل فيها تذكر بعض الأمور التاريخية الغامضة، في الوقت الذي كانت هناك كتابة في البلاد المتحضرة تُستخدم في الأمور الأكثر أهمية في الدولة. في ذلك الوقت كان الرعاة المتجولون يكرهون الكتابة. وفي الحقيقة فإنه في ذلك الوقت كان الكثير من القبائل البدوية في شبه جزيرة سيناء يعتبرون القدرة على الكتابة عاراً.
لذلك كان من المستحيل أن مثل هؤلاء الرجال أن يكتبوا تاريخ عائلاتهم، كان هذا غير مهم بالنسبة لهم. وحتى عندما بدأ استخدام الكتابة في وقت ما بين موسى وداود فإن استخدام الكتابة كان ضئيلاً، ولابد أن كثيراً من الذي حدث للناس كانوا يكتبونه كأسطورة.
كان هناك سبب كافٍ لأن نعتقد أنه في زمن موسى كانت اللغة تستخدم كأداة نقل التعبيرات الأدبية، ومن المحتمل جداً أن يكون هذا قد استمر لعدة قرون. بخصوص هذه النقطة يؤكد درايفر: «لا ننكر أن الآباء كان لديهم فن الكتابة»، ولكن استخدام الوثائق من عصر الآباء هو مجرد فرضية لم يتم التأكد بعد من مدى صحتها.
وعندما يتحدث أور عن الفرضيات فإنه يذكِّرنا أن وجهة نظر النقد نفسها مبنية على الافتراض. إن قيمة الافتراض يكون في الدرجة التي بها يشرح الحقائق، وفي صمت سفر التكوين، فإننا نستطيع أن نستنبط فقط من الاحتمالات العامة. ولكن الاحتمالات التي نستمدها من التقاليد، ومن الكتابات الخاصة بالآثار كانت جزءاً لا يتجزأ من هذا السفر هي احتمالات قوية. ونحن نعتقد أن اليهود حتى في عصر الآباء كانوا يعرفون إلى حد ما الكتب والكتابة. فإذا كان الأمر هكذا، فإننا نعتقد أنه في فترة مبكرة من الزمن، في مصر في زمن يوسف إن لم يكن قبله، تم إجراء محاولات لتسجيل أمور بواسطة الكتابة.
عندما كان يُعتقد أن بدايات إسرائيل يرجع تاريخها إلى فجر الحضارة، فإن الوضع في هذه الحالة يكون أكثر ملاءمة للدفاع عن فكرة عدم معرفة اليهود للكتابة. وبالمثل يكون من الجدير بالتقدير عندما نشك كذلك في قدرتهم على التعبير عن مثل هذه الأفكار السامية في ناموس موسى أو مزامير داود.
2(ب) الإجابة الأساسية
1(ج) التطور والمناخ الثقافي
يُقيِّم عالم الأشوريات الإنجليزي سايس هذه النظرية عن تاريخ الكتابة المتأخر فيقول:
هذا التأخير المفترض لاستخدام الكتابة للأغراض الأدبية كانت مجرد افتراض، فلا يوجد شيء صلب نستقر عليه أكثر من نظريات النقَّاد وافتراضاتهم المسبقة، والتي حالما تُختبر بواسطة حقيقة صلبة فإنها تتحول إلى غبار. أظهر علماء المصريات وبعد ذلك علماء الأشوريات أن فن الكتابة في الشرق القديم ليس من نتاج التطور الحديث، فقد كان قديماً جداً، وأن القوتين العظمتين اللتين قسَّمتا العالم المتحضر بينهما كانتا على نحو مؤكد من الكتبة والقراء. ومن قرون قبل أن يُولد إبراهيم كانت مصر وبابل مملوئتين بالمدارس والمكتبات، بالمدرسين والتلاميذ، بالشعراء وبالذين يكتبون النثر وبالأعمال الأدبية التي ألَّفوها.
ويستشهد سايس بكريت كمثال آخر:
لقد وجد ايفونس دليلاً على كتابات من عصر ما قبل موسى في كريت. ليس فقط مصر وبابل اللتان كتبتا بالهيروغليفية والمسمارية، ولكن كريت كان عندها أربعة أنظمة للكتابة مثل الكتابة بالصور والرموز وغيرها.
يقول البرايت متحدثاً عن أنظمة الكتابة المختلفة التي كانت موجودة في الشرق القديم حتى أثناء عصر الآباء الذين كانوا قبل موسى:
ربما يُقال إن الكتابة كانت معروفة جيداً في فلسطين وسوريا في عصر الآباء (العصر البرونزي الأوسط 2100-1500 ق.م). فليس أقلّ من خمسة طرق للكتابة معروف أنها كانت مستخدمة: الهيروغليفية في مصر التي كانت مستخدمة لأسماء الأشخاص والأماكن بواسطة الكنعانيين، والمسمارية في الحضارة الأكادية، وكتابة الفينيقيين، والكتابة بالصور. وهذا يعني أن التقاليد التاريخية اليهودية كانت لا تحتاج أن تُنقل بواسطة الطرق الشفوية فقط
ويستنتج چوردن وهو أستاذ سابق للدراسات الشرقية أن: الحفريات في أوجاريت قد كشفت ثقافة أدبية في كنعان قبل هجرة اليهود إليها، لقد تطور جداً النثر والشعر في ذلك الوقت. وكان النظام التعليمي متقدماً لدرجة أن قواميس بأربع لغات قد تألفت لاستخدام الكتبة، وتُرجمت الكلمات للغة أوجاريت وبابل وسومر والفنيقيين. ولقد تأصلت بدايات إسرائيل في كنعان ذات الثقافة العالية حيث اسهامات عدة شعوب موهوبة (بما فيهم شعوب ما بين النهرين والمصريين وفروع من الهنود الأوربيين) حيث تجمعت واختلطت مع بعضها البعض. إن الفكرة العامة التي تقول إن الديانة والمجتمع الإسرائيلي القديم كانت بدائية هي فكرة خاطئة تماماً. كانت كنعان في أيام الآباء هي محور ثقافة دولية عظيمة، والكتاب المقدس الذي كان يُنادي به في ذلك الوقت وفي هذا المكان لم يكن مجرداً من مصادره. ولكن دعنا ندرس هذه المصادر بأن نأخذ الكتاب المقدس بحسب عباراته وخلفياته.
إن الدليل الأثري يُستخدم ليس فقط لكي يدحض نظريات النقَّاد القدماء ولكن يُستخدم أيضاً كدليل إيجابي يؤيد احتمال أن موسى احتفظ بسجلات مكتوبة.
ولقد عمل سايس استنتاجاً رائعاً: إن بابل في زمن إبراهيم كانت بلداً متعلمة جداً ربما تزيد عن إنجلترا في عصر چورچ الثالث
.
لماذا استطاع علماء الآثار أن يستلهموا هذه الأحكام من الاكتشافات الأثرية تبرز لمثل هذه الاستنتاجات، وفيما يلي سوف ننظر إلى أربعة منها:
2(ج) أوجاريت (رأس شامرا)
يشرح البرايت اكتشافات أوجاريت. إن الكتابة المسمارية هناك هي نظام له علاقة بسكان سوريا - فلسطين اكتشفت عام 1929 في الساحل الشمالي لسوريا. إن المستودع الدائم للألواح التي عليها هذه الكتابة كان في أوجاريت ورأس شامرا. هذه النقوش التي يرجع تاريخها إلى 1400 ق.م، مع أن الحروف الأبجدية لها من المحتمل أن تكون أقدم بكثير.
يكتب ألبرايت:
من الصعب أن نبالغ في أهمية الألواح التي عليها الحروف
الأبجدية الكنعانية التي وُجدت في أوجاريت في شمال كنعان. بفضل
هذه الألواح، فإن عندنا الآن كمية كبيرة من النصوص من زمن موسى
(القرن الرابع عشر والقرن الثالث عشر ق.م). كان جزءاً منها
مكتوباً نثراً باللهجة العامية في ذلك الوقت، ولكن معظمها
مكتوب شعراً يتمشى تماماً مع اللغة الشعرية العبرية القديمة
مثل ترنيمة مريم (أخت موسى في القرن الثالث عشر ق.م) وابن
دبوره (القرن الثاني عشر ق.م)، وأيضاً لكثير من المزامير
القديمة. لقد وسَّعت معرفتنا بدرجة كبيرة عن الكلمات الكتابية
العبرية وأيضاً عن قواعد اللغة.
3(ج) الخطابات المصرية
لاحظ سايس أن مصر كانت أمة مثقفة. أثناء حكم إخناتون (أو أمنحوتب الرابع، الذي حاول أن يُغيِّر النظام الديني كله في مصر من حوالي 1375-1358 ق.م). كانت هناك كميات كبيرة من الرسائل تُسمى رسائل تل العمارنة، تم تبادلها بين مصر وسوريا وفلسطين وبابل. ولقد أكتشف كثير من هذه الرسائل في تل العمارنة منذ 1887، إن هذه الرسائل لم تبين فقط الكتابة التي كانت مستخدمة في ذلك الوقت، ولكن الأكثر من ذلك أنها لم تكن باللغة الهيروغليفية ولكنها كانت باللغة المسمارية التي كانت لبابل. وهذا بيَّن أن هناك اتصالاً وثيقاً بين البلدين لدرجة أنه ظهرت لغة دبلوماسية كانت مستخدمة في ذلك الوقت. كان فن الكتابة مترسخاً في هذا الوقت.
4(جـ) نقوش جبل سيناء
يشرح هورن اكتشافاً آخر: في عام 1917 اكتشف ألان جادينر وهو عالم مشهور في علم المصريات أول شفرة للنقوش السامية البدائية التي وُجدت في جبل سيناء. وكانت هذه النقوش المكتوبة بالصور بواسطة الكنعانيين قبل منتصف الألفية الثانية ق.م. تبرهن أن الحروف الأبجدية كانت موجودة قبل زمن موسى.
5(ج) تقويم Gezer
إن تقويم Gezer المكتوب في عام 925 ق.م. من الواضح أنه تدريب قام به طفل. إنه يبرهن أن الكتابة قد ترسخت في المجتمع في ذلك الوقت إلى الحد أنها كانت تُدرّس للأطفال.
انظر إلى الآية الموجودة في سفر القضاة
14:8، حيث أن غلاماً اختاروه عشوائياً من مدينة سُكَّوت كان قادراً أن «يُسجل لجدعون أسماء سبعة وسبعين شيخاً».
ويُبين البرايت أهمية هذه الكتابة السامية: «إن أقدم نقش إسرائيلي هام هو تقويم Gezer،
هو لوح ولد صغيراً في المدرسة مصنوعاً من الحجر الجيري الناعم،
عليه حُفر النصّ، وهو عبارة عن قصيدة مُعدَّة للغناء لإعطاء
الأوامر بواسطة رئيس العمليات الزراعية طوال السنة. وتاريخ هذا
اللوح هو آخر القرن العاشر ق.م.
6(ج) خلاصة: نقد موجه للنقاد
إن نقطة الخلاف هذه تُشِّكل قلقاً وإزعاجاً للذين يميلون إلى الشك بخصوص تاريخ الكتاب المقدس. لقد قال سايس هذا عندما أكَّد: أنه في عام 1862 انكر سير جورج لويس أن موسى كتب التوراة، وفي عام 1871 أعلن بروفيسور نولدك وهو باحث بارز في اللغة السامية أن نتائج العلم بتاريخ الأشوريين ولغتهم أنتج جواً كبيراً من الشك. لقد كانت نظرية غير موضوعية في مقابل حقيقة موضوعية، وتبعاً لطريقة النقد العادية فإن الحقيقة تنهار أمام النظرية.
عندئذ قرر أن موسى ليس فقط كتب أسفاره الخمسة، ولكن أيضاً يكون من الصعب لو لم يكن هو كاتبها.
كان ينظر في السابق إلى إسرائيل كشعب ينتمي إلى فجر التاريخ المظلم في فترة عندما كانت الحضارة لم تبدأ بعد، عدا في مصر. حينئذ كان من الممكن أن نجادل أن فن الكتابة لم يكن موجوداً بين العبرانيين، وأنهم لم يكن عندهم القدرة لكتابة الأفكار الدينية العالية التي يُلمِّح لها الذين كانوا يحكون تاريخهم القديم. فموسى لا يستطيع أن يعطي الناموس، وداود لا يستطيع أن يكتب المزامير التي يصورها التاريخ لهم. هذا الخلاف يعد الآن مستحيلاً باكتشاف نور الحضارة غير العادي الذي أضاء وادي دجلة والفرات، ووادي النيل، منذ آلاف السنين قبل أن يغادر إبراهيم أور الكلدانيين وقبل أن يقود موسى شعبه ويخرجهم من مصر. إن تحوُّل هذا الرأي كان ثورياً بالفعل.
5(أ) الرؤية الأسطورية لروايات الآباء
1(ب) الافتراض الوثائقي
إن مسألة كون الروايات بشأن إبراهيم تاريخية وليست أسطورية كانت ساحة معركة بين الإيمان والشك. ومن الصعب أن تبقى على الحياد في هذه المسألة إذا كنا نعتبر أن الكتاب المقدس مهم للجنس البشري اليوم. ويُبين ميريل انجر في كتابه «علم الاثار وكتاب العهد القديم»: «إن صورة إبراهيم وهو يظهر للعيان من عالم ما بين النهرين القديم، ويأخذ على عاتقه دوراً له مثل هذه الأهمية في تاريخ الفداء عندما أطاع الله وقدم ابنه إسحق لدرجة أنه حتى موسى الذي أعتق إسرائيل من العبودية وأعطاهم الناموس لم يصل إلى مستواه. ففي كل العهد القديم وفي العهد الجديد يقف اسم إبراهيم كرجل الإيمان (رومية
4:1-25).
لهذا السبب نستطيع أن نرجع إلى أرشر في كتابه «نظرة شاملة على مقدمة العهد القديم» لكي نُعبِّر بكلمات مناسبة على هذا الادِّعاء والزعم. إنه يشرح أن علماء الوثائق يعتقدون أن « روايات سفر التكوين بما فيها من سيرة إبراهيم وذريته لا يمكن الوثوق بها وهي دائماً غير تاريخية. ولقد ذهب نولدك إلى ما هو أكثر من ذلك عندما أنكر الوجود التاريخي لإبراهيم تماماً.
يكتب فلهوزن: «من المستحيل أن نحصل من قصص الآباء على أي معلومات تاريخية عن الآباء، ونستنتج شيئاً ما عن الزمن الذي فيه قيلت لأول مرة قصصاً عنهم بواسطة الشعب الإسرائيلي. فهذه الفترة كانت مثل السراب».
لقد رأى فلهوزن إبراهيم كإبداع حر نتج عن فن أدبي لاواعي.
يقول هرمان شولتز:
بالإيجاز يمكن أن نقول إن: سفر التكوين هو كتاب عن الأسطورة المقدسة، له مقدمة خيالية. أول ثلاثة أصحاحات منه على الخصوص، تقدم لنا رؤية أساطير من النوع المهم جداً، والثماني أصحاحات التالية بها نقاط أسطورية. من إبراهيم إلى موسى عندنا اسطورة قومية خالصة وبسيطة مختلطة بمختلف النقاط الأسطورية التي أصبحت غير مدركة. ومن موسى إلى داود عندنا تاريخ لايزال مختلطاً بكمية كبيرة من الأساطير، ومن داود وما بعده لدينا تاريخ ليس به نقاط أسطورية أكثر من التاريخ الذي كتبه القدماء.
وأخيراً فإن روبرت فايفر يقول: «إن التمييز الشديد بين القصة والتاريخ وحقيقة أو خيال، هو شيء لا معنى له حينما يطبّق على قصص العهد القديم في الكتاب المقدس، التي توضح التدرج بين الخيال الخالص (كما في قصة آدم ونوح وشمشون)، والتاريخ الحقيقي (كما في السير القديمة لداود ونحميا). ولكن عند سرد الجزء الخاص بالأحداث التي شاهدها شاهد عيان (إذا لم يكن شاهداً كاذباً كما في صموئيل الأول
10:22أ و صموئيل الثاني
7:1-10)، يمكن أن تتوقع تاريخاً دقيقاً لقصص العهد القديم. ولكن صدقها يقل بنسبة طول الزمن الذي انقضى من وقت سرد القصة من شاهد عيان».
2(ب) الإجابة الأساسية
في الصفحات القليلة القادمة، فإننا سنفحص ما نعرفه عن فترة الآباء وسنُبِّين أن علم الآثار قد لعب دوراً كبيراً في زيادة هذه المعرفة. ويلفت أرنست رايت نظرنا إلى أن هناك ملامح عديدة للخدمة التي قدمها علم الآثار في هذا المجال، ربما أن أهم هذه الخدمات هي العودة الجزئية للوضع الصحيح بخصوص فترة الآباء في التاريخ الكتابي».
1(ج) النقوش والكتابات
تحت هذا العنوان فإننا سوف نتحقق من اكتشافات معينة، في 2(ج) سوف نرى كيف اسهمت هذه الاكتشافات في فهمنا لثقافة الآباء. لقد توصل أنجر إلى توازن بين الاثنين: «نتيجة للبحث الأثري، وخاصة في العقود الثاثة الأخيرة، فإنه قد تم العثور على الكثير من النقوش والكتابات وهي الآن مُتاحة للباحثين، وهذه العبارات لها صلة مهمة بعصر الآباء. إن هذه النقوش لها أهمية عظيمة».
ويُضيف انجر: «مع أن الكثير لم يُنشر بعد، فإن الذي نُشر قد أضعف كثيراً من النظريات القائمة على الشك، كما أن تحليل هذه الكتابات قد أعاد إلى الحياة ثبات تاريخ العهد القديم، إذا أمدنا بكمية كبيرة من البراهين غير المباشرة التي تبين أن القصص تتفق مع خلفية العصر، وتلك العادات التي تظهر في القصص التي سادت في العالم الذي كان فيه الآباء.
يقول الاستاذ الجامعي دافيد نويل فريدمان الأستاذ في جامعة ميتشجان، ومدير معهد وليم ألبرايت للآثار العبارات التالية بخصوص تاريخية الآباء:
بنفس طريقة البحث عن الحقيقة، فإنني أحضر لكم كلمة، ليست عن موسى وجيله الذي تثار التساؤلات بشأن تاريخيته بواسطة كثير من الباحثين، ولكن عن جيل قبله، وهو جيل الآباء. ولكي نكون أكثر تحديداً، عن أبوهم وأبونا كلنا - بالإيمان وربما في الحقيقة أيضاً - وهو إبراهيم أو أبرام. حتى عندما نتكلم عن التاريخية الممكنة لقصص سفر التكوين والأشخاص الذين لعبوا أدواراً قيادية فيها، فإن أي شخص فينا يُعرِّض نفسه لخطر وصفه بأنه باحث كاذب.
ومع ذلك هناك باحثون في الماضي اعتنقوا هذه الأفكار الغامضة الغريبة، وأنا لا أتردد أن أتطابق مع وجهة النظر هذه ومشايعاً لفكر تلك المدرسة. إنني أتذكر أن إبراهيم هو الجد الأعلى للثلاث ديانات التي تؤمن بالتوحيد - اليهودية، المسيحية، والإسلام - إنهم من سلالة إبراهيم نفسه. إن الاستاذ البرايت الذي نعرفه جميعاً كشخص إبراهيمي بارز، وأنه أب لكل أتباعه وتلاميذه، كان حذراً بخصوص إعادة التنظيم التاريخي لقصص سفر التكوين وأحوال وأنشطة الآباء الدقيقة، وأيضاً معتقداتهم. في الوقت نفسه فإن خبير الكتابات المسمارية في بنسلفانيا سبيسر الذي بخلاف البرايت لم يعلن إيماناً شخصياً بقصص سفر التكوين ولم يكن عنده أي تحفظات عليها بالمرة، فإنه لم يؤكد وجود إبراهيم من الناحية التاريخية وكذلك عائلته الكبيرة فحسب، ولكنه أصرَّ على إيمانه بالله الواحد. كان هذان الباحثان البارزان قلعة في جزيرة التحفظ، ووجهات النظر التقليدية، في عصر الشك. ولكن من الاثنين كان سبيسر أكثر صراحة، بينما كان البرايت أكثر تحفظاً وصمتاً. ولأننا الآن لسنا في موقف الدفاع عن أيهما، فإنه من الواضح أن سبيسر كان أقرب للحقيقة التاريخية. ولكن حتى الحقائق الحالية المعروفة تذهب إلى أبعد مما استطاع أن يتصوَّره أي من هذين المفكريَّن العظيمين.
إني موجود هنا لكي أخبركم أن الاكتشافات الأثرية الحديثة قد برهنت على أن لها صلة مباشرة بموضوع تاريخية تقاليد الآباء كما حُفظت لنا من خلال حكايات سفر التكوين. عادة هي تؤكد أو على الأقل تدعم المواقف الأساسية التي أكد عليها بالدليل والحجة عمالقة مثل البرايت وسبيسر في الوقت نفسه أبطلا الشك السائد.
1(د) ألواح ماري
يُعلِّق البرايت في كتابه «من العصر الحجري إلى المسيحية»: أكد الاكتشاف عند ماري في وسط نهر الفرات بطريقة مذهلة التقاليد الإسرائيلية التي وفقاً لها فإن أجدادهم العبرانيين قد أتوا إلى فلسطين من منطقة حاران في الشمال الغربي لمنطقة ما بين النهرين.
وفي مقالته «الكتاب المقدس بعد عشرين عاماً من علم الآثار القديمة»، فإنه يذهب أبعد من هذا: «بدأت الحفريات في ماري عام 1933 تحت توجيهات اندري باروت ولأن موقعها في وسط نهر الفرات، فإن ماري كانت واحدة من أهم المعلومات عن حياة الساميين الموجودين في الشمال الغربي في زمن الآباء. في عام 1936 اُخرج من التراب آلاف عديدة من الألواح المسمارية التي يرجع تاريخها إلى حوالي 1700 ق.م، والتي تُدرس الآن وتُنشر. وتلقي هذه الألواح ضوءاً مباشراً على خلفية تقاليد الآباء في سفر التكوين.
ويستمر في شرح تأثير ألواح ماري: «الآن نستطيع أن نتحدث بأكثر ثقة وثراء في التفاصيل الإضافية، فمثلاً، مدينة ناحور التي لعبت دوراً بعد حاران في قصص الآباء ( تك
10:24) برزت عادة مع حاران في وثائق ماري حوالي 1700 ق.م. إن اسم أمير ماري أريوخ من الواضح أنه نفس أريوخ الموجود في تكوين 14، ويظهر اسم بنيامين كاسم عشيرة في ماري».
في طبعة عام 1950 من كتاب «آثار فلسطين» يستطيع الإنسان أن يحسّ بتأثير هذه الألواح بملاحظة ما يلي:
«أشرف دوسين وچين على نشر آلاف الألواح من ماري، إن أي نشر جديد يمدنا بمساعدة تجعلنا نفهم أفضل عن حياة وأوقات الآباء العبرانيين، إبراهيم وإسحق ويعقوب لم يعودوا معزولين عن تاريخ إسرائيل، إنهم الآن يحملون نفس الأسماء، ويتحركون على نفس الأرض، ويزورون نفس المدن (خاصة حاران وناحور) ويمارسون نفس العادات مثل معاصريهم».
2(د) مجموعة التشريعات
إننا بدأنا نفهم الكثير من تصرفات الآباء من خلال مجموعة تشريعات الحيثيين الذين كان لها تأثير قوي على الثقافة في ذلك الوقت. ويلاحظ أرشر اكتشافات واحد من علماء الآثار: تكشف القصة في تكوين 23 معلومات عن الحيثيين حتى فترة تحطُّم قوتهم في القرن الثالث عشر ق.م.
ويقول هنري فرانك في كتابه:« الكتاب المقدس وعلم الآثار والإيمان» في حديثه عن العصر الإبراهيمي:
بالمثل، فإن عدداً من الأحداث العديدة التي كانت محيرة في وقت ما بخصوص الآباء ظهر بواسطة الاكتشافات الأثرية أنها عادية في الألفية الثانية ق.م. لقد رأينا من قبل أن إبراهيم يساوم مع عقرون لشراء مغارة المكفيلة، وهذا يتفق مع الممارسات القديمة. من الواضح أن إبراهيم كان يريد أن يشتري المغارة فقط لكي يدفن زوجته سارة، إلا أنه كان محكوماً بالممارسات الحيثية، فكان عليه أن يشتري ليس المغارة فقط، ولكن الأرض والشجر الذي فيها. ولقد وصِف هذا في تكوين
1:23-20 ويتفق مع وثائق عن الحيثين التي وُصفت فيها هذه التفاصيل
3(د) نصوص اللعنة المصرية
يشرح أنجر طبيعة هذه الوثائق:
ما يسمى بنصوص اللعنة تضيف براهينها إلى الشهادة على صدق الخلفية التي كانت موجودة في زمن الآباء حسب ما جاء في سفر التكوين. هذه الوثائق النادرة مثل التماثيل أو الأواني التي نقشت بالخطوط المصرية القديمة أسماء أعداء فرعون. وإذا كان هناك تهديد من قِبَل متمردين فإن ملك مصر كان يحطِّم الأشياء التي كان يكتب عليها الأسماء والتي كانت تصاغ في طقوس سحرية، وهذا يجلب غضب الإلهة على المتمردين. إن مجموعة الأواني التي تم اكتشافها بواسطة كورت سيث عام 1926، من المحتمل أنها ترجع إلى نهاية القرن العشرين قبل الميلاد .
4(د) ألواح نوزي
يقول هورن في مقالته في مجلة "Christianity Todayس وتحت عنوان «مخطوطات حديثة عن العهد القديم» ويقدم ألواح نوزي قائلاً: «إن اكتشاف سجلات نصوص قانونية واجتماعية في نوزي وهو مكان صغير في شمال شرق العراق قد كشف أن الخلفية الاجتماعية والقانونية لعصر الآباء تظهر تماماً وبدقة وبتفاصيل أكثر في قصص الآباء في العهد القديم».
ويعطينا رايت في كتابه «دراسة الكتاب المقدس اليوم وغداً»، نقاطاً هامة معينة: تقع نوزي أو نوزو في الجنوب الشرقي من نينوى. وقد كانت بعض الأحداث الآبائية تبدو غير عادية، ولكن اكتشافات نوزي أوضحت الصورة كثيراً.
ويستطرد چوردن ليشرح أنه مع أن الآباء لم يكونوا من بلدة نوزي فإن ثقافات الاثنين متشابهة بسبب تشابه الزمن والمكان، لهذا السبب فإن ألواح نوزي تساعدنا على فهم إبراهيم، وإسحق، ويعقوب.
ويشير رايت أن ألواح نوزي توضِّح وتشرح عادات كثيرة مطابقة لعصر الآباء في الألفية الثانية ق.م، ولكن ليس عن الحياة الإسرائيلية المتأخرة في المقام الأول.
ويقدم چوردن شكراً للنصوص التي كُتبت باللغة المسمارية ووجدت في نوزي، فإنها جعلتنا نثق أن العادات الاجتماعية للآباء كانت صادقة ،ومن عصر ما قبل موسى. وأنها لا يمكن أن تُلفق بواسطة أي شخص بعد عصر موسى.
ما هي بعض الأمور المحددة التي فيــها ساعدتنـــا ألواح نوزي أن نفهم سفر التكوين؟ يكتب هورن:
أولاً في القصص الآبائية نجد حكايات غريبة عن زوجة عاقر طلبت من زوجها أن يعطيها طفلاً من خادمتها. لقد فعلت سارة هذا، وزوجتا يعقوب فيما بعد، راحيل وليئة. نحن نعرف اليوم أن هذه الممارسة لم تكن غير عادية في زمن الآباء، فقوانين هذه الفترة وأيضاً عقود الزواج القديمة تذكرها. فمثلاً في عقد زواج من نوزي، فإن العروس كلين-نينو تعد كتابة أن تعطي زوجها شنيما جارية كزوجة ثانية، إذا فشلت أن تحمل بأطفال له. وهي تعد أيضاً بأنها سوف لا تطرد الطفل الذي ينتج من هذا الزواج. إننا لا نجد مثل هذه العادة الغريبة في أي فترة أخرى غير عصر الآباء
في مقالة أخرى يُشير چوردن إلى الفرضية الوثائقية: إن العقود المكتوبة بالكتابة المسمارية من نوزي قد بيَّنت أن العادات الاجتماعية للآباء كانت غير زائفة وترجع لحقبة ما قبل عصر موسى، وإنها لم تُخترع بواسطة أي عصر بعد موسى.
في كتاب چوردن «العادات الكتابية وألواح نوزي»، نجد عادة أخرى قد شرحها بالقول: «إنها عادة في نوزي للناس الذين ليس عندهم أطفال أن يتبنوا طفلاً لكي يخدمهم طوال حياتهم ويدفنهم وينوح عليهم عندما يموتون. في مقابل هذه الخدمات، فإن الطفل المُتبني يصبح وريثاً لهم، وإذا وُلد للشخص المتبني ابناً بعد هذا التبنِّي، فإن الولد المتبنَّي عليه أن يتنازل للابن الحقيقي عن حقه في الوراثة. وعندما نعرف هذا الشرط، يكون عندنا المعنى الشرعي لإجابة الله على سؤال إبراهيم في تكوين
4:15 «لا يرثك هذا (أي العبد)، بل الذي يخرج من أحشائك هو يرثك»،
يؤكد البرايت على قيمة ألواح نوزي: «عندما نضيف الحقيقة أن معلوماتنا الحالية عن العادات والأعراف الاجتماعية في جزء آخر من شمال إقليم ما بين النهرين في القرن الخامس عشر ق.م «نوزي»، توضِّح كثيراً من التفاصيل في القصص عن الآباء التي لا تتمشى مع تقاليد فترة ما بعد موسى بالمرة، فإن الحقيقة الواقعة لتاريخية تقاليد الآباء تُحسم وتثبت نهائياً».
5(د) ألواح إبلا
إن الاكتشاف الأثري الهائل في تل ماردخ بجوار المدينة القديمة إبلا يسلط مزيد من الضوء الجديد على قصص الآباء. ومع أن القليل قد نشر منها حتى الآن، فإن الدلائل تشير إلى مكاسب جديدة مثيرة واكتشافات مهمة للدراسات في الشرق الأدنى لفترة الألفية الثالثة ق.م. خاصة في ما يخص قصص العهد القديم.
يقول دافيد نويل فريدمان في إشارته إلى القصص عن الآباء مع إشارة عامة في البداية عن إبلا وبعد ذلك على الأخص للوح كُشف النقاب عنه : «بالرغم من الأمثلة السيئة من الماضي والتحذيرات الوفيرة من هؤلاء الذين اشتركوا في اكتشافات إبلا، فإنني أعتقد جازماً أن هناك ارتباطاً بين ألواح إبلا والكتاب المقدس، ليس فقط في اللغة العامة والطراز الأدبي الذي ذكرناه سابقاً، الذي لا يمكن تجنبه، أو حتى فيما يتعلق بمجموعة من أسماء الأشخاص والأماكن، ولكن الأكثر من ذلك أنه هناك ارتباط في التاريخ، وتقسيم الزمن إلى فترات وكذلك الحقائق».
بعض الأنواع التي يذكرها د. فريدمان بالنسبة للتاريخ، وتقسيم الزمن إلى فترات وكذلك الحقائق التي تذكر في لوح إنما هي الترجمة الصحيحة لموضوع هو الآن غير واضح. وهناك بعض المعلومات التي راجعها فريدمان، وهو يأمل أنه بمجرد نشرها سوف تقدم برهاناً على أن هناك ارتباطاً بين إبلا الكتاب المقدس، والزمن سوف يكشف إلى أي حد هذا الارتباط قائم.
2(ج) أحوال المعيشة
كل هذه الاكتشاف وأكثر منها مرتبطة معاً، تعطينا صورة للثقافة في فلسطين في العصر البرونزي المتوسط 2000-1500 ق.م، ولكي يكون الأمر ملائماً، فإن المناقشة التالية ترينا الخلفية الاجتماعية الثقافية كذلك الخلفية جغرافية.
1(د) الخلفية الاجتماعية الثقافية
يقول ميلر باروز في هذا المجال: «إن الدليل الأثري المحدد، أن هذا أو ذاك الحدث في قصص الآباء قد حدث فعلاً، ربما لا يكون في متناولنا، ولكن العادات الاجتماعية التي ذكرتها القصص تلائم عصر الآباء، إنها تلائم أيضاً المنطقة التي قيل إن الآباء قد أتوا منها».
ويتكلم البرايت بأكثر قوة عندما يقول:« إن صورة التحركات في فلسطين، تلك البلد التي كلها تلال، عن الهجرة الموسمية بين شمال ووسط فلسطين، وعن السفر السهل لبلاد ما بين النهرين ومصر، تبعاً لذلك فإنه طبقاً للأحوال في العصر البرونزي الأوسط فإن الشكوك التاريخية تكون في موقف ضعف تجاه مصداقية قصص الآباء».
ويذكر رايت بعض الأمثلة المحددة، مثل مسألة السَفَر والترحال:
إن من يشكُّون في واقعية الشخصية التاريخية للآباء يشكُّون في هجرة إبراهيم من أور الكلدانيين لأرض كنعان، وكذلك الحملة العسكرية من بابل إلى فلسطين كما هي موصوفة في تكوين 14، لأنهم قد أصرّوا على أن السفر الطويل لم يكن معروفاً في تلك الأيام، ولكن الحفريات البابلية في ماري قد كشفت لوحاً يُبيِّن أنه كان هناك سَفَر كثير بين هذين البلدين في تلك الأيام. ويرجع تاريخ هذا اللوح إلى عصر إبراهيم، ويتحدث هذا اللوح عن عقد لعربة. فإن صاحب العربة قد أجَّرها لرجل لمدة سنة على شريطة أن لا يذهب إلى كتيم (الأرض الساحلية على البحر الأبيض). فمن الواضح أنه من عادة الرجال أن يسوقوا عرباتهم على الطريق من بابل إلى كنعان أو المنطقة المجاورة، وهذا المالك اشترط أن هذا لا يُعمل بعربته. وهذا دليل واضح عن السفر على نطاق واسع بين هذين المكانين من العالم القديم.
ويذكر چوزيف فري عادة الأبواب الثقيلة أثناء عصر لوط. ويستشهد بتكوين 9:19، حيث لم يستطع رجال سدوم الأشرار أن يدخلوا من باب لوط. كما درس البرايت بيت مرزيم الموجود بالكتاب المقدس ووجدوا حوائط وأبواب في الوقت ما بين 2000 أو 1600 ق.م ثبت أنها كانت ثقيلة وقوية.
وفي الوقت ما بين 900-600 ق.م كانت البيوت بها مدخل مقنطر أو ستائر، ولكن لم يوجد أبواب. وفي أيام لوط لم تكن سلطة العسكر قوية، لذلك فإن الأبواب القوية كانوا يحتاجون إليها. ولكن مع القوانين الصارمة والنظام الصارم، فإن مثل هذه الأبواب لم يكونوا في حاجة إليها للحماية.
يقول فري: إن باب لوط الثقيل والضخم كان يلائم هذه الفترة ملائمة تامة.على أي حال فإن النقاد يرجعون تاريخ كتابة هذه القصص الخاصة بإبراهيم إلى القرن التاسع والثامن ق.م. كيف استطاع الكاتب معرفة الأحوال الموجودة في ألف سنة أو أكثر سابقة عليه.
بخصوص اسم إبراهيم، يشرح چون الدر: «لم يكن متوقعاً أن الأحداث الماضية التي تركها ملوك هذه الأيام سوف تحتوي ذكر رجل مثل إبراهيم. ولكن لوح وُجد في بابل يحمل اسم اباراما، ويسجل أنه قد دفع الإيجار الذي عليه هذا اللوح يُبيِّن أن إبراهيم كان واحداً من الأسماء المستخدمة في تلك الفترة.
وفي خلاصة، فإن ألبرايت قدم لنا تحليلاً شاملاً: «إن العديد من الحفريات الحديثة في ذلك المكان وفي هذه الفترة في فلسطين تكمِّلها اكتشافات أجريت في مصر وسوريا تعطينا فكرة عن فلسطين في زمن الآباء تلائم تماماً الصورة الموجودة في سفر التكوين».
2(د) الخلفية الجغرافية - الطبوغرافية
يتحدث انجر عن الدقة الطبوغرافية (الوصف الدقيق للأماكن) في سفر التكوين، ويُبيِّن: «أنه من الشيء الهام أيضاً، في هذا المجال أن التلميحات في قصص الآ |