|
البراهين المؤيدة لشخصية يسوع برهان الألوهية :القضية العظمى
|
|||||||
|
(أ) مقدمة
«هل حاز يسوع صفات الله؟» لكي نجيب على تلك الأسئلة، سوف يكون مناسباً أن نجيب على بعض الأسئلة الأخرى: «لماذا يتحتم أن يصير الله إنساناً؟» يوجد سبب فريد يمكن أن نستوعبه بشكل كامل. تصوَّر أنك تراقب فلاحاً وهو يحرث قطعة من الأرض. ثم تشاهد تلاً يسكنه بعض النمل الذي سوف يتم حرثه في الدورة التالية للفلاح. ولأنك أنت تحب النمل، تسرع إلى تل النمل لتحذر ساكنيه ذوي البنية الضعيفة، تبدأ أولاً بأن تزعق وتحذرهم من الخطر القادم، لكنهم يستمرون في أداء عملهم المعتاد. ثم تجرِّب معهم عدداً آخر من الاتصالات، لكن لا يبدو أن ذلك النمل المنشغل بأموره قد سمع شيئاً. حينئذ تدرك أن الطريقة الوحيدة لتصل إليهم هي أن تصبح واحداً مثلهم. خلال كل التاريخ الإنساني، استعمل الله طرقاً مختلفة لتحقيق توصيل رسالته للبشرية. وأخيراً أرسل ابنه للعالم. الآيات الأولى من الرسالة إلى العبرانيين تقول: «الله بعد ما كلَّم الآباء بالأنبياء قديماً بأنواع وطرق كثيرة، كلَّمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنه» (عب 1: 1 و 2). وكتب يوحنا في إنجيله «والكلمة صار جسداً وحلَّ بيننا ورأينا مجده مجداً كما لوحيد من الآب مملوءاً نعمة وحقاً، يوحنا شهد له ونادى قائلاً هذا هو الذي قلت عنه إن الذي يأتي بعدي صار قدامي لأنه كان قبلي ومن ملئه نحن جميعاً أخذنا. ونعمة فوق نعمة. لأن الناموس بموسى أعطي. أما النعمة والحق فبيسوع المسيح صارا. الله لم يره أحد قط. الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب هو خبَّر» (يو 1: 14- 18). أعطانا الأنبياء كلمات الله. لكن يسوع هو ذاته كلمة الله في شكل إنسان، مظهراً الله لنا بشخصه، وليس على هيئة ألفاظ. لقد أعطانا الله نفسه في شكل نستطيع فيه أن نلمسه، أن نسمعه، أن نراه. لقد أعطانا يسوع الله ذاته وجعله في مستوانا، ثم رفعنا إلى أعلى معه. إن اللـه لم يسـع فقـط للاتصال بنا، إنه أراد أن يعرِّفنـا كـم هـو يحبـنا. يقـول يسـوع: «لأنـه هكـذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية. لأنه لم يرسل الله ابنه إلى العالم ليدين العالم بل ليخلص به العالم» (يو 3: 16، 17). والرسول يوحنا يستخدم كلمات يسوع عندما كتب «بهذا أظهرت محبة الله فينا أن الله أرسل ابنه الوحيد إلى العالم لكي نحيا به. في هذا هي المحبة. ليس أننا أحببنا الله بل أنه هو أحبنا وأرسل ابنه كفارة لخطايانا» (1يو 4: 9 و 10). في كتابه «يسوع الذي لم أعرفه» يلتقط الكاتب فيليب يانسي هذه الفكرة ويعبر عنها بصورة رائعة: كان اليهود يربطون الخوف بالعبادة... وصنع الله مفاجأة عندمـا ظهـر كطفـل مولود في مذود البقر. ما الذي يمكن أن يخيف من طفل حديث الولادة؟ في يسوع، وجد الله وسيلة لأن ينتسب إلى البشر بطريقة لا تثير الخوف. لقد تعلمت ما هو التجسد عندما لاحظت حوض أسماك الزينة في بيتي... كلما ظهر خيالي فوق الوعاء، يبتعد السمك خائفاً ليحتمي ببيته، لقد أظهروا لي عاطفة واحدة، وهي الخوف. وبالرغم أنني كنت أواظب على إطعامهم بشكل منتظم، ثلاثة مرات كل يوم، إلا أنهم استجابوا لزياراتي هذه كأنما هي مشروع لتعذيبهم. ولم أستطع إقناعهم باهتماماتي الحقيقية. ولكي أغيِّر من انطباعاتهم، أخذت أفكر، إن الأمر محتاج إلى نوع من التجسد. إنني في حاجة إلى أن أتحول وأصبح سمكة لأتكلم معهم بلغة يفهمونها. لكي يتحول الإنسان ليصبح سمكة لا يقارن بتجسد الله ليصير طفلاً. ومع ذلك، وطبقاً للأناجيل، هذا ما حدث في بيت لحم، الله الذي خلق المادة كلها اتخذ شكلاً مادياً باستخدامها. كالفنان الذي يتحوَّل ويصير شكلاً في رسم يرسمه، أو كاتب المسرحية الذي يتقمص شخصية في رواية يكتبها. لقد كتب الله قصة، لكنه استخدم شخصيات حقيقية على صفحات التاريخ الحقيقي. الكلمة صار جسداً. لكن كيف تعلم الإنسانية أن رجلاً يدَّعي بأنه في الحقيقة هو الله؟ هناك طريقة وحيدة وذلك من خلال النبوات التي تتحقق. الله يستطيع أن يتكلم مع البشر بلغتهم، وبأسلوب أفكارهم، مخبراً إياهم عن ماذا يبحثون وكيف يجتهدون لمعرفة حقيقة أن يصير إنساناً، وعندما يصبح إنساناً ويفي بتلك النبوات، سيتعلم العالم أنه هو الذي كان يتكلم، وهذا هو ما فعله الله فعلاً. إشعياء النبي تنبأ أن المسيح- الله سوف يأتي (إش 9: 6 مقارنة مع مز 110: 1). وذكر الكتاب المقدس في عديد من المرات عن مهمته قائلاً «إنها يجب أن تكمِّل» (انظر مت 2: 15 و 17، 23 و 13: 14). لذلك، إذا كان الله قد دخل التاريخ الإنساني ومشى وسطنا كإنسان، ما هي آثار تواجده التي نتوقع العثور عليها؟ كيف نعلم أنه بالحقيقة كان عندنا على شكل بشري؟ أعتقد أننا سوف نجد ثمان علامات تشير إلى تواجده التاريخي:
إذا أصبح الله إنساناً، نتوقع منه:
1- أن يظهر في تاريخ العالم بطريقة فريدة. 2- يكون بلا خطيئة. 3- يظهر تواجده غير العادي على شكل أعمال وأفعال غير عادية- وهي المعجزات. 4- يعيش بشكل مثالي مقارنة بأي إنسان آخر عاش على الأرض. 5- يتكلم بأعظم العبارات التي قيلت من قبل. 6- يكون له تأثير ونفوذ شامل ودائم. 7- يشبع الاحتياجات الروحية للإنسان. 8- يتغلب على أشرس أعداء الإنسان ومصدر خوفه الدائم - وهو الموت. في قناعتي التامة، أُجزم بأنه في حياة يسوع المسيح نستطيع أن نجد هذه العلامات الثماني معروضة. هو لا يعطينا أي سبب لنشكّ في كونه هو الله الذي أصبح إنساناً. ومن الأمور الواضحة أنه وفَّى هذه التوقعات الثمانية الخاصة بتواجد الله في التاريخ الإنساني.
2(أ) دخول فريد في التاريخ البشري
1(ب) الشهادات الكتابية التي تؤيد الميلاد
العذراوي
1(ج) سفر التكوين 3: 15 ويخبرنا الباحث في العهد القديم كلاوس ويسترمان أنه «منذ عهد إيريناوس، درج التقليد المسيحي على تفهُّم هذا النص بأنه نبوة عن المسيح (ومريم). و«نسل المرأة يشير إلى شخص مولود سوف يسحق رأس الحية التي زرعها شخص آخر وهو إبليس، الذي سوف يتصارع مع «نسل المرأة» حتى يخضع له. هذا التفسير سار من إيريناوس ليستقر في تاريخ التفسيرات في الكنيسة الكاثوليكية والإنجيلية. ويتفق معه چون والفورد الباحث الإنجيلي الأمريكي في كتابه «يسوع المسيح إلهنا» ويقول إن الإشارة إلى نسل المرأة هي إشارة إلى ولادة ابن الله. وهو محور سلسلة النسب التي أوردها لوقا. فالمخلِّص الآتي سوف يكون من نسل المرأة - الإنسان، وطالما أنه لم يدَّعى بأنه نسل الرجل لذا فإن هذا يشير إلى الميلاد العذراوي الذي سوف يحدث (إش 7: 14، مت 1: 21 و 22). وبالنسبة لآدم، جعل الأمر واضحاً كل الوضوح، فكل آماله في المستقبل ستتركز على طفل من نسل المرأة، وأنه من خلال هذا الطفل سوف يحقق الله الخلاص. القس الألماني اللوثري كارلهتز راباست أشار في كتاباته التي صدرت في منتصف القرن العشرين مؤيداً النظرة التقليدية لتفسير التكوين 3: 15 «نسل المرأة.. في معناها الدقيق الخالص تشير إلى العذراء مريم ونسلها، المسيح». ويذكر إدوارد يونج الباحث المتعمق في العهد القديم: هناك إشارة إلى المسيح لا يجب أن نتجاهلها. مع ذلك، فإنه أمر حقيقي أن الإنسان الذي يحطِّم الشيطان سوف يكون مولوداً من امرأة وهو يسوع المسيح الذي سوف يحقق الانتصار. إن نسل المرأة كما نفهمه هو المخلِّص الذي سوف يوجه الضربة القاضية. إتمام النبوءة في سفر التكوين 3: 15 سيتحقق بقدوم يسوع المسيح، الذي كان في الحقيقة مولوداً «من نسل المرأة» وهي القديسة مريم- وليس بذرة أي رجل.
2(ج) إشعياء 7: 14 «ولكن يعطيكم السيد نفسه آية، ها العذراء تحبل وتلد ابناً وتدعو اسمه عمانوئيل». هناك سؤالان محددان يبدأ بهما تفسير هذا النص. الأول هو، ما معنى كلمة (ALMAH) (علْماه) العبرية، هي تعني «العذراء»؟ والسؤال الثاني هو، لمن تشير «العذراء» المذكورة في النص؟
1(د) ماذا تعني كلمة (علْماه)؟
1(هـ) التكوين 24: 43
2(هـ) الخروج 2: 8 الإصحاح الثاني من سفر الخروج يتكلم عن حادثة إنقاذ الطفل موسى من النهر بيد ابنة فرعون. وكانت أخت موسى (مريم) تراقب الموقف على البعد وأسرعت إلى بنت فرعون واقترحت عليها أن تجد لها أمرأة عبرانية (أم موسى) لكي ترضع الطفل «فقالت لها ابنة فرعون اذهبي، فذهبت الفتاة (علْماه) ودعت أم الطفل» (خر 2: 8). الطريقة التي تم بها تقديم مريم في أصحاح 2: 4 توحي بأنها لم تكن أكبر من موسى بسنوات طويلة، وما يؤكده هو أنها كانت تحيا في كنف والديها في ذلك الحين. يبدو من هذا النص أن أي عنصر خاص بالعذرية البيولوچية في كلمة (علْماه) متضمن في السن، فمريم يبدو أنها كانت في سنوات المراهقة، أي أنها مازالت عذراء. وهذا ما يؤكده ألبرت مايرز أن مريم أخت موسى «كانت بلا شك عذراء» (خر 2: 8)
3(هـ)
مزمور 68: 25 أكثر من ذلك، فإنه طبقاً للعادات السامية، كانت الفتيات اللاتي لم يتزوجن بعد، يشاركن في احتفالات الزواج والاحتفالات الأخرى بوجه عام. لذا فإن الإنسان يفترض أن الفتيات الصغيرات اللاتي اشتركن في هذا الاحتفال كنَّ عذارى.
4(هـ)
أمثال 30: 19 ويشير هندسون في مجال تفسيره لأمثال 30: 19، يقول «المقارنة التي حدثت في الفقرات التالية توضح الاختلافات ما بين البركات الطبيعية للفتاة الفاضلة بالمقارنة مع المرأة الشريرة. لذلك، فإن الصورة هنا يجب أن تفسر بأنها تشير إلى فتاة عذراء». ويفهم نيسن هذا النصّ بشكل مماثل: «ما هو مثير للإعجاب هنا هو الغزل والافتتان والمحبة بين الشاب وفتاته. وبالرغم أن النص لا يشير إلى عذرية الفتاة، إلا أنه يمكن افتراض ذلك.
5(هـ)
نشيد الأنشاد 1: 3 والنساء الأخريات اللاتي تجذبن للمحبوب بسبب صفاته لم يكنَّ متزوجات بل فتيات يرغبن في تواجد العريس لكن فشلن في ذلك السعي. وكلمة (علْماه) هنا تشير إلى العذرية.
6(هـ) نشيد الأنشاد 6: 8
7(هـ) إشعياء 7: 4 ويشاركه في هذا الرأي ويليس بيتشر في مقالته الكلاسيكية «نبوءة الأم العذراء» بقوله «المعاجم اليهودية تقول لنا إن استخدام لفظ (علْماه) هنا، والمترجمة عذراء، ربما تشير إلى أي امرأة شابة، سواء كانت عذراء أم لا. وفيما يختص باشتقاقاتها واستخدامها العام، ربما يكون الحال هكذا، لكن الكتاب المقدس استخدم هذه الكلمة في كل حالة للإشارة إلى عذراء». وبعبارات أخرى، طالما أن كلمة (علْماه) تشمل داخلها العذرية في النصوص الأخرى التي ذُكرت فيها، لذا يفترض أن استخدامها في نص إشعياء يشمل أيضاً العذرية. سياق هذا النص يُعطي تأكيدات أخرى بأن الـ (علْماه) التي تم التنبؤ بها يجب أن تكون عذراء.
1(و) المنظور التاريخي ويستمر نيسن في قوله: قابل إشعياء الملك آحاز ليطمئنه بأن الله سوف ينقذ أورشليم ويحذره من الارتباط بحلف مع أشور، كانت مهمة إشعياء ذات شقين: (أ) الملكان اللذان ينويان غزو يهوذا لم يكونا سوى «شعلتين مدخنتين»، لذا ليس هناك خوف منهما (إش 7: 3- 9). (ب) ولكي يتبين أن إشعياء ليس بالنبي الكاذب وأن الله لديه القوة لأن يخلِّص يهوذا، طُلب من آحاز أن يطلب آية مؤكدة- لكن آحاز رفض (إش 7: 12). كان آحاز على علم بأنه تورط أمام إشعياء إذا قبل تلك الآية أو العلامة فإن هذا سوف يعرِّضه إلى فقدان شرفه وتحدي الرأي العام الضاغط الذي يدعو لطلب النجدة من الأشوريين، وهذا هو ما كان مصمماً علىه في كل الأحوال... لقد رفض آحاز هذه العلامة بسبب اعتبارات سياسية، وبسبب قلبه غير المصدِّق... وبعد توبيخ آحاز، استمر إشعياء في نقل الرسالة «ولكن يعطيكم (بصيغة الجمع) السيد نفسه آية: ها العذراء (علْماه) تحبل وتلد ابناً وتدعو اسمه عمانوئىل» (إش 7: 13).
2(و) طبيعة هذه العلامة
ولأن آحاز رفض قبول هذه العلامة، يتكلم الله بنفسه عن ماهية هذه العلامة. لذا فإنه من المعقول القول بأنه عندما يأتي الله بعلامته هذه، فإنها سوف تكون ذات طبيعة إعجازية. ويعلق ج. الكسندر على هذا النص قائلاً: «إنه من المستبعد تماماً بعد إرسال مثل هذا العرض (من الله إلى آحاز)، أن يكون تحقيق هذه العلامة في النهاية من الأمور التي تحدث في العالم كل يوم. هذا الافتراض يتقوى ويتعزز بالوقار الذي نقل فيه إشعياء تلك النبوءة، ليس كأنما هي حدث عادي أو طبيعي، لكن كشيء مثير للدهشة عندما تلقى الرسالة في رؤية». ويقول هندرسون «من المهم أن نلاحظ أن تلك العلامة (ولكن يعطيكم)، مقدمة إلى جمع من الناس، ومن الواضح أنها ليست مقدمة لفرد واحد وهو آحاز الذي رفض العرض الأول. وفي عدد 13، يقول إشعياء «اسمعوا يا بيت داود» ومن الواضح أن صيغة الجمع التي وردت في عدد 14 مرتبطة بما سبقها في عدد 13. ولأن النص يخبرنا بأن مملكة داود في خطر من جراء الغزو القادم. لذا يمكن لنا القول بأن صيغة الجمع يقصد بها بيت داود الذي عليه تسلُّم هذه العلامة. والآن إذا أصبحت سيدة ما حاملاً بالطرق الطبيعية، فهذا لا يحقق شروط العلامة المعجزية. چون كالفن المصلح الكبير يصيب الهدف في هذا الشأن عندما يقول: ما هو الأمر الغريب إذا قال النبي إن امرأة قد حملت من جراء علاقتها الجنسية برجل؟ إنه من السخف أن نعتبر تلك علامة ذات صفة إعجازية. دعنا إذن نفترض أن النصّ يدل على فتاة صغيرة سوف تصبح حاملاً بالطريقة المعتادة، كل إنسان سوف ينظر باحتقار إلى هذا النبي، بعدما قال ذلك. لذا فمن الواضح تماماً أنه يتكلم عن عذراء ستحبل وتلد، ليس بالطريق العادي الطبيعي ولكن بقوة وتأثير الروح القدس. والفحص الدقيق لبعض الألفاظ المحددة في نص إشعياء 7: 14 تعزز رأي كالفن. الكلمة المكتوبة باللغة العبرية وهي (h-r-h) والتي تترجم «تحبل» في إشعياء 7: 14، ليست فعلاً أو اسم فاعل، لكن صفة أنثوية مرتبطة مع اسم فاعل وتدل على أن المنظر واضح في عين النبي. وهذا يعني أن تلك الكلمة واستخداماتها تشابه ما أبلغه الملاك لهاجر في البرية قبل عدة قرون ماضية: «ها أنت حبلى فتلدين ابناً» (تك 16: 11). وبالاختصار، يجب ترجمة نص إشعياء 7: 14 بالشكل الآتي «ها العذراء سوف تحمل وتلد ابناً». يعلق على ذلك هندسون: من الواضح أن اللفظة (h-r-h) تشير هنا إلى الزمن المضارع.. والنظر إلى الزمان مهم جداً في تفسير هذه الكلمة وكذلك النصّ. إذا كانت كلمة (علْماه) تعني «عذراء» وإذا كانت هذه الفتاة حامل وعلى وشك ولادة طفل، لذا فهذه الفتاة مازالت عذراء، بالرغم أنها أصبحت أم. تأمل في قدر التناقض الذي يمكن أن يحدث لو لم يشر هذا النص إلى ولادة طفل من عذراء للمرة الأولى في التاريخ -وهو يسوع المسيح. العذراء حامل! كيف يتسنى لها أن تكون حاملاً وهي مازالت عذراء؟ المعنى يدل على أن هذا الطفل سوف يكون معجزة وهو مولود بلا أب، وبالرغم من حمل الأم فإنها مازالت عذراء. الكلمة (علْماه) «عذراء» تدل على صيغة الزمن المضارع مشابهة ذلك كلمة (h-r-h). إذا كانت صيغة النص في زمن المستقبل، فليس هناك ضمان أن هذه العذراء سوف تلد ابناً (في المستقبل)، سوف تظل كما هي عذراء، وليست زوجة. لكن إذا كان هناك (عذراء) ومعها (ابن)، لا يمكن لنا أن نتهرب من استنتاج أن هذه ولادة عذرية. ويستخلص نيسن من ذلك: «تعطينا العلامة في (إشعياء 7: 14) ما يفوق ما تقدمه لنا الطبيعة. إنها لم تكن عرضاً بلا معنى، لكنها علامة متوافقة مع المناسبة ومتصلة بموضوع استمرار دوام عائلة بيت داود المهددة بالانقراض بسبب الغزو الوشيك. أصعب العلامات التي يتقدم بها الله في تلك المناسبة هي استحالة بيولوچية -وهي الحمل الإعجازي لامرأة عذراء. وأصعب العلامات التي يمكن أن يعطيها الله ولها صلة باستحالة بيولوچية -الحبل المعجزي لابن من فتاة عذراء بالمعنى البيولوچي للكلمة.
3(و) دليل إضافي خاص بالترجمة في الترجمة السبعينية لنص إشعياء 7: 14 والذي ظهر قبل مولد المسيح بحوالي 200 سنة، بينما اقتباس القديس متى لنفس النصّ في مت 1: 23 كان في منتصف القرن الأول الميلادي، ترجمة البشيتا السيريانية ظهرت في القرن الثاني الميلادي، والفولجاتا اللاتينية للقديس چيروم ظهرت في سنة 400م، كل هذه المصادر تقرن كلمة (علْماه) بـ (بارثينوس) أي عذراء أو مشتقاتها الأخرى مثل (بتولاه)، (فيرجو). وقد كانت ترجمة كلمة (علْماه) باعتبارها عذراء مقبولة عند اليهود حتى زمن اقتباس متَّى للنص. ويكتب هنري موريس في نفس النقطة: «العلماء الذين ترجموا العهد القديم إلى اللغة اليونانية السبعينية استخدموا الكلمة اليونانية المقابلة لعذراء في ترجمة إشعياء 7: 14. وكذلك هو ما فعله متى عندما استعار هذه الآية في (مت 1: 23) عندما تمت النبوءة بالفعل بولادة يسوع المسيـح من عـذراء. ويتفق مع هذا الرأي ب. وزرنتون: «من الصواب أن نقول إن كلمة (علْماه) لا تعبر مباشرة عن أنها عذراء، لكن من الصعب بل ومن المستحيل تصوُّر السبب الذي دفع المترجمين للكتاب المقدس السبعيني إلى استخدام كلمة بارثينوس للتعبير عن (علْماه)؟. لذلك فإن هذا الدليل يوضح بما لا يدعو مجالاً للشك أن (علْماه) في نبوءة إشعياء تعبر عن فتاة عذراء صغيرة. ولا يوجد أي نوع من الفهم يمكن أن يبرر ترجمة تلك الكلمة بذلك الأسلوب سواء كان اجتماعياً أو تاريخياً.
2(د) ما هي الـ (علْماه)؟ بعض دارسي الكتاب المقدس يدَّعون عكس هذه الآراء، ويحاولون تفسير نبوءة إشعياء بأنها «كانت علامة مقدمة من الله إلى الملك آحاز توضِّح قرب غزو مملكة إسرائيل الشمالية ويهوذا الجنوبية بواسطة ملك أشور- ولأن هذه العلامة تخصُّ آحاز، لذا فإنه من المنطقي أن نستنتج بأن الميلاد سوف يكون في زمن الملك آحاز. لذلك، فإن هذا يستلزم تحقيق جزئي لنبوة إشعياء 7: 14. بينما يبدو هذا الرأي معقولاً للبعض، إلا أنني أعتقد بأنه ينتهك عدداً من النقاط. أولاً، لكي ينجح هذا الاتجاه يجب أن نعتبر أن (علْماه) لا تعني العذرية في نص إشعياء 7: 14، وإلا فإن مؤيدي هذا الرأي سوف يواجهون بأمر مستحيل: ولادتان عذراويتان حدثتا في التاريخ- واحدة أثناء حياة آحاز والأخرى الخاصة بأم يسوع. لكن توصَّلنا من قبل إلى الدليل القاطع المعارض: الأدلة توضح بكل جلاء أن (علْماه) في نبوة إشعياء تعني فتاة عذراء صغيرة في سن الزواج، وليس مجرد فتاة صغيرة، فـ (علْماه) هي بالتحديد عذراء تحبل. ثانياً: التحقيق العاجل الذي يدعونه لا يأخذ في حسبانه بشكل جدي الأزمنة النحوية التي وردت في نص إشعياء 7: 14، والتي تصل بنا إلى اعتبار كلمة (علْماه) هي في نفس الوقت عذراء حامل. ثالثاً، طبيعة العلامة في إشعياء 7: 14 لها خاصية تفوق الطبيعة فإن حمل امرأة بواسطة العلاقة الجنسية بين الرجل والمرأة لا تكفي لتوثيق وإثبات كلمة الله. من المطلوب حدوث معجزة، وولادة طفل من فتاة عذراء هي المعجزة. رابعاً، من السياق الأكبر لنص النبي إشعياء في الفقرات 6- 12، نستنتج أن عمانوئيل وهو الطفل الذي وُلد من رحم عذراء، يجب أن يكون إنساناً إلهياً وليس مجرد إنسان (انظر إش 9: 6، 7، 11: 1- 16). وليس هناك غير يسوع المسيح الناصري. وأخيراً، فإن النبوءة التي أُلقيت على مسامع الملك آحاز في (إش 7: 14)، كرئيس مؤقت على بيت داود الملكي ومن سوف يليه من نفس البيت. وجزئياً، هذه النبوة صدرت لتبين لآحاز ومن يلحقه أن بيت داود سوف يستمر ويعيش إلى الأبد. وهذا يدعِّم رأي حدوث تتميم النبوة في المدى البعيد وليس القريب. ويؤكد الباحث شارلز فيبنرج هذه النقطة بقوله: كان آحاز ورجال بلاطه في خوف دائم من انقراض بيت داود وإحلاله بالحكم الأشوري. مع ذلك، كلما طال الزمن اللازم للوفاء بذلك الوعد لبيت داود، كلما طالت مدة بقاء هذه السلالة الملكية لترى بعينها تحقيق هذا النبوة وهذا ما عبَّر عنه الأستاذ الكسندر أفضل تعبير: «... إن التأكيد بأن المسيح سوف يولد في يهوذا، ومن العائلة الملكية، ربما تكون علامة لآحاز، بأن مملكته لن تنتهي في عهده، وأن تحقيق هذه العلامة سيكون في زمن بعيد. وكلما بعُد الوعد كلما كان تحقيقه قوياً في استمرارية يهوذا. لذا فإن هذا الاستنتاج لا مفر منه. ليس هناك أساس قوي، سواء نحوياً، أو تاريخياً، أو منطقياً للشك في المعنى الحقيقي، وهو أن الكنيسة في كل أجيالها كانت على حق في اعتبار هذا النصّ كعلامة وتنبؤ واضح للحبل المعجزي ومسقط رأس يسوع المسيح». لذلك يمكن لنا أن نتفهم عقيدة ولادة السيد المسيح المعروضة في العهد الجديد وارتباطها بالتعليم والنبوءات التي كُتبت في اسفار العهد القديم.
3(ج) إنجيلا متَّى ولوقا نرى تسجيل الـولادة العذراوية ليسوع في الإنجيل الأول والثالث. وما ذكره متَّى (1: 18- 25) مكتوب من وجهة نظر يوسف النجار. والعالم أور يقترح بأن رواية متَّى عن ميلاد وطفولة يسوع ربما يكون قد استقاها مباشرة من شهادة يوسف. وعلى العكس فإن تسجيل لوقا، (لو 1: 26 - 28، 2: 1- 7)، يأتي من وجهة نظر مريم... وربما تكون هي إحدى شهود العيان، من بين «المعاينين وخداماً للكلمة» الذين أشار إليهم لوقا في 1: 2 كمصدر من مصادر المعلومات التي حصل عليها. يستنتج وزرنتون من ذلك: يجـب علـى الإنسـان أن لا يفشـل فـي تقدير الطـابـع اليهـودي في كـلا الروايتـين الخاصتين بمـيلاد يسوع أو المهارة التي وحَّـد فيهـا الإنجيـلان الـمـواد مـن مصادرها إلى عـرض مؤثر من الأخبـار الـمفرحـة التي في يسوع. وكان شكـل عرضيهما مختلفاً تماماً- حتى عندما استخدما نفس عناصر العرض. هذا يدلـل علـى أن الإنجيلين الأول والثالث لم يكونا مسجِّلين للأحداث بشكل جامد لكنهما امتلكا مهارة في عرض موادهما. وقد استخدما هذه المصادر لإلقاء الضوء على معتقداتهما اللاهوتية ونجحا في دمج هذه المواد على مستوى أوسع، كُلٍ في إنجيله. مع اعترافنـا باختـلافات العـرض، فـإن كل من إنجيلي متى ولوقا يحتويان على تشابه ملحوظ، وهذا يوضِّح أنهما متفقان في التفاصيل الأساسية كالحمل وولادة يسوع. وفي كتابه «الميلاد العذراوي ليسوع» يسجـل لنـا العالم چيمـس أور اثنتـى عشـرة نقطـة اتفـاق بين البشيـريـن. وإذا كـان هنـاك شـيء نعتـبره صحيحـاً، فــإن هـذه النقـاط تحمـل في طياتها شهادة دقيقة على توافقهما. 1- يسوع وُلد في آخر أيام هيرودس الكبير (مت 2: 1 و13، لو 1: 5). 2- لقد حملت به مريم بقوة الروح القدس (مت 1: 18 و 20، لو 1: 35). 3- أمه كانت عذراء (مت 1: 18 و 20 و 23، لو 1: 27 و 34). 4- كانت مريم مخطوبة ليوسف (مت 1: 18، لو 1: 27، 2: 5). 5- يوسف كان من بيت داود (مت 1: 16، 20، لو 1: 27 و 2: 4) 6- وُلد يسوع في بلدة بيت لحم (مت 2: 1، لو 2: 4 و6). 7- بإعلان إلهي دُعِى اسمه يسوع (مت 1: 21، لو 1: 31). 8- أعلن عنه بأنه هو المخلِّص (مت 1: 21، لو 2: 11). 9- علم يوسف مسبقاً بحالة مريم وأسبابها (مت 1: 18- 20، لو 2: 5). 10- مع ذلك، اتخذ يوسف مريم كزوجة وتعهد بمسئوليات الأب كاملة لابنها (مت 1: 20 و 24 و25 و لو 2: 5). 11- البشارة والميلاد كان يصحبهما استعلانات ورؤى (مت 1: 20، لو 1: 26 و 27). 12- بعد مولد يسوع، سكن كل من يوسف ومريم في الناصرة (مت 2: 23، لو 2: 39). (Orr, VBC, 36-37). فيما يختص بما سجله كل من متَّى ولوقا، يقول لنا العالم أور إنه بالرغم من ذكرهما للأحداث من وجهة نظر مختلفة، وربما كل منهما معلوماته من مصدر مختلف، إلا أنهما يتفقان في عدة حقائق جوهرية، وهذا هو ما يمثل أهمية وهو أن يسوع حُبل به من الروح القس، ووُلد من مريم العذراء المخطوبة ليوسف، مع كامل معرفته بالأسباب. (Orr,VBC,35) تؤكد الدلائل بقوة أن الروايات التي أوردها لنا متى ولوقا بُنيت على شهادة أساسية من أحد أعضاء عائلة يسوع والتي تؤيد بالأكثر استنتاج أن الحبل بيسوع وولادته كانت بالحقيقة وفاء للنبوة القديمة التي أوردها إشعيـاء. وكمـا كتـب متَّى «وهـذا كله كان لكي يتم ما قيل من الـرب بالنبـي القائـل. هـوذا العذراء تحـبل وتلـد ابـناً ويدعون اسمـه عمانوئـيل الـذي تفسيره اللـه معنـا» (مت 1: 22 و 23). وبينما يعتقد كثير من البـاحثين أن إنجيـل مرقـس هـو أول الأناجيل التي كتبت، إلا أنه من الـمفيـد أن نسترجـع تلك الكلمات التي قالها إيريناوس، أسقف ليون سنة 180م وهو تلميذ لبوليكاربوس، وهذا الأخير كان تلميذاً ليوحنا الحبيب. يعطينا إيريناوس الخلفيات التـي كُتبـت فـي ظلهـا الأناجيل الأربعة وهو يؤكد على أن إنجيـل متَّـى، الـذي يحوي موضوع الـميـلاد العـذراوي كُتـب أولاً. نشر متَّى إنجيله بين العبرانيين بلغتهم الأصلية عندما كان بطرس وبولس يبشران بالإنجيل في روما ويشيِّدان أسس الكنيسة هناك، وبعد رحيلهما (موتهما، حيث يؤكد الثقاة أنها حدثت أيام حكم نيرون سنة 64 م)، انشغل مرقس في كتابة إنجيله الذي هو في الواقع عبارة عن تعاليم بطرس. أما لوقا وهـو تلميذ بولس فقد بدأ في تدوين إنجيله الذي بشر به معلمه. ثم يلي ذلك يوحنا، تلميذ السيد، الذي اتكأ على صدره (يو 13: 25 و21: 20) كتب إنجيلـه وهو مازال يعيش في أفسس في آسيا. كان متَّى، جابي الضرائب السابق، وهو المعتاد على تدوين أدقّ الأمور، ربما كان في الستين من عمره وأحسَّ بالحاجة الملحَّة، قرب نهاية حياته، أن يترك وراءه سجلاً بكل ما جمعه وكتبه عن حياة يسوع. هو يبدأ سجله بعرض قائمة بسلسلة نسب يسوع وتسجيل مفصَّل عن تصوُّر يسوع المعجزي في رحم العذراء: «أما ولادة يسوع المسيح فكانت هكذا. لما كانت مريم أمه مخطوبة ليوسف قبل أن يجتمعا وُجدت حبلى من الروح القدس. فيوسف رجلها إذ كان باراً ولم يشأ أن يشهرها أراد تخليتها سراً. ولكن فيما هو متفكِّر في هذه الأمور إذا ملاك الرب ظهر له في حلم قائلاً يا يوسف ابن داود لا تخف أن تأخذ مـريم امرأتك. لأن الـذي حُبل به فيها هو من الروح القدس. فستلد ابناً وتدعو اسمـه يسوع. لأنه يُخلص شعبه من خطاياهم. وهذا كله لكي يتم ما قيـل من الـرب بالنبـي القائـل. هوذا العذراء تحبل وتلد ابناً ويدعون اسمه عمانوئيل الذي تفسيره الله معنا» (مت 1: 18- 25).
1(د) الرد على الاعتراضات فيما يختص بسلسلة الأنساب المتعارضة «كتاب ميلاد يسوع المسيح ابن داود» (مت 1: 1)، بينما يمدنا لوقا بقائمة مختلفة لنسب يسوع، وهو على ما كان يظن ابن يوسف» (لو 3: 23). ويشرح لنا چيمس مونتجومري بويس تلك المشكلة بشكل أفضل: سلسلة نسب متَّى تبدأ بإبراهيم حتى أربعة عشر جيلاً إلى أن يصل إلى داود. ويستعرض بعد ذلك أحفاد داود حتى السبي البابلي وهم أربعة عشر جيلاً، وأخيراً يذكر أربعة عشر جيلاً حتى يصل إلى «يعقوب أبي يوسف رجل مريم الذي وُلد منها يسوع الذي يدعى المسيح». أما لوقا فإنه ينتقل من الأمام إلى الخلف. هو يبدأ بيوسف ويتراجع حتى داود ثم إبراهيم. ثم يتراجع أكثر من ذلك حتى يصل إلى آدم، الذي دعاه ابن الله. هناك قسمان في سلسلة النسب التي ذكرها لوقا لا تمثلان مشكلة. لكن القسم الأخير -من إبراهيم حتى آدم - لا نراها في سلسلة متى، لذلك لا يوجد هنا أساس للمقارنة. بالنسبة للجزء الثاني من النسب - من داود حتى إبراهيم- فهو خال أيضاً من المشاكل لأنه مماثل للأنساب التي نراها في إنجيل متى. تظهر الصعوبة في القسم الأول من قائمة لوقا. لأن لوقا يستعرض أجداد يوسف حتى يصل إلى داود عن طريق ناثان وهو أحد أبناء داود، بينما يتتبع متى نفس السلسلة لكن من خلال سليمان ابن داود، لذا فإننا نجد اختلافاً في كل أسماء هذا القسم. حقيقة أن هناك خطين منفصلين لا يمثلان أي مشكلة. نحن يمكننا أن نفهم كيف أن ابنين لداود يمكن لهما أن يعطياننا شجـرتين مختلفتين من الأبنـاء. لكـن الصعـوبـة تنشأ من أن كل من متى ولوقا يدَّعي أن يوسف سليـل من شجـرة عائـلـة معينـة. لـوقـا يقول إن يـوسـف ابـن هـالـي (3: 23)، بينما متـى يقـول إن يـوسف ابن يعقوب (1: 16) وكليهما لا يمكن أن يكون صحيحاً. ولقد أعد علماء اللاهوت عدة حلول لهذه المشكلة:
1(هـ) التبني مقابل الخلقة الطبيعية يعلِّق على هذه النظرية: المتخصص في دراسة العهد الجديد هاورد مارشال قائلاً: استخدم أفريكانوس فكرة التبني والخلقة الطبيعية، واستخدم موضوع «زواج الأخ بزوجة أخيه بعد موته» ليوفِّق بين سلسلتي النسب. وطبقاً للمعلومات التي قال إنه استقاها من خلفاء القديس يعقوب، أخو يسوع، يقول أفريكانوس إن متان (مت 1: 15) تزوج بالسيدة إيثا وأنجب منها ابن هو يعقوب، وعندما مات متان، تزوجت أرملته من مَلْكي (لو 3: 24) وهذا أنجب هالي (لو 3: 23، لاحظ أن أفريكانوس لا يعلم كما هو واضح بالنسل الذي أتى بين مَلْكي وهالي في قائمة لوقا وهم متثات ولاوي). وتزوج الأخ الثاني غير الشقيق وهو هالي، لكنه توفى بدون إنجاب، لذا تزوج أخوه يعقوب من أرملته طبقاً للشريعة اليهودية، وبذلك يكون ابنه الطبيعي وهو يوسف ابناً لهالي طبقاً للشريعة. هذا النوع من الزواج مشروح في الكتاب المقدس (تثنية 25: 5 و 6، تكوين 38: 8- 10، سفر راعوث). ويشرح هذه النوعية الخبير في دراسة التوراة والتر ليفيلد قائلاً: الأرملة التي يموت زوجها بدون أن تنجب منه يمكن لها أن تتزوج أخاه، لذلك الابن المولود من الزواج الثاني ينسب للزوج الأول المتوفي لكي يستديم اسمه على الأرض. وفي النسب يمكن أن يسمى هذا الولد إما باسم أبيه الحقيقي أو القانوني. ويوسف دعي بأنه ابن لهالي في قائمة لوقا لكن كابن ليعقوب في قائمة متَّى. وفي الشريعة اليهودية يمكن أن يكون كل من هالي ويعقوب إخوة غير أشقاء، أي أن أمهما واحدة لكن الآباء مختلفون. وربما مات هالي وتزوج يعقوب أرملته. يجادل مارشال هذه النظرية ويقول: «إنها ليست مستحيلة.لكنها غير محتملة،ولا سيما إذا قبلنا القائمة العادية للوقا».
2(هـ) الأب مقابل الجد ويضيف هذا العالم: «أن يستبعد متَّى أم يوسف من قائمة النسب فهذا ليس بالأمر الغريب طالما أنه من قبل وضح أن متَّى استبعد عدداً من الناس في قائمته. مثلاً عندما يكتب متَّى في 1: 8 أن «يورام ولد عزيا. لكن عندما قورنت قائمته بما هو مدوَّن في (أخبار الأيام الأول 3: 10- 12) يتضح أنه استبعد ثلاثة أشخاص هم أخزيا ويوآش وأمصيا. لقد ترك متَّى أسماءً لكي يصل إلى الشكل الهيكلي لشجرة النسب التي يرغب فيها: «فجميع الأجيال من إبراهيم إلى داود أربعة عشر جيلاً، ومن داود إلى سبي بابل أربعة عشر جيلاً، ومن سبي بابل إلى المسيح أربعة عشر جيلاً» (مت 1: 17). لذلك فإنه ليس من غير المعقول أن نفترض قيام متَّى بترك وإهمال اسم والدة يوسف لكي يصل إلى الشكل الهيكلي الذي ترتضيه. وأكثر من ذلك، هناك في قائمته أسماء أربعة من النساء -ثامار، وراحاب، وراعوث وبثشبع. وهي حقيقة قد تقودنا إلى فكرة أنها ربما تكون سلسلة نسب تعتمد على النساء أساساً. بينما قد تكون وجهة النظر تلك حقيقية، فإنه من المستغرب أن يذكر متَّى أسماء أربعة من النساء ومع ذلك يترك اسم السيدة التي من المفترض أن تكون هي حجر الأساس لشجرة النسب، وإذا كان في حاجة للتغاضي عن بعض الأسماء بسبب الشكل الهيكلي، لماذا يسقط أهم الأسماء - وهو اسم والدة يوسف النجار؟
3(هـ) يوسف مقابل يوسف هذا الاقتراح له بعض المزايا، لكن، كما يخبرنا مارشال:«هذا الحل يعتمد على الحدس والتخمين- وليس هناك طريقة تبرهن ما إذا كان هذا الحدث مطابقاً للواقع أم لا. وللأسف لا يوجد إثبات أو عدم إثبات لهذه النظرية».
4(هـ) يوسف مقابل مريم «من الأمور التقليدية افتراض أن قائمة نسب متَّى تقتفي أثر نسب يسوع من خلال يوسف (نسبه القانوني)، بينما قائمة لوقا تهتم بنسبه من خلال مريم (نسبه الطبيعي). وهذا الحل يجد دعماً من الحقيقة التي تقول إن متَّى ركز في تسجيله للأحداث على دور يوسف أكثر من مريم، بينما كانت تسجيلات لوقا تجعل من مريم المحور الأساسي في الدراما. وهذا أيضاً ينسجم مع التخمين القديم الذي يقول بأن يوسف هو مصدر كثير من حكايات مولد يسوع عند متَّى، بينما مريم هي المصدر الذي استقى منه لوقا معظم معلوماته. كل من جيسلر وهاو يتبنيان هذا الموقف كحلّ للاختلاف بين قائمتي النسب. وتفضيلهم لهذا الموقف وأسباب قبولهم له تضيف وتدعم من ملاحظات وزرينتون: قائمة الأنساب عند لوقا ومتى مختلفتان، إحداهما تتبع نسبه عن طريق الأب القانوني وهو يوسف، والأخرى من خلال أمه وهي مريم. متَّى يمدنا بالخط الرسمي للنسب، طالما أنه يقدم يسوع لليهود الذين يهتمون بالمسيح اليهودي والذي من شروطه أن يكون من نسل إبراهيم وداود» (مت 1: 1). أما لوقا وأمامه جمع كبير من اليونانيين، يقدم يسوع بأنه الرجل الكامل (وهو مطلب يوناني يتفق مع معتقداتهم)، لذا هو يتعقب نسب يسوع حتى الرجل الأول وهو آدم» (لو 3: 38). أن يقوم متَّى بتسجيل قائمة نسب ليسوع من ناحية الآب، بينما يتتبع لوقا هذا النسب من ناحية الأم فذلك يدعمه عدد من الحقائق. أولاً، بينما تواصل كل من القائمتين التقدم حتى داود: إلا أن متَّى ينسب يسوع إلى يوسف (أبيه القانوني) ويصل به حتى الملك سليمان، والذي يرث منه المسيح الملك وعرش داود (2صم 7: 12). وفي الجانب الآخر، كان هدف لوقا أن يرى الناس المسيح كإنسان عادي، لذا هو يصل بنسبه إلى ناثان ابن داود، ثم إلى والدته مريم، والتي من خلالها يمكن أن يظهر إنسانيته الكاملة، وكونه مخلِّصاً للعالم. أكثر من ذلك، فإن لوقا لم يقل أنه يصل نسب يسوع بيوسف، بل يسجل أن يسوع «وهو على ما كان يظن» (لو 3: 23) إنه ابن ليوسف، بينما هو في الواقع ابن لمريم. أيضاً، فإن لوقا يسجل نسب مريم لأن هذا يتناسب مع تأكيده المستمر على النساء في إنجيله، والذي دُعي «إنجيل النساء». وأخيراً، فإن احتواء كل من القائمتين على نفس الأسماء على وجـه العموم (مـثل شلتـائـيل وزربابـل مـت 1: 12، لو 3: 27) لا يثبت أنهـم نفـس الأشخـاص. أولاً، هـي ليسـت مـن الأسمـاء غيـر الـمتـداولة، وأكثر من ذلـك، حتـى إذا كـانـت نفـس سلسلة النسب، فإن لوقا قد كرر اسمي يوسف، ويهوذا» (لو 3: 26 و 30). يقبل الباحث الكتابي جليسون أرشر هذا الحل، ويضيف من عنده بعض الدعم: يعطي متَّى (1: 1- 16) سلسلة نسب يسوع عن طريق يوسف، الذي كان هو سليلاً للملك داود. ولأن يسوع هو الابن الذي تبنَّاه يوسف، لذا فإنه يصبح وارثاً له قانونياً. لاحظ بدقة ما ورد في الآية 16 «ويعقوب ولد يوسف رجل مريم التي وُلد منها يسوع الذي يُدعى المسيح». وهذا شكل في العرض لا يتوافق مع ما سبقه في سرد قائمة أجداد يوسف: «إبراهيم ولد إسحق، وإسحق ولد يعقوب، الخ». لكن لم يذكر أن يوسف ولد يسوع، لكن يشار إليه بأنه «رجل مريم التي وُلد منها يسوع». في لوقا 3: 23- 38، من جانب آخر يسجل قائمة نسب مريم نفسها، ويصل بنا حتى إبراهيم ثم آدم وبداية التاريخ الإنساني. وهذا يبدو متضمناً في الآية 23: يسوع.. «كان يظن أنه ابن يوسف». هذه الكلمة (كان يظن) توضح أن يسوع لم يكن الابن الطبيعي ليوسف، بالرغم أن كل معاصريه يعلمون أنه ابنه. وهذا يدعو إلى تركيز الانتباه على الأم مريم، التي هي الوالد الوحيد ليسوع من خلال عدد من الأسلاف. لذا ذكرت سلسلة نسبها بدءاً من هالي، الذي هو يعتبر حمو يوسف، بينما أب يوسف هو يعقوب (مت 1: 16). وخط نسب مريم ينتهي إلى ناثان وهو ابن لبثشبع زوجة داود. لذلك فإن يسوع من نسل داود وبشكل طبيعي من خلال ناثان، ومن سليمان من الناحية القانونية. مازال هناك أدلة أخرى تؤيد هذا الحل نسمعها من الباحث دونالد جراي بارنهاوس: هناك قائمتان للنسب. يسير الخط متوازياً من إبراهيم حتى داود، لكن يسير متَّى هابطاً حتى يسوع عن طريق سليمان ابن داود، بينما يسير لوقا حتى يسوع عن طريق ناثان ابن داود. وبشكل آخر، كل من القائمتين تمثلان نسب أخين، والأبناء حينذاك يُعتبرون من أبناء العمومة. وعندما ذكرت أن قائمة لوقا تختص بالعذراء مريم وقائمة متَّى خاصة بيوسف، لست فقط أتَّبع التقليد الراسخ للكنيسة في العالم، كما ذكر الدكتور أور، لكن أعطي هنا التفسير الوحيد الذي يتماشى مع الحقائق. والنقطة الأساسية في الاختلاف ترجع إلى أن قائمة الملك سليمان هي القائمة الملكية، بينما قائمة ناثان هي القائمة القانونية... لكن أكبر دليل يقع في اسم معين ذكره متَّى: وهو اسم يكنيا. وهذا الاسم هو الذي يبين لماذا كانت سلسلة نسب يسوع متصلة بيوسف النجار، وهو يثبت أن يوسف لا يمكن أن يكون أباً ليسوع، وإذا كان هذا صحيحاً فإن يسوع ليس هو المسيح. إن استخدام هذا الاسم هو دليل قطعي أن يسوع هو ابن لمريم ولكنه ليس ابناً ليوسف. يكنيا هذا كان ملعوناً من الرب مما حرم كل نسله من المطالبة بحق الحكم. نحن نقرأ في (إرميا 22: 30) «اكتبوا هذا الرجل عقيماً لا ينجح في أيامه لأنه لا ينجح من نسله أحد جالساً على كرسي داود وحاكماً بعد في يهوذا». وفعلاً لم يملك أحد من أبنائه السبع على العرش (1 أخ 3: 17 و18). ولم يصبح أحدهم ملكاً بسبب لعنة الله. وإذا كان يسوع ابناً ليوسف، لكان إذن ملعوناً وما أصبح هو المسيح. من جانب آخر، فإن فرع ناثان لم يكن هو الخط الملكي. وأي ابن يولَد من صلب هالي سوف يواجه بحقيقة تواجد خط ملكي ثم ينازع أي ادِّعاء يأتي من سلالة ناثان. لكن كيف تم حلُّ تلك المعضلة؟ لقد حُلَّت بطريقة سهلة للغاية، مما سبب الارتباك لجماعة اللاأدريين الذين يبغون تمزيق الكتاب المقدس إرباً إرباً. والإجابة على ذلك كالآتي: السلالة الخالية من اللعنة أنجبت هالي وابنته العذراء مريم وكذلك يسوع المسيح، لذا هو له استحقاقات هذه السلالة وهو ينتهي بها. أما السلالة الملعونة فقد أنجبت يوسف وتنتهي عند سليمان، ومن ضمن أبناء يوسف أحدهم يعتبر ابنه من الناحية القانونية، ويعتبر أحد المستحقين لوراثة الملك. لكن كيف يتم تصحيح تلك المسألة؟ هناك لعنة تلحق بسلالة، والأخرى ينقصها الحق في وراثة الملك. لكن عندما حلَّ الله الروح القدس في رحم العذراء مريم وُولد يسوع بدون الاستعانة بأب أرضي، كان هذا الطفل الوليد من سلالة داود طبقاً للجسد، وعندما تزوج يوسف مريم وشمل الطفل الوليد برعايته وحبه، معطياً إياه اللقب الذي ورثه منذ جده سليمان، هنا أصبح السيد المسيح هو المسيح الرسمي، المسيح الملكي، المسيح غير الملعون، المسيح الحقيقي، المسيح الوحيد. وانتهى عنده تسلسل النسل، وأي إنسان يدخل العالم مدَّعياً أنه قد وفَّى الاشتراطات، سوف يكون كاذباً وابناً للشيطان. يستخلص ليفيلد من ذلك: «لدينا وفرة من الاحتمالات وليس العكس. لذلك فإن نقص التأكيدات نتيجة للمعلومات غير الكاملة، يجعلنا غير محتاجين لأن نتوقع الخطأ في أي من قائمتي النسب». ربما لا توجد معلومات كافية لحلَّ الاختلاف بين قائمتي متَّى ولوقا بشكل مؤكد، لكن من المؤكد أن فك الاشتباك بينهما ليس بالأمر العسير، لذلك فإنهما لا يمثلان عقبة حقيقية في السرد الكتابي لميلاد يسوع العذراوي.
4(ج) شهادات كل من مرقس ويوحنا وبولس وكتب روبرت جروماكي أن: لا يمكن الدفاع عن محاولة تبدأ بالصمت ثم تندرج إلى نفي الاعتقاد، أو من الصمت إلى الجهل بالمعتقدات. الرسل لم يسجلوا كل ما علموا به أو علَّموه. وفي الحقيقة، ما ندعوه الحوار الصامت الذي ينادي به التحرريون قد يعود عليهم بالعكس طالما أن بولس لم يذكر اسم أب ليسوع، هل يعني أنه كان يعتقد بأن يسوع ليس له أب إنساني؟ الكثيرون يعتبرون أن الصمت هو موافقة ضمنية وإذا كان بولس والآخرون لا يعتقدون في الميلاد العذراوي، ألم يكن في مقدورهم تصحيح الحكايات المبكرة الخاصة بهذا الشأن؟ دليل الصمت يمكن استخدامه في كلا الاتجاهين، في الواقع، لا اعتراف أو إنكار يجب أن ينبني على الحوار الصامت. كتب كليمنت روجرز قائلاً: بينما أن الميلاد العذراوي أشير إليه في بدايات الإنجيل الأول والثالث، إلا أنه لا يوجد في إنجيل مرقس. أو، كما صيغت بشكل عام، إن مرقس «لم يكن يعلم شيئاً عن ذلك»، بالرغم أن إنجيله هو الأول في التسجيل واستخدمه الآخرون وهناك أدلة قوية تقول إن إنجيل مرقس ليس سوى تسجيل لمواعظ وتعاليم بطرس التي سمعها منه، هو يمثل ما كان يعتبره القديس بطرس ضرورياً ونافعاً لإلقاء العظات على الجموع، مثل ما كان يفعله بولس عندما وعظ في أريوس باغوس وأثينا وأورشليم وأنطاكية وروما. ومن ثم، ولأسباب واضحة، كان موضوع الميلاد العذراوي ليسوع ليس من الأمور التي يجب أن ينادى بها في تلك العظات، ولاسيما أن والدته كانت مازالت على قيد الحياة، ومن الممكن أنها كانت معروفة لهؤلاء المستمعين. كانت الدعوة الرئيسية أن يسوع أعطى وحقق العلامات التي وضعها، وفوق كل شيء، أحداث آلامه. ومن الجانب الآخر، يذكر ميلارد أريكسون: حقيقة، يوجد عنصر في إنجيل مرقس يعتبره البعض بأنه إشارة إلى أنه علَّم عن الميلاد العذراوي وهذا نجده في (مر 6: 3). وفي النص الموازي له في إنجيل متى نقرأ أن أهل الناصرة تساءلوا «أليس هذا ابن النجار؟» (مت 13: 55)، ولوقا «أليس هذا ابن يوسف؟» (لو 4: 22)، مع ذلك نقرأ في مرقس «أليس هذا هو النجار ابن مريم، وأخو يعقوب ويوسي ويهوذا وسمعان. أوليست أخواته ههنا عندنا؟». هنا نلمس أن مرقس يتحاشى الإشارة إلى يسوع كابن ليوسف. وخلافاً لمن يقرأ كل من إنجيلي متى ولوقا، الذين ذكروا الميلاد العذراوي في بدايات أناجيلهم، فإن القاريء لإنجيل مرقس لن يعلم بهذا الأمر. لذا هو يختار كلماته بكل دقة لكي لا يعطي انطباعاً خاطئاً. النقطة الهامة لنا أن ذكر مرقس للأحداث لا يعطينا أي أساس مهما كان لنستنتج أن يوسف هو أب ليسوع. لذلك، بالرغم أن مرقس لا يمدنا بحقيقة الميلاد العذراوي إلا أنه لا يعارضه أو ينفيه. أعتقد أن القديس يوحنا يذكر الميلاد المعجزي ليسوع وذلك باستخدامه لفظة (ابنه الوحيد) في يوحنا 3: 16. ويعلق على هذه النقطة چون رايس قائلاً: كان يسوع يشير إلى نفسه دائماً بأنه «ابن الله الوحيد». والآن، فإن كلمة «الابن» هي تعبير إنساني، يشير إلى دور الذكر في مولد الطفل. إنها تشير إلى الميلاد الطبيعي للبشر. لقد أصرَّ يسوع على أنه ليس من نسل يوسف لكن هو مولود من الله. وكلمة «Monogenes: وحيد الجنس» مذكورة ست مرات في العهد الجديد تشير إلى يسوع كابن وحيد للآب، وفي مرتين أشار يسوع لنفسه بنفس الكلمة! لاحظ أن يسوع لا يقول بأنه مولود من الله، بل يقول بأنه الوحيد الذي وُلد منه. ولا يوجد أحد من قبل وُلد من عذراء، وبالمعنى الروحي، أن المسيحيين «مولودين.. ثانية لرجاء حي» (1بط 1: 3)، لكن معنى أن يكون يسوع مـولوداً من الله، فهذا لم يحدث مثله لأحد من قبل أو بعد. من الواضح أن يسوع يقـول بـأنـه مـولود مـن الآب السمـاوي ولـيس من أب بشـري. سلسلة النسب التي يذكرها القديس يوحنا تقول «في البدء». من وجهة نظر الوجود الإلهي، لذا لا يتعامل هنا مع الميلاد العذراوي: «في البدء كان الكلمة.. والكلمة صار جسداً» (يو 1: 1 و 14). وبالمثل وبالنسبة لبولس «عرف بولس القديس لوقا جيداً، وكان رفيقه في السفر لمدة طويلة، وكان معه في روما. ولوقا هو المصدر الرئيسي لرواية مولد السيد. وبالطبع علم بها القديس بولس، ومن الطبيعي وقد عرفها، لذا يتكلم عن السيد قائلاً: «أرسل الله ابنه مولوداً من امرأة» وليس من رجل (غل 4:4). أليس من المستغرب أن العديد من الناس يحتفلون بأعياد الكريسماس كل سنة بدون أن يكونوا على وعي كامل بتفرُّد الحدث الذي يحتفلون به: طفل وُلد من عذراء!.
2(ب) شهادات كتابية أخرى عن الميلاد العذراوي
1(ج) الوقت وبخصوص اعتقاد الكنيسة الأولى في الميلاد العذراوي يكتب جريشام ماكين: «وحتى... إذا لم يذكر العهد الجديد أي شيء عن هذا الموضوع، فإن شهادة القرن الثاني سوف تبين أن الاعتقـاد في الميلاد العذراوي قد برز، على الأقل، قبل نهاية القرن الأول الميلادي». كان قانون إيمان الرسل هو أول القوانين الإيمانية في الكنيسة الأولى، وبالنسبة للميلاد العذراوي ويقول هذا القانون إن يسوع «حُبل به من الروح القدس ووُلد من العذراء مريم». وفيما يختص هذا الإيمان الشامل للكنيسة يكتب أريكسون قائلاً: صيغة (قانون إيمان الرسل) التي نستخدمها الآن نشأت أولاً في فرنسا في القرن الخامس أو السادس الميلادي، لكن جذورها الأولى تعود إلى أبعد من ذلك. هو في الواقع يعود إلى الاعتراف عند المعمودية وهو اعتراف روماني قديم، والميلاد العذراوي سواء في الصيغة المبكرة أو المتأخرة لهذا القانون الإيماني. وما أن بلغ منتصف القرن الثاني حتى ساد الشكل المبكر لهذا القانون الإيماني، ليس فقط في روما، لكن أيضاً بواسطة ترتليان في شمال أفريقيا وإيريناوس في فرنسا. كان تواجد عقيدة الميلاد العذراوي يلقي تأييداً من الكنيسة في روما، وهي كنيسة مهمة وكبيرة له دلالة خاصة. كان يوجد في الكنيسة الأولى، عدد قليل يعترض على الميلاد العذراوي. بعض هذه الهرطقات تتصل بجماعة من اليهود المسيحيين تدعى الأبيونيين، يوجد بعض منهم قبل بالميلاد العذراوي، إلا أن عدداً آخر منهم لم يقبله. وهؤلاء المعترضون كانوا يرفضون استخدام الكنيسة للآية التي وردت في إشعياء 7: 14 الخاصة بنبوة العذراء التي ستلد ابناً. وقالوا بأنه يجب ترجمة النص بأنه «امرأة شابة».وخلافاً لتلك الجماعة، كانت باقي الكنيسة تؤمن بالميلاد العذراوي للمسيح واعتبرتها من معتقداتها الأصيلة. ويكتب چيمس أور في تلك النقطة: «خلافاً لجماعة الأبيونيين.. وبعض من طائفة الغنوسيين، لا أحد من مسيحيي الأيام الأولى لم يقبل بعذراوية ميلاد المسيح من القديسة مريم كجزء أصيل من عقيدتهم... ولدينا أدلة كافية تؤكد أن هذه العقيدة كانت جزءاً من الاعتقاد العام للكنيسة». عند الحديث عن الكنيسة الأولى، يقول أرستيد: «كل ما نعرفه عن العقائد السائدة في الجزء الأول من القرن الثاني يتفق مع الإيمان بعذراوية مريم، وهذا كان يمثل جزءاً هاماً من الإيمان المسيحي».
2(ج) شهادة آباء الكنيسة الأولى يقول إريكسون بأن أغناطيوس بكلامه هذا كان يعارض جماعة من الناس يدعون الدوسيتيين، هؤلاء الناس كانوا ينكرون طبيعة المسيح البشرية وأنه إجتاز فعلاً ولادة بشرية وعانى من الآلام. بالنسبة لهم كان يسوع قدوساً لكن ليس إنساناً. فتحدَّى أغناطيوس هذه الهرطقة بإصداره «ملخص الحقائق الخاصة بالمسيح». من ضمن تلك الحقائق كان «الاعتقاد بدوام عذراوية القديسة مريم كأحد الأسرار التي لا يُنطق بها». وتبعاً لما يقوله إريكسون: هناك عدد من الملاحظات تجعل من هذا الاعتقاد شأناً أعظم: (1) لأن أغناطيوس كان يكتب معارضاً هذه الجماعة، فإن تعبير «مولود من امرأة (كما في غلاطية 4: 4) مفيد له أكثر من «مولود من عذراء». (2) أن هذا الاحتجاج لم يكتبه إنسان مبتديء، لكن كتبه أسقف الكنيسة الأولى لمسيحيي الأمم. (3) كتب هذا في حدود سنة 117م. وكما يلاحظ جريشام ماكين عندما قال: «عندما نجد إن أغناطيوس يُصدِّق على الميلاد العذراوي ليس كأمر جديد لكن كأمر بديهي، كأحد الحقائق المقبولة الخاصة بالمسيح، ومن الواضح أن الاعتقاد في الميلاد العذراوي كان سائداً قبل نهاية القرن الأول». ويكتب كليمنت روجرز «لدينا دليل آخر يوضح أن الإيمان الذي جاهر به أغناطيوس لم يكن جديداً عليه. لأننا نعلم بأن ميلاد المسيح العذراوي الذي يؤمن به المسيحيون كان يُهاجم من الآخرين. فمثلاً كان هناك سيرينيوس المعارض المعاصر للقديس يوحنا، ويقال إن يوحنا تقابل مع هذا الرجل في الحمامات العامة وصاح: «دعنا نهرب لكي لا ينطبق علينا الحمَّام بسبب تواجد سيرينيوس، عدو الحقيقة، المتواجد هنا». هذا الرجل، كما أخبرنا إيريناوس كان يُعلِّم بأن المسيح وُلد من علاقة يوسف بمريم. وهناك أيضاً شهادة بعض الكُتَّاب الذين ظهروا بعد أيام الرسل، ومنهم أرستيدس الذي كتب في سنة 125م عن الميلاد العذراوي «هو ابن الله في الأعالي، والذي تصوِّر في الروح القدس، أتى إلينا من السماء، ووُلد من عذراء عبرانية وأخذ جسدا ًمنها... وهو الذي حسب الجسد وُلد من جنس العبرانيين، بقوة الله التي حلَّت على العذراء مريم». ويعطينا چاستن مارتر في سنة 150م دليلاً مطولاً عن الحبل المعجزي ليسوع «معلمنا يسوع المسيح، لم يولد نتيجة لتزاوج جنسي... نزلت قوة الله على العذراء وظللتها، وجعلتها وهي مازالت عذراء حاملاً... لأنه، بقوة الله حُمل به من عذراء... بإرادة الله، ولد ابنه يسوع المسيح من العذراء مريم». كان ترتليان من أبرز المتكلمين باللغة اللاتينية والذي أعتنق المسيحية وكان مدافعاً عنها، يخبرنا أن تلك العقيدة لم توجد فقط في أيامه (200م) بل إنه اعتقاد مسيحي كانت تأخذ به كل الكنائس. وقد اقتبس هذه العقيدة أربع مرات (مريم العذراء).
3(ج) الشهادة اليهودية المبكرة يقول إيثيلبرت شتوفر: «في قائمة نسب ظهرت قبل سنة 70م، ذكر فيها أن يسوع ابن غير شرعي لامرأة متزوجة. ومن الواضح أن الإنجيلي متَّى كان على علم بمثل تلك القوائم وكان يحاربها باستمرار. وبعد ذلك حرص حاخامات اليهود على دعوة يسوع بأنه ابن زنى. وادَّعوا بأنهم يعلمون اسم والده وهو المدعو بانثيرا. وفي الكتب اليهودية القديمة نجد تكراراً لاسم: (يسوع ابن بانثيرا). ويعدِّد كلسس سنة 160 ميلادياً تفصيلات أكثر عن العلاقة المزيفة ما بين مريم وعضو الجيش الروماني بانثيرا». وفي الكتاب اليهودي «تولدوث جيشو» الذي ظهر في القرن الخامس (أو بعد ذلك) توجد قصص خيالية عن يسوع، وهو يذكر أن يسوع من «أصول غير شرعية، بسبب العلاقة التي نشأت بين أمه والمدعو بانثيرا». يكتب المتشكك اليهودي هيو شونفيلد: «قال شمعون بن عزاي إنه وجد مخطوطة أنساب في أورشليم، وكان مكتوب فيه «فلان الفلاني ابن حرام ، وشمعون هذا كان يعيش في نهاية القرن الأول وبداية الثاني». وطبقاً لما أورده شونفيلد فإن هذه المخطوطة كانت موجودة أيام حصار أورشليم سنة 70 ميلادية. وفي السجلات اليهودية القديمة يذكر يسوع بدلاً من «فلان الفلاني». ويستمر شونفيلد في قوله «ليس هناك اعتراض على ما جاء في هذه المخطوطة، إلا إذا حرصت القائمة المسيحية لسلسلة الأنساب أن تدلل على أن ميلاد المسيح لم يكن طبيعياً». وطبقاً لمرجع شمعون، يقول شونفيلد إن الهجوم ضد يسوع «باعتبار أنه كان غير شرعي، يرجع إلى تاريخ مبكر». يكتب أوريجانوس في مجال رده على كلسوم: مع ذلك، دعنا نعود، إلى الكلام الذي ينطق به اليهود، وهو أن أم يسوع توصف بأنها قد تم تخليتها من قِبَّل خطيبها النجار، واتُهمت بأنها كوَّنت علاقة مع الجندي المسمى بانثيرا. دعنا نتدبَّر ما إذا كان هؤلاء الذين لفَّقوا هذه الأسطورة بأن مريم أنشأت علاقة محرَّمة مع بانثيرا وأن النجار تخلَّي عنها، لم يكونوا عمياناً عندما دبَّروا هذه التهمة لكي يتخلصوا من الحبل المعجزي بالروح القدس. ولأن طبيعة هذه المعجزة الخارقة، لم تجعلهم غير قادرين على ابتكار أكاذيب أخرى تطغي على حقيقة أن يسوع لم يولد بطريقة عادية، ولا مفرَّ لمن رفضوا ميلاده المعجزي أن يخترعوا بعض الأكاذيب، لكن هناك حقيقة ناصعة تقول إنهم لم يفعلوا ذلك بطريقة حقيقية، لكن جعلوها كجزء من الرواية التي تقول بأن مريم لم تحمل بيسوع عن طريق يوسف. وجعلوا بذلك تلك القصة الملفقة واضحة أمام أعين الناس الذين يستطيعون بكل سهولة أن يتحققوا من القصص الخيالية ويكتشفونها. هل من المعقول أن هذا الرجل الذي كان دائماً يسارع لفعل كل ما هو نافع للبشرية، أن لا يكون مولده معجزياً، بل يكون ميلاداً مشيناً وغير شرعي؟ لذا فمن المحتمل أن هذا الشخص الذي، عاش حياة أكثر طهارة من عديد من الناس (لكي يتجنب أن يسيء للمسألة إذا قال «كل الناس»)، وأن يكون في حاجة لجسد مماثل للجسد البشري، المميز بين أجساد البشر بل هو جسد أكثر سمواً ورفعة من الآخرين. والمعارضات ظهرت حتى في الأناجيل ذاتها «أليس هذا هو النجار ابن مريم وأخو يعقوب ويوسي ويهوذا وسمعان. أوليست أخواته ههنا عندنا» (مر 6: 3). وكتب في هذا ايثيلبرت شتوفر قائلاً: «ما ظهر في إنجيل مرقس يؤيد ذلك الموقف. فاليهود لديهم عادات محددة لإطلاق الأسماء على المولودين، فاليهودي يسمى باسم أبيه (يوحنا بن ساكاي مثلاً) حتى إذا مات أبوه قبل ولادته. ويسمى باسم أمه إذا لم يعرف من هو الأب». وأكثر من ذلك، نعلم أنه مذكور في الـ (لوچيا) أن يسوع اتُّهم بأنه «سكير وأكول». ولابد أن هناك أساساً لإطلاق هذه التهمة. لأنها تتفق تماماً مع اتجاهات يسوع ورد فعل الفريسيين تجاهه. والآن، هذه الإهانة الخاصة يطلقها يهود فلسطين على الشخص الذي له صلات غير شرعية، والذي تفضحه طريقة تصرُّفه في الحياة، وسلوكه الديني يحكم مولده المشكوك فيه. هذا هو الإحساس الذي سيطر على الفريسيين واتباعهم عندما استعملوا تلك الجملة والتي تعني أنه «ابن غير شرعي». توضح التصورات اليهودية ولصق تهمة اللاشرعية على المسيح (قبل سنة 70م) أنه كان هناك شك وسطهم من ناحية أبوَّتُّه. وهذا واضح لأن الكنيسة المسيحية بعد أربعين سنة على الأكثر من موت يسوع، كانت تعلم بالتأكيد شيئاً عن الحدث غير العادي الذي صاحب مولده- وبالتحديد ولادته من عذراء.
4(ج) القرآن يشير القرآن بكل وضوح عن الميلاد العذراوي لمريم، في سورة مريم الآية 20. وطبقاً لهذه الفقرة، عندما أعلن لمريم أنها سوف تحمل بغلام، أجابت «كيف يكون هذا، لأنني عذراء ولم يمسني بشر» ويستمر الحديث إلى أن يقول «إنه أمر سهل بالنسبة إليَّ (الله)» ثم «نفخ فيها من روحه».
3(ب) أقوال بعض الكُتَّاب الآخرين يكتب جريفيث توماس قائلاً: «الداعم الرئيس لهذا المعتقد (الميلاد العذراوي) هو ضرورة تسجيل تفرَّد حياة يسوع». ويذكر هنري موريس: إنه من المناسب أن من صَنع معجزات عديدة أثناء حياته، والذي قدَّم نفسه على الصليب كفارة عن خطايا كل البشر، والذي قام بعد ذلك بجسده من الأموات محققاً بذلك بشريته الفريدة بالدخول إلى العالم بطريقة فريدة. إذا كان هو حقاً مخلصنا، يجب أن لا يكون مجرد إنسان عادي، مع أنه ابن الإنسان، ولكي يموت من أجل خطايانا، يجب أن يكون هو ذاته بدون خطية، ولكي يكون بلا خطية في التطبيق، يجب أن يكون بلا خطية كطبيعة. إنه لم يرث الطبيعة البشرية التي سقطت تحت لعنة وقيود الخطية كما يحدث مع كل بني آدم. لذا كان واجباً أن يكون مولده معجزياً. فنسل المرأة زُرع في رحم العذراء، كما قال الملاك «الروح القدس يحلُّ عليك وقوة العلي تظللك. فلذلك أيضاً القدوس المولود منك يدعى ابن الله» (لو 1: 35). ليس فقط كان الميلاد العذراوي حقيقياً لأننا تعلمناه من الكتاب المقدس، لكن أيضاً لأنه هو النوع الوحيد من الولادات المتوافقة مع شخصية وعمل يسوع المسيح، وكذلك خطة الله لخلاص العالم الضائع. وعندما نقول إن هذه المعجزة مستحيلة، فبذلك ننكر وجود الله أو ننكر قدرته على ضبط خليقته. لتلخيص دليل الميلاد العذري ليسوع، يقول جريشام ماكين «لذلك هناك أساس قوي، كما نعتقد، لأن نتمسك بأن السبب في أن الكنيسة المسيحية اعتقدت في ولادة يسوع بدون أب بشري هو أنه من الطبيعي أن يكون ميلاده إلهي. ويستنتج كليمنت روجرز أن «كل الأدلة تتجه نحو إثبات الميلاد المعجزي ليسوع المسيح». لقد كان دخول السيد إلى عالمنا فريداً في نوعه.
3(أ) إذا أصبح الله إنساناً، نتوقع أن يكون بلا خطيئة
1(ب) نظرة يسوع عن نفسه وقال أيضاً «لأني في كل حين أفعل ما يرضيه» (يو 8: 29). وهو أبوه السماوي. من الواضح أن يسوع عاش في اتحاد كامل مع الله. إن إحساس المسيح بالطهارة والنقاوة شيء مدهش، وهذا يختلف تماماً عن تجربة باقي المؤمنين بالله، وكل مسيحي يعلم أنه كلما جاهد في الاقتراب من الله، كلما كان إدراكه لخطاياه أعظم. مع ذلك، لم يكن الأمر هكذا بالنسبة ليسوع. لقد عاش ملتصقاً بالله أكثر من أي فرد آخر، ومع ذلك كان حراً من شعوره بالذنب أو الخطيئة. وإلحاقاً لهذا الخط من التأملات، قيل لنا عن التجارب التي تعرَّض لها يسوع (لو 4) لكن لم نقرأ عن أي خطايا يكون قد ارتكبها. لم نسمع أبداً وهو يعترف أو يطلب المغفرة عن أي عمل خاطيء ينسب إليه، بالرغم أنه يطالب تلاميذه دائماً بذلك. ويبدو أنه ليس لديه أبداً إحساس بالذنب الذي يلازم الخطية والتي تعتبر طبيعة متواجدة في باقي أعضاء الجنس البشري. ويكتب س. جيفرسون «أفضل الأسباب التي تؤيد عدم تعرض يسوع للخطية هي حقيقة أنه سمح لأخلص أصدقائه أن يظنوا فيه كذلك. في كل أقواله لا نرى ظلاً للأسف أو حتى شيئاً صغيراً من تأنيب الضمير أو مجرد قدر من الأسى بسبب تقصير أو فعل مخالف. لقد علَّم الآخرين بأن ينظروا لأنفسهم كخطاة، وأكد بكل وضوح أن قلب الإنسان شرير، وأخبر تلاميذه أنهم عندما يصلُّون يجب أن يطلبوا مغفرة ذنوبهم، لكنه لم يتكلم أبداً كما لو كان يعاني بأقل قدر من التأنيب، وأن ما يفعله ليس أكثر من كونه باعثاً لسرور الآب. ويذكر فيليب شاف في هذا الشأن قائلاً «إنها حقيقة لا يمكن إنكارها، سواء من كلامه أو تصرفاته، إنه عرَّف نفسه بأنه خالي تماماً من الخطية أو الذنب. التفسير المنطقي لهذه الحقيقة هو أن المسيح لم يكن أبداً من الخطاة». ونستمع إلى شهادة أخرى صادرة من أ. جارفي «إذا وجدت أي خطية سرية فيه، أو حتى ذكر لخطية سابقة، فإن هذا يوضح أن هناك جموداً أخلاقياً وتناقضاً لا يمكن إصلاحه في الإدراكات الأخلاقية التي تبرز في تعاليمه». ويضيف س. جيفرسون «لا يوجد ما يدل على أن يسوع كان يشعر بالذنب لارتكابه لأي خطية». ويخبرنا چون ستوت «شخصية يسوع تكشف تماماً أفكاره ومعتقداته. من الواضح هنا أن يسوع صدَّق نفسه بأنه بلا خطية، كما صدق بنفسه أنه هو المسيح وابن لله». ويشهد المؤرخ الشهير كينث سكوت لا توريت «هناك صفة أخرى في يسوع، وهي غياب أي شعور بأنه ارتكب خطية أو فساد... إنه أمر بالغ الأهمية عندما نلاحظ أخلاقياته الحساسة. هو الذي طلب من أتباعه أن يطلبوا دائماً غفران خطاياهم وآثامهم، لكن ليس هناك أي إشارة إلى حاجته هو الشخصية لغفران أي خطايا، ولا طلب للعفو سواء ممن كانوا يتعاملون معه أو من الله».
2(ب) شهادة أصدقائه أثناء اتصالهم المستمر به، لم يجدوا أي خطايا تمسه كما هو الشأن معهم. لقد ثاروا على بعضهم البعض، وغضبوا وتناقشوا بكل حدة، لكنهم لم يلاحظوا مثل تلك الأمور في سيدهم يسوع. وبسبب خلفياتهم اليهودية البحتة، فإنه من الصعب عليهم أن يقولوا بأنه بلا خطية، إلا إذا كان هو بالفعل كذلك. وأكثر المخالطين له، وهما يوحنا وبطرس، يؤكدان أنه بلا خطية. في 1بطرس 1: 19«بل بدم كريم كما من حمل بلا عيب ولا دنس». 1بطرس 2: 22 «الذي لم يفعل خطية ولا وُجد في فمه مكر». قال يوحنا الحبيب إن أي إنسان يقول بأنه بلا خطية، فهو كاذب، وهو يَّدعي أيضاً أن الله كاذب أيضاً. مع ذلك، فإن يوحنا أيضاً شهد بشخصية يسوع التي بلا خطية عندما قال «ليس فيه خطية» (1يو 3: 5). وحتى ذاك الذي يعتبر مسئولاً عن موت يسوع، يشهد ببراءة وقداسة يسوع. هوذا يهوذا وبعدما خان يسوع، يعترف ببر السيد وشمَله ندم شديد، وقال «قد أخطأت إذ سلمت دماً بريئاً» (مت 27: 3 و 4). «لأنه (أي الله) جعل الذي لم يعرف خطية (يسوع) خطية لأجلنا لنصير نحن بر الله فيه» (2كو 5: 21). وتعليقاً على تلك الفقرة، يقول موراي هاريس: يبدو أن بولس كان يهدف في قوله هذا إن يسوع أصبح ذبيحة خطية مقدمة عنا. لكن هو لم تمسه أي خطية. إن التعبير عن المسيح الذي بلا خطية أمر مبهر، وكل خطية ذنبها مريع وأهم نتائجها هو الانفصال عن الله. لذا قال بولس من أعماقه «جعله الله.. خطية لأجلنا» تصريح بولس بعدم تواجد أي خطية في المسيح، يمكن أن نقارنه بما قاله بطرس (1بط 2: 22) الذي اقتبس من (إش 53: 9) ويوحنا (1يو 3: 5)، وكذلك كاتب الرسالة إلى العبرانيين (عب 4: 15، 7: 26)، وكما أن «بر الله» هو أمر خارج عن نطاق البشر، فإن حمل الخطية التي حملها المسيح عنَّا تعتبر أيضاً خارجة عن طبيعته. إنه لم يعرف الخطية التي ربما يكون مصدرها اتجاه أو فعل أو قول خاطيء. وكاتب الرسالة إلى العبرانيين يضم صوته إلى تلك الدعوة قائلاً: «لأنه ليس لنا رئيس كهنة (يسوع المسيح) غير قادر أن يرثي لضعفاتنا بل مجرب في كل شيء مثلنا بلا خطية» (عب 4: 15). والباحث في العهد الجديد فيليب هيوس يستحضر أمامنا المعاني العميقة وراء هذا النص بقوله: التجربة في حد ذاتها تعتبر أمراً محايداً: أن تجرب فهذا لا يعني الصلاح أو السقوط في الخطيئة، لأنه ما يتضمنه التعرض للتجربة هو الاختبار: لكن الإثبات، والصلاح يتحقق عند مقاومة التجربة والتغلب عليها، بينما الخطيئة تكمل عند الإذعان والاستسلام. لذا تعرض كاهننا الأعظم للتجربة يشبه تماماً ما قد نتعرض له نحن. من البداية حتى النهاية وُضع هو في اختبار، إما بإغراء الاهتمام بالذات، أو الاعتراف العالمي به، أو الطموح للحصول على القوة، وذلك عندما حاصره الشيطان في البرية (مت 4: 1)، أو عندما تعرَّض للتجربة في البستان لكي يتراجع بدلاً أن يقدم على تلك المهمة المخيفة التي عرضت عليه (مت 26: 38)، أو بالاقتراحات التي انهالت عليه وهو معلَّق متألم فوق خشبة الصليب «إذا كنت ابن الله فانزل عن الصليب» (مت 27: 40)... كل حياته على الأرض كانت عبارة عن اختبار وبرهان على صلاحه: وهذا ما أخبر به تلاميذه المخلصين، عندما اقترب وقت الجلجثة، لأن هؤلاء الرجال استمروا معه وهو يتعرض للتجارب (لو 22: 28). هو لم ينتصر فقط على التجربة، لكن عندما تحقق له ذلك اكتسب أعمق مشاعرنا الخاصة بضعفاتنا، وفي نفس الوقت أوضح لنا أن الوهن والضعف الإنساني فيه تتجلى قوة الله وانتصار نعمته (2كو 12: 9). إن كاهننا الأعلى لم يجز فقط الاختبارات الصعبة التي مرت عليه، لكنه حقق الانتصار على كل تجربة، وكان هذا واضحاً عندما أضيفت العبارة التي تقول «الذي بلا خطية». معنى هذه الصفات له دلالة كبرى. وهو أمر فريد، فلو سقط يسوع في التجربة وخضع لها فإنه سيحتاج هو أيضاً إلى كفارة عن خطاياه، ولذلك لن يختلف عن رؤساء الكهنة في الزمن القديم الذين كانوا يقدمون التضحيات كفارة عن خطاياهم الشخصية أولاً (عب 7: 27)، ولن يكون أفضل منهم عندما كانوا ينوبون عن الشعب في الحصول على الخلاص الدائم. وهناك أمر آخر بالنسبة له، حيث بتقديم ذبيحة عن نفسه سيكون هو بذلك الضحية والمضحي أيضاً، وإذا تعرَّض للخطية فعلاً، سيؤدي هذا إلى تعجيزه في تقديم نفسه كحمل الله الذي بلا عيب ويجعله غير مقبول عند الله (1بط 1: 19، أف 5: 2، يو 1: 29).
3(ب) شهادة أعدائه وبيلاطس أيضاً وجد أن يسوع بريء.. وبعد مساءلته وتدبير تلك التهم الباطلة الموجهة إليه، قال بيلاطس للقادة الدينيين ولباقي الشعب الثائر: «ها أنا قد فحصت قدامكم ولم أجد في هذا الإنسان علَّة مما تشتكون به عليه» (لو 23: 14). وحتى بعدما صرخ الشعب الغاضب مطالبين بصلبه، تساءل بيلاطس وهو غير مصدق «فأي شرَّ عمل هذا. إني لم أجد علَّة للموت» (لو 23: 22). وأعلن قائد المئة الروماني الواقف بجوار الصليب «بالحقيقة كان هذا الإنسان باراً» (لو 23: 47). كان أعداء يسوع يداومون توجيه الاتهامات له في محاولة منهم لإدانته عن خطأ ارتكبه، لكن لم ينجحوا أبداً في مسعاهم (مر 14: 55 و 56). ويخبرنا القديس مرقس عن أربعة من هذه الانتقادات (مر 2: 1- 3: 6). أولاً، اتهمه أعداؤه بأنه ارتكب معصية عندما غفر خطية إنسان. مع ذلك، إذا كان يسوع قدوساً فهو لديه السلطة والقدرة لأن يغفر الخطايا. ثانياً، لقد ارتعبوا عندما وجدوه يخالط الخطاة ، العشارين، الزناة وأمثالهم. كثير من القادة الدينيين ظنوا أنه يجب على الأبرار أن لا يختلطوا مع الأشرار. ردَّ يسوع على هذه التهمة بالإشارة إلى أنه طبيب أتى ليشفي الخطاة (مر 2: 17). ثالثاًً، اتَهم يسوع بأنه يكسر أحد قواعد اليهودية لأنه هو وتلاميذه لم يصوموا كالفريسيين. أجاب يسوع بقوله إنه لا حاجة لهم لأن يصوموا، لكن عندما يترك تلاميذه، سوف يكون مقرراً عليهم أن يصوموا. وأخيرا، حاول النقَّاد أن يجدوا خطأ في ممارساته، لأنه كسر التقليد الذي يحتم ترك العمل يوم السبت وذلك عندما شفى الناس وأكل السنابل في ذلك اليوم المقدس. مع ذلك، فإن يسوع دافع عن نفسه وأعماله بالإشارة إلى المغالطات التي تزخر بها تقاليدهم. بالتأكيد كان يسوع مطيعاً لقوانين الله. ومن جهة أخرى، لأنه هو ذاته «سيد يوم السبت». لقد اختار أن لا يطيع التقاليد الإنسانية التي في الحقيقة غطت على التفسير الحقيقي والنيات التي قصدها الله.
1(ج) تأكيد التاريخ يؤكد المؤرخ الكنسي فيليب شاف أنه بالنسبة للمسيح «هوذا قدوس قديسي العالم كله» «لم يعش أبداً إنسان لم يضر العالم إلا يسوع فقط لم يسيء لأحد، ولم يستغل أحداً. ولم ينطق بأي جملة مسيئة، ولم يفعل أبداً أي خطأ». الانطباع الأول الذي نتلقاه من حياة يسوع هو نقاؤه الكامل بلا خطية في عالم يسبح في الخطية. وهو بمفرده، امتاز بنقاوة الأطفال غير الملوثة سواء في فترة شبابه أو رجولته. ولذلك كانت الحمامة والحمل هما المفضلان إليه في ضرب الأمثال». في كلمة واحدة، نقول إنه الكمال المطلق الذي رفع من صفاته إلى أعلى مكانة، متفوقاً على أي بشر وجعل منها استثناءً في الكون كله، إنه المعجزة الأخلاقية في التاريخ. إنه المثال الحي للنموذج المثالي للفضيلة والقداسة، وأعظم مثال لكل ما هو طاهر وحسن ونبيل في نظر الله والإنسان». «هكذا كان يسوع الناصري، إنساناً كاملاً وهو في الجسد، والعقل، والروح، مع ذلك فهو مختلف عن البشر، يمتاز بصفات أخلاقية متفردة منذ طفولته الرقيقة حتى رجولته الناضجة، وهو يسير دائماً في اتحاد كامل مع الله، غامراً الإنسان بكل حبه، خال من كل خطية أو ذلل، بريء وقدوس، مكرِّساً كل جهده لتحقيق المثل العليا، معلماً وممارساً لكل الفضائل في نماذج مدهشة، مختتماً أطهر حياة مع أسمى أنواع الموت، ونعرفه دوماً منذ ذلك الحين بأنه المثال الكامل الوحيد لكل ما هو حسن ومقدس». ويضيف چون ستوت قائلاً: «إنكار الذات هذا الذي نلمسه فيه وهو يخدم الله والإنسان هو ما يسميه الكتاب المقدس بالحب. ليس هناك منفعة شخصية من هذا الحب. وعصارة هذا الحب هو التضحية بالنفس. أسوأ الناس يزين حياته بومضات مؤقتة من النبل والإحسان، لكن حياة يسوع سطعت بوهج دائم ومبهر. كان يسوع بلا خطية لأنه أنكر ذاته، مثل هذا التصرف نسميه الحب. ونعلم أن الله محبة». ويقول ولبر سميث «نعلم أن الصفات المدهشة التي تحلَّى بها يسوع في حياته الأرضية تنقصنا جميعاً، ويتعرف عليها الكل بأنها أخلاقيات لا تُقدر بثمن، فهي ليست سوى الفضيلة المطلقة، أو لنعبِّر عنها بشكل أفضل، نقول إنها الطهارة الكاملة، القداسة الأصيلة، وبالنسبة ليسوع ليست هي سوى العيش بلا خطية». لكي يعيش الفرد بلا خطية ليس بالأمر السهل، لكن يسوع عاشها وكما يلاحظ ولبر سميث: «عاش خمسة عشر مليوناً من الدقائق على الأرض، وسط جيل شرير وفاسد. وكل فكر، كل عمل، كل غرض وأي جهد سواء كان خاصاً |