العودة الى قائمة المواضيع

 اطبع هذا المقال

 البراهين المؤيدة لشخصية يسوع


برهان الألوهية :القضية العظمى

 

مقدمة

دخول فريد في التاريخ البشري
 
الشهادات الكتابية على الميلاد العذراوي
شهادات كتابية أخرى عن الميلاد العذراوي
أقوال بعض الكتَّاب الآخرين
إذا أصبح الله إنساناً، نتوقع أن يكون بلا خطيئة
 
نظرة يسوع عن نفسه
شهادة أصدقائه
شهادة أعدائه
إذا أصبح الله إنساناً، نتوقع أن يظهر تواجده غير العادي في أفعال غير عادية- وهي المعجزات
 
الشهادات الكتابية
تعليقات على معجزاته
الشهادات اليهودية المبكرة
لإسكات النقاد
إذا أصبح الله إنساناً، نتوقع أن يحيا حياة الكمال المطلق
 
ماذا يقول أصدقاؤه
ماذا يقول المعارضون
إذا أصبح الله إنساناً، فسوف تكون كلماته أعظم ما قيل
 
يذكره العهد الجديد
أعظم الكلمات
إذا أصبح الله إنساناً، نتوقع أن يكون تأثيره شاملاً ودائماً
إذا أصبح الله إنساناً، نتوقع أن يشبع الحاجات الروحية للإنسان
إذا أصبح الله إنساناً، نتوقع أن يقهر أشرس أعداء الإنسان، ومصدر خوفه الدائم- وهو الموت
 
موته
دفنه
قيامته

 

(أ) مقدمة
«إذا أصبح الله إنساناً ماذا سيكون شكله؟»

«هل حاز يسوع صفات الله؟»

لكي نجيب على تلك الأسئلة، سوف يكون مناسباً أن نجيب على بعض الأسئلة الأخرى:

«لماذا يتحتم أن يصير الله إنساناً؟»

يوجد سبب فريد يمكن أن نستوعبه بشكل كامل. تصوَّر أنك تراقب فلاحاً وهو يحرث قطعة من الأرض. ثم تشاهد تلاً يسكنه بعض النمل الذي سوف يتم حرثه في الدورة التالية للفلاح. ولأنك أنت تحب النمل، تسرع إلى تل النمل لتحذر ساكنيه ذوي البنية الضعيفة، تبدأ أولاً بأن تزعق وتحذرهم من الخطر القادم، لكنهم يستمرون في أداء عملهم المعتاد. ثم تجرِّب معهم عدداً آخر من الاتصالات، لكن لا يبدو أن ذلك النمل المنشغل بأموره قد سمع شيئاً. حينئذ تدرك أن الطريقة الوحيدة لتصل إليهم هي أن تصبح واحداً مثلهم.

خلال كل التاريخ الإنساني، استعمل الله طرقاً مختلفة لتحقيق توصيل رسالته للبشرية. وأخيراً أرسل ابنه للعالم. الآيات الأولى من الرسالة إلى العبرانيين تقول: «الله بعد ما كلَّم الآباء بالأنبياء قديماً بأنواع وطرق كثيرة، كلَّمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنه» ( عب 1: 1 و 2). وكتب يوحنا في إنجيله «والكلمة صار جسداً وحلَّ بيننا ورأينا مجده مجداً كما لوحيد من الآب مملوءاً نعمة وحقاً، يوحنا شهد له ونادى قائلاً هذا هو الذي قلت عنه إن الذي يأتي بعدي صار قدامي لأنه كان قبلي ومن ملئه نحن جميعاً أخذنا. ونعمة فوق نعمة. لأن الناموس بموسى أعطي. أما النعمة والحق فبيسوع المسيح صارا. الله لم يره أحد قط. الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب هو خبَّر» ( يو 1: 14- 18).

أعطانا الأنبياء كلمات الله. لكن يسوع هو ذاته كلمة الله في شكل إنسان، مظهراً الله لنا بشخصه، وليس على هيئة ألفاظ. لقد أعطانا الله نفسه في شكل نستطيع فيه أن نلمسه، أن نسمعه، أن نراه. لقد أعطانا يسوع الله ذاته وجعله في مستوانا، ثم رفعنا إلى أعلى معه.

إن اللـه لم يسـع فقـط للاتصال بنا، إنه أراد أن يعرِّفنـا كـم هـو يحبـنا. يقـول يسـوع: «لأنـه هكـذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية. لأنه لم يرسل الله ابنه إلى العالم ليدين العالم بل ليخلص به العالم» ( يو 3: 16، 17).

والرسول يوحنا يستخدم كلمات يسوع عندما كتب «بهذا أظهرت محبة الله فينا أن الله أرسل ابنه الوحيد إلى العالم لكي نحيا به. في هذا هي المحبة. ليس أننا أحببنا الله بل أنه هو أحبنا وأرسل ابنه كفارة لخطايانا» ( 1يو 4: 9 و 10).

في كتابه «يسوع الذي لم أعرفه» يلتقط الكاتب فيليب يانسي هذه الفكرة ويعبر عنها بصورة رائعة:

كان اليهود يربطون الخوف بالعبادة... وصنع الله مفاجأة عندمـا ظهـر كطفـل مولود في مذود البقر. ما الذي يمكن أن يخيف من طفل حديث الولادة؟ في يسوع، وجد الله وسيلة لأن ينتسب إلى البشر بطريقة لا تثير الخوف.

لقد تعلمت ما هو التجسد عندما لاحظت حوض أسماك الزينة في بيتي... كلما ظهر خيالي فوق الوعاء، يبتعد السمك خائفاً ليحتمي ببيته، لقد أظهروا لي عاطفة واحدة، وهي الخوف. وبالرغم أنني كنت أواظب على إطعامهم بشكل منتظم، ثلاثة مرات كل يوم، إلا أنهم استجابوا لزياراتي هذه كأنما هي مشروع لتعذيبهم. ولم أستطع إقناعهم باهتماماتي الحقيقية. ولكي أغيِّر من انطباعاتهم، أخذت أفكر، إن الأمر محتاج إلى نوع من التجسد. إنني في حاجة إلى أن أتحول وأصبح سمكة لأتكلم معهم بلغة يفهمونها.

لكي يتحول الإنسان ليصبح سمكة لا يقارن بتجسد الله ليصير طفلاً. ومع ذلك، وطبقاً للأناجيل، هذا ما حدث في بيت لحم، الله الذي خلق المادة كلها اتخذ شكلاً مادياً باستخدامها. كالفنان الذي يتحوَّل ويصير شكلاً في رسم يرسمه، أو كاتب المسرحية الذي يتقمص شخصية في رواية يكتبها. لقد كتب الله قصة، لكنه استخدم شخصيات حقيقية على صفحات التاريخ الحقيقي. الكلمة صار جسداً.

لكن كيف تعلم الإنسانية أن رجلاً يدَّعي بأنه في الحقيقة هو الله؟ هناك طريقة وحيدة وذلك من خلال النبوات التي تتحقق. الله يستطيع أن يتكلم مع البشر بلغتهم، وبأسلوب أفكارهم، مخبراً إياهم عن ماذا يبحثون وكيف يجتهدون لمعرفة حقيقة أن يصير إنساناً، وعندما يصبح إنساناً ويفي بتلك النبوات، سيتعلم العالم أنه هو الذي كان يتكلم، وهذا هو ما فعله الله فعلاً.

إشعياء النبي تنبأ أن المسيح- الله سوف يأتي ( إش 9: 6 مقارنة مع مز 110: 1). وذكر الكتاب المقدس في عديد من المرات عن مهمته قائلاً «إنها يجب أن تكمِّل» (انظر مت 2: 15 و 17، 23 و 13: 14).

لذلك، إذا كان الله قد دخل التاريخ الإنساني ومشى وسطنا كإنسان، ما هي آثار تواجده التي نتوقع العثور عليها؟ كيف نعلم أنه بالحقيقة كان عندنا على شكل بشري؟ أعتقد أننا سوف نجد ثمان علامات تشير إلى تواجده التاريخي:

إذا أصبح الله إنساناً، نتوقع منه:

1- أن يظهر في تاريخ العالم بطريقة فريدة.

2- يكون بلا خطيئة.

3- يظهر تواجده غير العادي على شكل أعمال وأفعال غير عادية- وهي المعجزات.

4- يعيش بشكل مثالي مقارنة بأي إنسان آخر عاش على الأرض.

5- يتكلم بأعظم العبارات التي قيلت من قبل.

6- يكون له تأثير ونفوذ شامل ودائم.

7- يشبع الاحتياجات الروحية للإنسان.

8- يتغلب على أشرس أعداء الإنسان ومصدر خوفه الدائم - وهو الموت.

في قناعتي التامة، أُجزم بأنه في حياة يسوع المسيح نستطيع أن نجد هذه العلامات الثماني معروضة. هو لا يعطينا أي سبب لنشكّ في كونه هو الله الذي أصبح إنساناً. ومن الأمور الواضحة أنه وفَّى هذه التوقعات الثمانية الخاصة بتواجد الله في التاريخ الإنساني.

 

2(أ) دخول فريد في التاريخ البشري
كونفشيوس، بوذا وكل البشر تمت ولادتهم بطريقة طبيعية: حيوان منوي للرجل يلقِّح بويضة الأنثى. لكن هذا لم يحدث مع يسوع المسيح. لقد حملت به أمه وهي مازالت عذراء. هو بلا أب بشري. الحمل العذراوي وولادة يسوع حادثان فريدان في التاريخ البشري.

 

1(ب) الشهادات الكتابية التي تؤيد الميلاد العذراوي
الشهادات الرئيسية المختصة بالميلاد العذراوي نجدها في إنجيل متى ولوقا. ومع ذلك، فإن كتابات العهد القديم تنبيء بالحمل غير العادي للمسيح قبل مئات السنين من قيام متى ولوقا بكتابة أناجيلهم. ولذلك فإن فكرة الميلاد العذراوي ليسوع يجب أن تتوافق مع تواجد المسيح في كتاب العهد القديم. والنص المهم في هذا الشأن نجده في إشعياء 7: 14، وربما يوجد أيضاً إشارة للحمل العذراوي في سفر ( التكوين 3: 15).

1(ج) سفر التكوين 3: 15
النبوءة الأولى الخاصة بالمسيح نراها في سفر التكوين 3: 15. هنا يعد الله أن نسل المرأة سوف يسحق رأس الحية.

ويخبرنا الباحث في العهد القديم كلاوس ويسترمان أنه «منذ عهد إيريناوس، درج التقليد المسيحي على تفهُّم هذا النص بأنه نبوة عن المسيح (ومريم). و«نسل المرأة يشير إلى شخص مولود سوف يسحق رأس الحية التي زرعها شخص آخر وهو إبليس، الذي سوف يتصارع مع «نسل المرأة» حتى يخضع له. هذا التفسير سار من إيريناوس ليستقر في تاريخ التفسيرات في الكنيسة الكاثوليكية والإنجيلية.

ويتفق معه چون والفورد الباحث الإنجيلي الأمريكي في كتابه «يسوع المسيح إلهنا» ويقول إن الإشارة إلى نسل المرأة هي إشارة إلى ولادة ابن الله. وهو محور سلسلة النسب التي أوردها لوقا. فالمخلِّص الآتي سوف يكون من نسل المرأة - الإنسان، وطالما أنه لم يدَّعى بأنه نسل الرجل لذا فإن هذا يشير إلى الميلاد العذراوي الذي سوف يحدث ( إش 7: 14، مت 1: 21 و 22). وبالنسبة لآدم، جعل الأمر واضحاً كل الوضوح، فكل آماله في المستقبل ستتركز على طفل من نسل المرأة، وأنه من خلال هذا الطفل سوف يحقق الله الخلاص.

القس الألماني اللوثري كارلهتز راباست أشار في كتاباته التي صدرت في منتصف القرن العشرين مؤيداً النظرة التقليدية لتفسير التكوين 3: 15 «نسل المرأة.. في معناها الدقيق الخالص تشير إلى العذراء مريم ونسلها، المسيح».

ويذكر إدوارد يونج الباحث المتعمق في العهد القديم: هناك إشارة إلى المسيح لا يجب أن نتجاهلها. مع ذلك، فإنه أمر حقيقي أن الإنسان الذي يحطِّم الشيطان سوف يكون مولوداً من امرأة وهو يسوع المسيح الذي سوف يحقق الانتصار. إن نسل المرأة كما نفهمه هو المخلِّص الذي سوف يوجه الضربة القاضية.

إتمام النبوءة في سفر التكوين 3: 15 سيتحقق بقدوم يسوع المسيح، الذي كان في الحقيقة مولوداً «من نسل المرأة» وهي القديسة مريم- وليس بذرة أي رجل.

2(ج) إشعياء 7: 14
هناك نبوءة واضحة في إشعياء 7: 14

«ولكن يعطيكم السيد نفسه آية، ها العذراء تحبل وتلد ابناً وتدعو اسمه عمانوئيل».

هناك سؤالان محددان يبدأ بهما تفسير هذا النص. الأول هو، ما معنى كلمة (ALMAH) (علْماه) العبرية، هي تعني «العذراء»؟ والسؤال الثاني هو، لمن تشير «العذراء» المذكورة في النص؟

1(د) ماذا تعني كلمة (علْماه)؟
يتحدد معنى أي كلمة من سياق النص. مثلاً كلمة (TRUNK) تعني مكان التخزين في مؤخرة السيارة. عندما نقرأ الجملة التالية (وضعت السيدة شنطتها في TRUNK السيارة)، أو نفهم أن تلك الكلمة تعني الأنف الطـويـل للفيــل عندمـا نقرأ الجملـة التالية «رفع الفيل الـ TRUNK الخاص به والتقط الفول السوداني من يد الطفل». وبشكل مشابه نحاول أن نفهم لفظة (علْماه) من سياق الجملة ككل. استخدمت تلك الكلمة في كتابات العهد القديم سبع مرات لتشير إلى امرأة صغيرة في السن ( تك 24: 43، خر 2: 8، مز 68: 25، أم 30: 19، نش 1: 3، 6: 8، إش 7: 14). ويذكر إدوارد هندسون: «مع أنه أمر حقيقي أن كلمة (علْماه) ليست هي الكلمة المعتادة لتدل على «عذراء»، إلا أن استخدامها دائماً يدل على هذا المعنى». وأكثر من ذلك، فإن التفسير الكتابي لهذه الكلمة لا تعني أبداً سيدة متزوجة، لكن تعني دائماً امرأة غير متزوجة، وهذا نتوصل إليه باستعراض الفقرات التي وردت فيها هذه الكلمة في الكتاب المقدس:

1(هـ) التكوين 24: 43
في سفر التكوين 24 بعدما يصل عبد إبراهيم إلى ناحور يصلِّي إلى الله طالباً أن يلهمه العثور على المرأة المناسبة لابن إبراهيم. و الآية 16 تصف رفقة بأنها «امرأة صغيرة السن»، وقد كانت حسنة المنظر جداً وعذراء (بتول)، لم يعرفها رجل «وبعد قليل يشير إليها عبد إبراهيم في الآية 43 بأنها عذراء (علْماه)».

2(هـ) الخروج 2: 8
كتب ريتشارد نيسن في شأن هذا النص:

الإصحاح الثاني من سفر الخروج يتكلم عن حادثة إنقاذ الطفل موسى من النهر بيد ابنة فرعون. وكانت أخت موسى (مريم) تراقب الموقف على البعد وأسرعت إلى بنت فرعون واقترحت عليها أن تجد لها أمرأة عبرانية (أم موسى) لكي ترضع الطفل «فقالت لها ابنة فرعون اذهبي، فذهبت الفتاة (علْماه) ودعت أم الطفل» ( خر 2: 8).

الطريقة التي تم بها تقديم مريم في أصحاح 2: 4 توحي بأنها لم تكن أكبر من موسى بسنوات طويلة، وما يؤكده هو أنها كانت تحيا في كنف والديها في ذلك الحين.

يبدو من هذا النص أن أي عنصر خاص بالعذرية البيولوچية في كلمة (علْماه) متضمن في السن، فمريم يبدو أنها كانت في سنوات المراهقة، أي أنها مازالت عذراء.

وهذا ما يؤكده ألبرت مايرز أن مريم أخت موسى «كانت بلا شك عذراء» ( خر 2: 8)

3(هـ) مزمور 68: 25
في هذا النص «في الوسط فتيات (علْماه) ضاربات الدفوف»، جزء من الاحتفال الذي صاحب الملك حتى المذبح. في مجال تعليقه على ذلك النص، يذكر أن هذه الفتيات «بالتأكيد لسن عاهرات أو غير طاهرات، لكن كن عفيفات وفي خدمة الله، طالما أنهن عذارى».

أكثر من ذلك، فإنه طبقاً للعادات السامية، كانت الفتيات اللاتي لم يتزوجن بعد، يشاركن في احتفالات الزواج والاحتفالات الأخرى بوجه عام. لذا فإن الإنسان يفترض أن الفتيات الصغيرات اللاتي اشتركن في هذا الاحتفال كنَّ عذارى.

4(هـ) أمثال 30: 19
كاتب هذا النص يذكر أربعة أشياء تعتبر «مدهشة جداً» بالنسبة له: الطريقة التي يطير بها النسر في السماء، الطريقة التي يزحف بها الثعبان فوق الصخرة، الطريقة التي تسير بها السفينة في عرض البحر، والطريقة التي يتبعها الإنسان مع (علْماه). في الآية 20 يقارن ما بين السيدة الشريرة، والعذراء الفاضلة.

ويشير هندسون في مجال تفسيره لأمثال 30: 19، يقول «المقارنة التي حدثت في الفقرات التالية توضح الاختلافات ما بين البركات الطبيعية للفتاة الفاضلة بالمقارنة مع المرأة الشريرة. لذلك، فإن الصورة هنا يجب أن تفسر بأنها تشير إلى فتاة عذراء».

ويفهم نيسن هذا النصّ بشكل مماثل: «ما هو مثير للإعجاب هنا هو الغزل والافتتان والمحبة بين الشاب وفتاته. وبالرغم أن النص لا يشير إلى عذرية الفتاة، إلا أنه يمكن افتراض ذلك.

5(هـ) نشيد الأنشاد 1: 3
في هذا الجزء من أغنية الحب الشعرية، تقول العروس وهي تصف عريسها «لرائحة أدهانك الطيبة اسمك دهن مهراق، لذلك أحبتك العذارى (علْماه)». ويشرح چاك دير هذا النص قائلاً «اسم الشخص يمثل صفاته أو سمعته. لذلك كان اقتران اسم سليمان بالدهن والعطر توضح أن صفاته كانت محببة وجاذبة لأن يُحب، لهذا السبب، قالت هي، إن العذارى أحبتك.

والنساء الأخريات اللاتي تجذبن للمحبوب بسبب صفاته لم يكنَّ متزوجات بل فتيات يرغبن في تواجد العريس لكن فشلن في ذلك السعي. وكلمة (علْماه) هنا تشير إلى العذرية.

6(هـ) نشيد الأنشاد 6: 8
هذا النص يشير إلى ثلاثة فئات من النساء في قصر الملك: الملكة، السريات، والفتيات (علْماه). ويكتب نيسن قائلاً، الملكات بالطبع متزوجات، والسرايا طبقاً للقانون العام مشابهات لزوجات زماننا هذا. أما (الفتيات) فمن الواضح أنهن مختلفات عن المجموعتين من الزوجات، ومماثلات للنساء غير المتزوجات. وهنَّ كنَّ في خدمة الملكة، وسوف يكون مصيرهن أن يتم اختيار بعضهن بعد ذلك كزوجات للملك. لذلك فمن الطبيعي أن يكنَّ عذارى. وتأكد وهذا من استعراض الأحداث في سفر أستير 2. حيث جمع الملك أحشويرش عدداً كبيراً من العذارى لكي يختار منهن ملكة جديدة ( أس 2: 1- 4). كانت الطهارة ضرورية للغاية لدرجة أن النسوة كن يمارسنَّ طقوساً خاصة للطهارة تمتد لسنة كاملة ( أس 2: 12 و 13) قبل الدخول إلى الملك في غرفته. وعذريتهم ليست محل للتساؤل، إنه أمر مفترض.

7(هـ) إشعياء 7: 14
بعد قيامنا بدراسة كلمة (علْماه) في الكتب المقدسة اليهودية، يصل ديك ويلسون إلى استنتاجين مهمين «الأول، كلمة (علْماه) على حد علمنا، لم تستخدم أبداً للتعبير عن سيدة صغيرة في السن ومتزوجة، وثانياً طالما أنه من المفترض طبقـاً للقانون العام أن استخدام تلك اللفظة كـان ومـازال يعبـر عن عـذراء طاهـرة، إلى أن يثبـت أنها ليست كذلك. إذن لدينا الحق أن نفترض أن رفقة والـ (علْماه) في إشعياء 7: 14 وكل الأخريات من ذلك الصنف كن عذارى، إلى أن يثبت العكس. وتوصل الباحث جريثم ماكين في كتابه «المولد العذري للمسيح» إلى نفس تلك النتيجة «لا يوجد في السبعة حالات التي استعملت فيها كلمة (علْماه) في كتابات العهد القديم ما يوحي بأنها استخدمت للتعبير عن امرأة ليست عذراء. ونعترف بأن هذه اللفظة لا تعني مباشرة العذرية، كما توحي لنا كلمة (بتول)، وأنها تعني بالأكثر فتاة صغيرة وهي في سن الزواج، لكن من جهة أخرى ربما يشك الإنسان بالنسبة لاستخدام اللفظ، هل يمكن أن يكون استخدامها طبيعياً في حالة عدم العذراوية».

ويشاركه في هذا الرأي ويليس بيتشر في مقالته الكلاسيكية «نبوءة الأم العذراء» بقوله «المعاجم اليهودية تقول لنا إن استخدام لفظ (علْماه) هنا، والمترجمة عذراء، ربما تشير إلى أي امرأة شابة، سواء كانت عذراء أم لا. وفيما يختص باشتقاقاتها واستخدامها العام، ربما يكون الحال هكذا، لكن الكتاب المقدس استخدم هذه الكلمة في كل حالة للإشارة إلى عذراء».

وبعبارات أخرى، طالما أن كلمة (علْماه) تشمل داخلها العذرية في النصوص الأخرى التي ذُكرت فيها، لذا يفترض أن استخدامها في نص إشعياء يشمل أيضاً العذرية. سياق هذا النص يُعطي تأكيدات أخرى بأن الـ (علْماه) التي تم التنبؤ بها يجب أن تكون عذراء.

1(و) المنظور التاريخي
علامة الميلاد العذراوي أتت في وقت حرج في تاريخ اليهودية، وطبقاً لإشعياء 7: 1 «رصين ملك أرام صعد مع فقح بن رمليا ملك إسرائيل إلى أورشليم لمحاربتها، لكنهما فشلا في ذلك، لكن آحاز ملك يهوذا في ذلك الحين تملَّكه الذعر والخوف وطلب المساعدة العسكرية من أشور لكي يتجنب الهزيمة أمام الجيش الغازي، ويخبرنا نيسن بأن مشكلة هذا الاختيار أن أشور كانت في ذلك الحين كانت قوة غاشمة أنانية، والتحالف معها قد يعني فقدان يهوذا لاستقلالها، ولن يمر وقت طويل حتى يزاح الله من هيكل المقدس وتحل محله آلهة أشور».

ويستمر نيسن في قوله:

قابل إشعياء الملك آحاز ليطمئنه بأن الله سوف ينقذ أورشليم ويحذره من الارتباط بحلف مع أشور، كانت مهمة إشعياء ذات شقين: (أ) الملكان اللذان ينويان غزو يهوذا لم يكونا سوى «شعلتين مدخنتين»، لذا ليس هناك خوف منهما ( إش 7: 3- 9). (ب) ولكي يتبين أن إشعياء ليس بالنبي الكاذب وأن الله لديه القوة لأن يخلِّص يهوذا، طُلب من آحاز أن يطلب آية مؤكدة- لكن آحاز رفض ( إش 7: 12).

كان آحاز على علم بأنه تورط أمام إشعياء إذا قبل تلك الآية أو العلامة فإن هذا سوف يعرِّضه إلى فقدان شرفه وتحدي الرأي العام الضاغط الذي يدعو لطلب النجدة من الأشوريين، وهذا هو ما كان مصمماً علىه في كل الأحوال... لقد رفض آحاز هذه العلامة بسبب اعتبارات سياسية، وبسبب قلبه غير المصدِّق... وبعد توبيخ آحاز، استمر إشعياء في نقل الرسالة «ولكن يعطيكم (بصيغة الجمع) السيد نفسه آية: ها العذراء (علْماه) تحبل وتلد ابناً وتدعو اسمه عمانوئىل» ( إش 7: 13).

2(و) طبيعة هذه العلامة
في هذا النص، تُفهم هذه العلامة بأنها يجب أن تكون فوق العادة، شيء لا يمكن أن يحققه سوى الله ذاته، معجزة. وكما يلاحظ مارتن في قوله «هي معجزة مؤكدة ومؤيدة لكلمة الله».

ولأن آحاز رفض قبول هذه العلامة، يتكلم الله بنفسه عن ماهية هذه العلامة. لذا فإنه من المعقول القول بأنه عندما يأتي الله بعلامته هذه، فإنها سوف تكون ذات طبيعة إعجازية. ويعلق ج. الكسندر على هذا النص قائلاً: «إنه من المستبعد تماماً بعد إرسال مثل هذا العرض (من الله إلى آحاز)، أن يكون تحقيق هذه العلامة في النهاية من الأمور التي تحدث في العالم كل يوم. هذا الافتراض يتقوى ويتعزز بالوقار الذي نقل فيه إشعياء تلك النبوءة، ليس كأنما هي حدث عادي أو طبيعي، لكن كشيء مثير للدهشة عندما تلقى الرسالة في رؤية».

ويقول هندرسون «من المهم أن نلاحظ أن تلك العلامة (ولكن يعطيكم)، مقدمة إلى جمع من الناس، ومن الواضح أنها ليست مقدمة لفرد واحد وهو آحاز الذي رفض العرض الأول. وفي عدد 13، يقول إشعياء «اسمعوا يا بيت داود» ومن الواضح أن صيغة الجمع التي وردت في عدد 14 مرتبطة بما سبقها في عدد 13. ولأن النص يخبرنا بأن مملكة داود في خطر من جراء الغزو القادم. لذا يمكن لنا القول بأن صيغة الجمع يقصد بها بيت داود الذي عليه تسلُّم هذه العلامة. 

والآن إذا أصبحت سيدة ما حاملاً بالطرق الطبيعية، فهذا لا يحقق شروط العلامة المعجزية. چون كالفن المصلح الكبير يصيب الهدف في هذا الشأن عندما يقول: ما هو الأمر الغريب إذا قال النبي إن امرأة قد حملت من جراء علاقتها الجنسية برجل؟ إنه من السخف أن نعتبر تلك علامة ذات صفة إعجازية. دعنا إذن نفترض أن النصّ يدل على فتاة صغيرة سوف تصبح حاملاً بالطريقة المعتادة، كل إنسان سوف ينظر باحتقار إلى هذا النبي، بعدما قال ذلك. لذا فمن الواضح تماماً أنه يتكلم عن عذراء ستحبل وتلد، ليس بالطريق العادي الطبيعي ولكن بقوة وتأثير الروح القدس.

والفحص الدقيق لبعض الألفاظ المحددة في نص إشعياء 7: 14 تعزز رأي كالفن. الكلمة المكتوبة باللغة العبرية وهي (h-r-h) والتي تترجم «تحبل» في إشعياء 7: 14، ليست فعلاً أو اسم فاعل، لكن صفة أنثوية مرتبطة مع اسم فاعل وتدل على أن المنظر واضح في عين النبي. وهذا يعني أن تلك الكلمة واستخداماتها تشابه ما أبلغه الملاك لهاجر في البرية قبل عدة قرون ماضية: «ها أنت حبلى فتلدين ابناً» ( تك 16: 11). وبالاختصار، يجب ترجمة نص إشعياء 7: 14 بالشكل الآتي «ها العذراء سوف تحمل وتلد ابناً».

يعلق على ذلك هندسون:

من الواضح أن اللفظة (h-r-h) تشير هنا إلى الزمن المضارع.. والنظر إلى الزمان مهم جداً في تفسير هذه الكلمة وكذلك النصّ. إذا كانت كلمة (علْماه) تعني «عذراء» وإذا كانت هذه الفتاة حامل وعلى وشك ولادة طفل، لذا فهذه الفتاة مازالت عذراء، بالرغم أنها أصبحت أم. تأمل في قدر التناقض الذي يمكن أن يحدث لو لم يشر هذا النص إلى ولادة طفل من عذراء للمرة الأولى في التاريخ -وهو يسوع المسيح. العذراء حامل! كيف يتسنى لها أن تكون حاملاً وهي مازالت عذراء؟ المعنى يدل على أن هذا الطفل سوف يكون معجزة وهو مولود بلا أب، وبالرغم من حمل الأم فإنها مازالت عذراء. الكلمة (علْماه) «عذراء» تدل على صيغة الزمن المضارع مشابهة ذلك كلمة (h-r-h). إذا كانت صيغة النص في زمن المستقبل، فليس هناك ضمان أن هذه العذراء سوف تلد ابناً (في المستقبل)، سوف تظل كما هي عذراء، وليست زوجة. لكن إذا كان هناك (عذراء) ومعها (ابن)، لا يمكن لنا أن نتهرب من استنتاج أن هذه ولادة عذرية.

ويستخلص نيسن من ذلك: «تعطينا العلامة في ( إشعياء 7: 14) ما يفوق ما تقدمه لنا الطبيعة. إنها لم تكن عرضاً بلا معنى، لكنها علامة متوافقة مع المناسبة ومتصلة بموضوع استمرار دوام عائلة بيت داود المهددة بالانقراض بسبب الغزو الوشيك. أصعب العلامات التي يتقدم بها الله في تلك المناسبة هي استحالة بيولوچية -وهي الحمل الإعجازي لامرأة عذراء. وأصعب العلامات التي يمكن أن يعطيها الله ولها صلة باستحالة بيولوچية -الحبل المعجزي لابن من فتاة عذراء بالمعنى البيولوچي للكلمة.

3(و) دليل إضافي خاص بالترجمة
الكلمة المقابلة لعذراء في اللغة اليونانية هي كلمة «بارثينوس»، وباللغة اللاتينية «فيرجو». وإحدى الكلمات باللغة العبرية والتي تستعمل كثيراً هي (betfl-h) أو «بتولاه»، وإذا كانت هذه الكلمة الأخيرة تعني عذراء أم لا، فإنها دائماً ما كانت تفهم من واقع النصّ. ويلاحظ ديك ويلسون الآتي:

في الترجمة السبعينية لنص إشعياء 7: 14 والذي ظهر قبل مولد المسيح بحوالي 200 سنة، بينما اقتباس القديس متى لنفس النصّ في مت 1: 23 كان في منتصف القرن الأول الميلادي، ترجمة البشيتا السيريانية ظهرت في القرن الثاني الميلادي، والفولجاتا اللاتينية للقديس چيروم ظهرت في سنة 400م، كل هذه المصادر تقرن كلمة (علْماه) بـ (بارثينوس) أي عذراء أو مشتقاتها الأخرى مثل (بتولاه)، (فيرجو). وقد كانت ترجمة كلمة (علْماه) باعتبارها عذراء مقبولة عند اليهود حتى زمن اقتباس متَّى للنص.

ويكتب هنري موريس في نفس النقطة:

«العلماء الذين ترجموا العهد القديم إلى اللغة اليونانية السبعينية استخدموا الكلمة اليونانية المقابلة لعذراء في ترجمة إشعياء 7: 14. وكذلك هو ما فعله متى عندما استعار هذه الآية في ( مت 1: 23) عندما تمت النبوءة بالفعل بولادة يسوع المسيـح من عـذراء.

ويتفق مع هذا الرأي ب. وزرنتون: «من الصواب أن نقول إن كلمة (علْماه) لا تعبر مباشرة عن أنها عذراء، لكن من الصعب بل ومن المستحيل تصوُّر السبب الذي دفع المترجمين للكتاب المقدس السبعيني إلى استخدام كلمة بارثينوس للتعبير عن (علْماه)؟.

لذلك فإن هذا الدليل يوضح بما لا يدعو مجالاً للشك أن (علْماه) في نبوءة إشعياء تعبر عن فتاة عذراء صغيرة. ولا يوجد أي نوع من الفهم يمكن أن يبرر ترجمة تلك الكلمة بذلك الأسلوب سواء كان اجتماعياً أو تاريخياً.

2(د) ما هي الـ (علْماه)؟
طالما أننا قد حددنا بأن (علْماه) ليست سوى فتاة عذراء في سن الزواج والتي تصبح حاملاً بوسائل تفوق الطبيعة، لذا يمكن لنا بكل اطمئنان أن نستنتج بأن هذه الشروط انطبقت على العذراء مريم أم يسوع المسيح. وهندسون على حق عندما كتب «ليس هناك سوى مريم التي تستطيع أن تحقق اشتراطات تلك النبوة، فالعذراء ليست هي زوجة إشعياء، وليست زوجة آحاز أو حزقيال، أو أي فتاة أخرى. إن العذراء مريم هي الوحيدة التي سُجِّلت في التاريخ والكتب المقدسة وينطبق عليها ذلك».

بعض دارسي الكتاب المقدس يدَّعون عكس هذه الآراء، ويحاولون تفسير نبوءة إشعياء بأنها «كانت علامة مقدمة من الله إلى الملك آحاز توضِّح قرب غزو مملكة إسرائيل الشمالية ويهوذا الجنوبية بواسطة ملك أشور- ولأن هذه العلامة تخصُّ آحاز، لذا فإنه من المنطقي أن نستنتج بأن الميلاد سوف يكون في زمن الملك آحاز. لذلك، فإن هذا يستلزم تحقيق جزئي لنبوة إشعياء 7: 14. بينما يبدو هذا الرأي معقولاً للبعض، إلا أنني أعتقد بأنه ينتهك عدداً من النقاط.

أولاً، لكي ينجح هذا الاتجاه يجب أن نعتبر أن (علْماه) لا تعني العذرية في نص إشعياء 7: 14، وإلا فإن مؤيدي هذا الرأي سوف يواجهون بأمر مستحيل: ولادتان عذراويتان حدثتا في التاريخ- واحدة أثناء حياة آحاز والأخرى الخاصة بأم يسوع. لكن توصَّلنا من قبل إلى الدليل القاطع المعارض: الأدلة توضح بكل جلاء أن (علْماه) في نبوة إشعياء تعني فتاة عذراء صغيرة في سن الزواج، وليس مجرد فتاة صغيرة، فـ (علْماه) هي بالتحديد عذراء تحبل.

ثانياً: التحقيق العاجل الذي يدعونه لا يأخذ في حسبانه بشكل جدي الأزمنة النحوية التي وردت في نص إشعياء 7: 14، والتي تصل بنا إلى اعتبار كلمة (علْماه) هي في نفس الوقت عذراء حامل.

ثالثاً، طبيعة العلامة في إشعياء 7: 14 لها خاصية تفوق الطبيعة فإن حمل امرأة بواسطة العلاقة الجنسية بين الرجل والمرأة لا تكفي لتوثيق وإثبات كلمة الله. من المطلوب حدوث معجزة، وولادة طفل من فتاة عذراء هي المعجزة.

رابعاً، من السياق الأكبر لنص النبي إشعياء في الفقرات 6- 12، نستنتج أن عمانوئيل وهو الطفل الذي وُلد من رحم عذراء، يجب أن يكون إنساناً إلهياً وليس مجرد إنسان (انظر إش 9: 6، 7، 11: 1- 16). وليس هناك غير يسوع المسيح الناصري.

وأخيراً، فإن النبوءة التي أُلقيت على مسامع الملك آحاز في ( إش 7: 14)، كرئيس مؤقت على بيت داود الملكي ومن سوف يليه من نفس البيت. وجزئياً، هذه النبوة صدرت لتبين لآحاز ومن يلحقه أن بيت داود سوف يستمر ويعيش إلى الأبد. وهذا يدعِّم رأي حدوث تتميم النبوة في المدى البعيد وليس القريب. ويؤكد الباحث شارلز فيبنرج هذه النقطة بقوله:

كان آحاز ورجال بلاطه في خوف دائم من انقراض بيت داود وإحلاله بالحكم الأشوري. مع ذلك، كلما طال الزمن اللازم للوفاء بذلك الوعد لبيت داود، كلما طالت مدة بقاء هذه السلالة الملكية لترى بعينها تحقيق هذا النبوة وهذا ما عبَّر عنه الأستاذ الكسندر أفضل تعبير: «... إن التأكيد بأن المسيح سوف يولد في يهوذا، ومن العائلة الملكية، ربما تكون علامة لآحاز، بأن مملكته لن تنتهي في عهده، وأن تحقيق هذه العلامة سيكون في زمن بعيد. وكلما بعُد الوعد كلما كان تحقيقه قوياً في استمرارية يهوذا. لذا فإن هذا الاستنتاج لا مفر منه. ليس هناك أساس قوي، سواء نحوياً، أو تاريخياً، أو منطقياً للشك في المعنى الحقيقي، وهو أن الكنيسة في كل أجيالها كانت على حق في اعتبار هذا النصّ كعلامة وتنبؤ واضح للحبل المعجزي ومسقط رأس يسوع المسيح».

لذلك يمكن لنا أن نتفهم عقيدة ولادة السيد المسيح المعروضة في العهد الجديد وارتباطها بالتعليم والنبوءات التي كُتبت في اسفار العهد القديم.

3(ج) إنجيلا متَّى ولوقا
نقرأ في الأصحاحين الأولين من إنجيلي متَّى ولوقـا عـن الـولادة الـمعجزية ليسـوع الـمسيـح، ويركـز تتـابع الأحداث في إنجـيل متَّى على أن والـد يسـوع الرسمي وهـو يـوسـف النجـار، بينمـا في إنجـيـل لوقا يتـركــز علـى أم يسـوع وهي مريم. ويقول الباحث چيمس بوزويل إن الاختلاف بين هذين الاتجاهين هو أن مصدريهما مختلف. فبينما استقى متَّى معلوماته من يوسف، أما لوقا فقد استقى معلوماته من مريم:

نرى تسجيل الـولادة العذراوية ليسوع في الإنجيل الأول والثالث. وما ذكره متَّى (1: 18- 25) مكتوب من وجهة نظر يوسف النجار. والعالم أور يقترح بأن رواية متَّى عن ميلاد وطفولة يسوع ربما يكون قد استقاها مباشرة من شهادة يوسف.

وعلى العكس فإن تسجيل لوقا، ( لو 1: 26 - 28، 2: 1- 7)، يأتي من وجهة نظر مريم... وربما تكون هي إحدى شهود العيان، من بين «المعاينين وخداماً للكلمة» الذين أشار إليهم لوقا في 1: 2 كمصدر من مصادر المعلومات التي حصل عليها.

يستنتج وزرنتون من ذلك:

يجـب علـى الإنسـان أن لا يفشـل فـي تقدير الطـابـع اليهـودي في كـلا الروايتـين الخاصتين بمـيلاد يسوع أو المهارة التي وحَّـد فيهـا الإنجيـلان الـمـواد مـن مصادرها إلى عـرض مؤثر من الأخبـار الـمفرحـة التي في يسوع. وكان شكـل عرضيهما مختلفاً تماماً- حتى عندما استخدما نفس عناصر العرض. هذا يدلـل علـى أن الإنجيلين الأول والثالث لم يكونا مسجِّلين للأحداث بشكل جامد لكنهما امتلكا مهارة في عرض موادهما. وقد استخدما هذه المصادر لإلقاء الضوء على معتقداتهما اللاهوتية ونجحا في دمج هذه المواد على مستوى أوسع، كُلٍ في إنجيله.

مع اعترافنـا باختـلافات العـرض، فـإن كل من إنجيلي متى ولوقا يحتويان على تشابه ملحوظ، وهذا يوضِّح أنهما متفقان في التفاصيل الأساسية كالحمل وولادة يسوع. وفي كتابه «الميلاد العذراوي ليسوع» يسجـل لنـا العالم چيمـس أور اثنتـى عشـرة نقطـة اتفـاق بين البشيـريـن.

وإذا كـان هنـاك شـيء نعتـبره صحيحـاً، فــإن هـذه النقـاط تحمـل في طياتها شهادة دقيقة على توافقهما.

1- يسوع وُلد في آخر أيام هيرودس الكبير ( مت 2: 1 و 13، لو 1: 5).

2- لقد حملت به مريم بقوة الروح القدس ( مت 1: 18 و 20، لو 1: 35).

3- أمه كانت عذراء ( مت 1: 18 و 20 و 23، لو 1: 27 و 34).

4- كانت مريم مخطوبة ليوسف ( مت 1: 18، لو 1: 27، 2: 5).

5- يوسف كان من بيت داود ( مت 1: 16، 20، لو 1: 27 و 2: 4)

6- وُلد يسوع في بلدة بيت لحم ( مت 2: 1، لو 2: 4 و 6).

7- بإعلان إلهي دُعِى اسمه يسوع ( مت 1: 21، لو 1: 31).

8- أعلن عنه بأنه هو المخلِّص ( مت 1: 21، لو 2: 11).

9- علم يوسف مسبقاً بحالة مريم وأسبابها ( مت 1: 18- 20، لو 2: 5).

10- مع ذلك، اتخذ يوسف مريم كزوجة وتعهد بمسئوليات الأب كاملة لابنها ( مت 1: 20 و 24 و25 و لو 2: 5).

11- البشارة والميلاد كان يصحبهما استعلانات ورؤى ( مت 1: 20، لو 1: 26 و 27).

12- بعد مولد يسوع، سكن كل من يوسف ومريم في الناصرة ( مت 2: 23، لو 2: 39). (Orr, VBC, 36-37).

فيما يختص بما سجله كل من متَّى ولوقا، يقول لنا العالم أور إنه بالرغم من ذكرهما للأحداث من وجهة نظر مختلفة، وربما كل منهما معلوماته من مصدر مختلف، إلا أنهما يتفقان في عدة حقائق جوهرية، وهذا هو ما يمثل أهمية وهو أن يسوع حُبل به من الروح القس، ووُلد من مريم العذراء المخطوبة ليوسف، مع كامل معرفته بالأسباب. (Orr,VBC,35)

تؤكد الدلائل بقوة أن الروايات التي أوردها لنا متى ولوقا بُنيت على شهادة أساسية من أحد أعضاء عائلة يسوع والتي تؤيد بالأكثر استنتاج أن الحبل بيسوع وولادته كانت بالحقيقة وفاء للنبوة القديمة التي أوردها إشعيـاء. وكمـا كتـب متَّى «وهـذا كله كان لكي يتم ما قيل من الـرب بالنبـي القائـل. هـوذا العذراء تحـبل وتلـد ابـناً ويدعون اسمـه عمانوئـيل الـذي تفسيره اللـه معنـا» ( مت 1: 22 و 23).

وبينما يعتقد كثير من البـاحثين أن إنجيـل مرقـس هـو أول الأناجيل التي كتبت، إلا أنه من الـمفيـد أن نسترجـع تلك الكلمات التي قالها إيريناوس، أسقف ليون سنة 180م وهو تلميذ لبوليكاربوس، وهذا الأخير كان تلميذاً ليوحنا الحبيب. يعطينا إيريناوس الخلفيات التـي كُتبـت فـي ظلهـا الأناجيل الأربعة وهو يؤكد على أن إنجيـل متَّـى، الـذي يحوي موضوع الـميـلاد العـذراوي كُتـب أولاً.

نشر متَّى إنجيله بين العبرانيين بلغتهم الأصلية عندما كان بطرس وبولس يبشران بالإنجيل في روما ويشيِّدان أسس الكنيسة هناك، وبعد رحيلهما (موتهما، حيث يؤكد الثقاة أنها حدثت أيام حكم نيرون سنة 64 م)، انشغل مرقس في كتابة إنجيله الذي هو في الواقع عبارة عن تعاليم بطرس. أما لوقا وهـو تلميذ بولس فقد بدأ في تدوين إنجيله الذي بشر به معلمه. ثم يلي ذلك يوحنا، تلميذ السيد، الذي اتكأ على صدره ( يو 13: 25 و 21: 20) كتب إنجيلـه وهو مازال يعيش في أفسس في آسيا.

كان متَّى، جابي الضرائب السابق، وهو المعتاد على تدوين أدقّ الأمور، ربما كان في الستين من عمره وأحسَّ بالحاجة الملحَّة، قرب نهاية حياته، أن يترك وراءه سجلاً بكل ما جمعه وكتبه عن حياة يسوع. هو يبدأ سجله بعرض قائمة بسلسلة نسب يسوع وتسجيل مفصَّل عن تصوُّر يسوع المعجزي في رحم العذراء:

«أما ولادة يسوع المسيح فكانت هكذا. لما كانت مريم أمه مخطوبة ليوسف قبل أن يجتمعا وُجدت حبلى من الروح القدس. فيوسف رجلها إذ كان باراً ولم يشأ أن يشهرها أراد تخليتها سراً. ولكن فيما هو متفكِّر في هذه الأمور إذا ملاك الرب ظهر له في حلم قائلاً يا يوسف ابن داود لا تخف أن تأخذ مـريم امرأتك. لأن الـذي حُبل به فيها هو من الروح القدس. فستلد ابناً وتدعو اسمـه يسوع. لأنه يُخلص شعبه من خطاياهم. وهذا كله لكي يتم ما قيـل من الـرب بالنبـي القائـل. هوذا العذراء تحبل وتلد ابناً ويدعون اسمه عمانوئيل الذي تفسيره الله معنا» (مت 1: 18- 25).

1(د) الرد على الاعتراضات
بعض النقَّاد تجادلوا حول الدقة التاريخية لروايات الميلاد المؤكدة في إنجيلي متى ولوقا، مثيرين ما يعتقدون أنه أخطاء واقعية، أو متعارضات لا حلَّ لها. أكثر الأمور التي تظهر فيها هذه المعارضات تختص بسلسلة النسب المذكورة في كلا الإنجيلين، وكذلك ذكر لوقا لكيرينيوس واكتتابه (مذكورة في الأصحاح الثالث).

فيما يختص بسلسلة الأنساب المتعارضة «كتاب ميلاد يسوع المسيح ابن داود» ( مت 1: 1)، بينما يمدنا لوقا بقائمة مختلفة لنسب يسوع، وهو على ما كان يظن ابن يوسف» ( لو 3: 23). ويشرح لنا چيمس مونتجومري بويس تلك المشكلة بشكل أفضل:

سلسلة نسب متَّى تبدأ بإبراهيم حتى أربعة عشر جيلاً إلى أن يصل إلى داود. ويستعرض بعد ذلك أحفاد داود حتى السبي البابلي وهم أربعة عشر جيلاً، وأخيراً يذكر أربعة عشر جيلاً حتى يصل إلى «يعقوب أبي يوسف رجل مريم الذي وُلد منها يسوع الذي يدعى المسيح». أما لوقا فإنه ينتقل من الأمام إلى الخلف. هو يبدأ بيوسف ويتراجع حتى داود ثم إبراهيم. ثم يتراجع أكثر من ذلك حتى يصل إلى آدم، الذي دعاه ابن الله.

هناك قسمان في سلسلة النسب التي ذكرها لوقا لا تمثلان مشكلة. لكن القسم الأخير -من إبراهيم حتى آدم - لا نراها في سلسلة متى، لذلك لا يوجد هنا أساس للمقارنة. بالنسبة للجزء الثاني من النسب - من داود حتى إبراهيم- فهو خال أيضاً من المشاكل لأنه مماثل للأنساب التي نراها في إنجيل متى.

تظهر الصعوبة في القسم الأول من قائمة لوقا. لأن لوقا يستعرض أجداد يوسف حتى يصل إلى داود عن طريق ناثان وهو أحد أبناء داود، بينما يتتبع متى نفس السلسلة لكن من خلال سليمان ابن داود، لذا فإننا نجد اختلافاً في كل أسماء هذا القسم.

حقيقة أن هناك خطين منفصلين لا يمثلان أي مشكلة. نحن يمكننا أن نفهم كيف أن ابنين لداود يمكن لهما أن يعطياننا شجـرتين مختلفتين من الأبنـاء. لكـن الصعـوبـة تنشأ من أن كل من متى ولوقا يدَّعي أن يوسف سليـل من شجـرة عائـلـة معينـة. لـوقـا يقول إن يـوسـف ابـن هـالـي ( 3: 23)، بينما متـى يقـول إن يـوسف ابن يعقوب (1 : 16) وكليهما لا يمكن أن يكون صحيحاً.

ولقد أعد علماء اللاهوت عدة حلول لهذه المشكلة:

1(هـ) التبني مقابل الخلقة الطبيعية
أقدم الحلَّ الأقدم الذي قدمه أفريكانوس، ووصلنا من خلال المؤرخ الكنسي القديم يوسابيوس.

يعلِّق على هذه النظرية: المتخصص في دراسة العهد الجديد هاورد مارشال قائلاً:

استخدم أفريكانوس فكرة التبني والخلقة الطبيعية، واستخدم موضوع «زواج الأخ بزوجة أخيه بعد موته» ليوفِّق بين سلسلتي النسب. وطبقاً للمعلومات التي قال إنه استقاها من خلفاء القديس يعقوب، أخو يسوع، يقول أفريكانوس إن متان ( مت 1: 15) تزوج بالسيدة إيثا وأنجب منها ابن هو يعقوب، وعندما مات متان، تزوجت أرملته من مَلْكي ( لو 3: 24) وهذا أنجب هالي ( لو 3: 23، لاحظ أن أفريكانوس لا يعلم كما هو واضح بالنسل الذي أتى بين مَلْكي وهالي في قائمة لوقا وهم متثات ولاوي). وتزوج الأخ الثاني غير الشقيق وهو هالي، لكنه توفى بدون إنجاب، لذا تزوج أخوه يعقوب من أرملته طبقاً للشريعة اليهودية، وبذلك يكون ابنه الطبيعي وهو يوسف ابناً لهالي طبقاً للشريعة.

هذا النوع من الزواج مشروح في الكتاب المقدس ( تثنية 25: 5 و 6، تكوين 38: 8- 10، سفر راعوث). ويشرح هذه النوعية الخبير في دراسة التوراة والتر ليفيلد قائلاً:

الأرملة التي يموت زوجها بدون أن تنجب منه يمكن لها أن تتزوج أخاه، لذلك الابن المولود من الزواج الثاني ينسب للزوج الأول المتوفي لكي يستديم اسمه على الأرض. وفي النسب يمكن أن يسمى هذا الولد إما باسم أبيه الحقيقي أو القانوني. ويوسف دعي بأنه ابن لهالي في قائمة لوقا لكن كابن ليعقوب في قائمة متَّى. وفي الشريعة اليهودية يمكن أن يكون كل من هالي ويعقوب إخوة غير أشقاء، أي أن أمهما واحدة لكن الآباء مختلفون. وربما مات هالي وتزوج يعقوب أرملته.

يجادل مارشال هذه النظرية ويقول: «إنها ليست مستحيلة.لكنها غير محتملة،ولا سيما إذا قبلنا القائمة العادية للوقا».

2(هـ) الأب مقابل الجد
هناك نظرية أخرى تقدم بها د. نيتلهورست تقول: «قائمة النسب في لوقا من خلال أب يوسف، أما في متَّى فإنها تمسك بخيط جد يوسف من جهة أمه».

ويضيف هذا العالم:

«أن يستبعد متَّى أم يوسف من قائمة النسب فهذا ليس بالأمر الغريب طالما أنه من قبل وضح أن متَّى استبعد عدداً من الناس في قائمته. مثلاً عندما يكتب متَّى في 1: 8 أن «يورام ولد عزيا. لكن عندما قورنت قائمته بما هو مدوَّن في ( أخبار الأيام الأول 3: 10- 12) يتضح أنه استبعد ثلاثة أشخاص هم أخزيا ويوآش وأمصيا. لقد ترك متَّى أسماءً لكي يصل إلى الشكل الهيكلي لشجرة النسب التي يرغب فيها: «فجميع الأجيال من إبراهيم إلى داود أربعة عشر جيلاً، ومن داود إلى سبي بابل أربعة عشر جيلاً، ومن سبي بابل إلى المسيح أربعة عشر جيلاً» ( مت 1: 17).

لذلك فإنه ليس من غير المعقول أن نفترض قيام متَّى بترك وإهمال اسم والدة يوسف لكي يصل إلى الشكل الهيكلي الذي ترتضيه. وأكثر من ذلك، هناك في قائمته أسماء أربعة من النساء -ثامار، وراحاب، وراعوث وبثشبع. وهي حقيقة قد تقودنا إلى فكرة أنها ربما تكون سلسلة نسب تعتمد على النساء أساساً.

بينما قد تكون وجهة النظر تلك حقيقية، فإنه من المستغرب أن يذكر متَّى أسماء أربعة من النساء ومع ذلك يترك اسم السيدة التي من المفترض أن تكون هي حجر الأساس لشجرة النسب، وإذا كان في حاجة للتغاضي عن بعض الأسماء بسبب الشكل الهيكلي، لماذا يسقط أهم الأسماء - وهو اسم والدة يوسف النجار؟

3(هـ) يوسف مقابل يوسف
يضع جريشام ماكين أمامنا حلاً آخر اقترحه عليه اللورد أ. هارفي: «وهي نظرية اكتسبت أكبر دعم في أيامنا الحديثة» ويلخصها لنا بويس قائلاً: «كلا شجرتي النسب في لوقا ومتَّى هما ليوسف النجار، لكن شجرة متَّى توضِّح أحفاد داود القانونيين، وهو الخط الذي يبين من تولَّوا مثلاً الحكم أو أوشكوا على ذلك إذا كان الملك قد استمر. أما لوقا فقد أعطانا الخط الأبوي المعتاد».

هذا الاقتراح له بعض المزايا، لكن، كما يخبرنا مارشال:«هذا الحل يعتمد على الحدس والتخمين- وليس هناك طريقة تبرهن ما إذا كان هذا الحدث مطابقاً للواقع أم لا. وللأسف لا يوجد إثبات أو عدم إثبات لهذه النظرية».

4(هـ) يوسف مقابل مريم
ربما أفضل الحلول وهي من أقدمها، يقول وزرينتون إنها ظهرت على الأقل منذ عام 1490م:

«من الأمور التقليدية افتراض أن قائمة نسب متَّى تقتفي أثر نسب يسوع من خلال يوسف (نسبه القانوني)، بينما قائمة لوقا تهتم بنسبه من خلال مريم (نسبه الطبيعي). وهذا الحل يجد دعماً من الحقيقة التي تقول إن متَّى ركز في تسجيله للأحداث على دور يوسف أكثر من مريم، بينما كانت تسجيلات لوقا تجعل من مريم المحور الأساسي في الدراما. وهذا أيضاً ينسجم مع التخمين القديم الذي يقول بأن يوسف هو مصدر كثير من حكايات مولد يسوع عند متَّى، بينما مريم هي المصدر الذي استقى منه لوقا معظم معلوماته.

كل من جيسلر وهاو يتبنيان هذا الموقف كحلّ للاختلاف بين قائمتي النسب. وتفضيلهم لهذا الموقف وأسباب قبولهم له تضيف وتدعم من ملاحظات وزرينتون:

قائمة الأنساب عند لوقا ومتى مختلفتان، إحداهما تتبع نسبه عن طريق الأب القانوني وهو يوسف، والأخرى من خلال أمه وهي مريم. متَّى يمدنا بالخط الرسمي للنسب، طالما أنه يقدم يسوع لليهود الذين يهتمون بالمسيح اليهودي والذي من شروطه أن يكون من نسل إبراهيم وداود» ( مت 1: 1). أما لوقا وأمامه جمع كبير من اليونانيين، يقدم يسوع بأنه الرجل الكامل (وهو مطلب يوناني يتفق مع معتقداتهم)، لذا هو يتعقب نسب يسوع حتى الرجل الأول وهو آدم» ( لو 3: 38).

أن يقوم متَّى بتسجيل قائمة نسب ليسوع من ناحية الآب، بينما يتتبع لوقا هذا النسب من ناحية الأم فذلك يدعمه عدد من الحقائق. أولاً، بينما تواصل كل من القائمتين التقدم حتى داود: إلا أن متَّى ينسب يسوع إلى يوسف (أبيه القانوني) ويصل به حتى الملك سليمان، والذي يرث منه المسيح الملك وعرش داود (2 صم 7: 12). وفي الجانب الآخر، كان هدف لوقا أن يرى الناس المسيح كإنسان عادي، لذا هو يصل بنسبه إلى ناثان ابن داود، ثم إلى والدته مريم، والتي من خلالها يمكن أن يظهر إنسانيته الكاملة، وكونه مخلِّصاً للعالم.

أكثر من ذلك، فإن لوقا لم يقل أنه يصل نسب يسوع بيوسف، بل يسجل أن يسوع «وهو على ما كان يظن» ( لو 3: 23) إنه ابن ليوسف، بينما هو في الواقع ابن لمريم. أيضاً، فإن لوقا يسجل نسب مريم لأن هذا يتناسب مع تأكيده المستمر على النساء في إنجيله، والذي دُعي «إنجيل النساء».

وأخيراً، فإن احتواء كل من القائمتين على نفس الأسماء على وجـه العموم (مـثل شلتـائـيل وزربابـل مـت 1: 12، لو 3: 27) لا يثبت أنهـم نفـس الأشخـاص. أولاً، هـي ليسـت مـن الأسمـاء غيـر الـمتـداولة، وأكثر من ذلـك، حتـى إذا كـانـت نفـس سلسلة النسب، فإن لوقا قد كرر اسمي يوسف، ويهوذا» ( لو 3: 26 و 30).

يقبل الباحث الكتابي جليسون أرشر هذا الحل، ويضيف من عنده بعض الدعم:

يعطي متَّى (1: 1- 16) سلسلة نسب يسوع عن طريق يوسف، الذي كان هو سليلاً للملك داود. ولأن يسوع هو الابن الذي تبنَّاه يوسف، لذا فإنه يصبح وارثاً له قانونياً. لاحظ بدقة ما ورد في الآية 16 «ويعقوب ولد يوسف رجل مريم التي وُلد منها يسوع الذي يُدعى المسيح».

وهذا شكل في العرض لا يتوافق مع ما سبقه في سرد قائمة أجداد يوسف: «إبراهيم ولد إسحق، وإسحق ولد يعقوب، الخ». لكن لم يذكر أن يوسف ولد يسوع، لكن يشار إليه بأنه «رجل مريم التي وُلد منها يسوع».

في لوقا 3: 23- 38، من جانب آخر يسجل قائمة نسب مريم نفسها، ويصل بنا حتى إبراهيم ثم آدم وبداية التاريخ الإنساني. وهذا يبدو متضمناً في الآية 23: يسوع.. «كان يظن أنه ابن يوسف». هذه الكلمة (كان يظن) توضح أن يسوع لم يكن الابن الطبيعي ليوسف، بالرغم أن كل معاصريه يعلمون أنه ابنه. وهذا يدعو إلى تركيز الانتباه على الأم مريم، التي هي الوالد الوحيد ليسوع من خلال عدد من الأسلاف. لذا ذكرت سلسلة نسبها بدءاً من هالي، الذي هو يعتبر حمو يوسف، بينما أب يوسف هو يعقوب ( مت 1: 16). وخط نسب مريم ينتهي إلى ناثان وهو ابن لبثشبع زوجة داود. لذلك فإن يسوع من نسل داود وبشكل طبيعي من خلال ناثان، ومن سليمان من الناحية القانونية.

مازال هناك أدلة أخرى تؤيد هذا الحل نسمعها من الباحث دونالد جراي بارنهاوس:

هناك قائمتان للنسب. يسير الخط متوازياً من إبراهيم حتى داود، لكن يسير متَّى هابطاً حتى يسوع عن طريق سليمان ابن داود، بينما يسير لوقا حتى يسوع عن طريق ناثان ابن داود. وبشكل آخر، كل من القائمتين تمثلان نسب أخين، والأبناء حينذاك يُعتبرون من أبناء العمومة. وعندما ذكرت أن قائمة لوقا تختص بالعذراء مريم وقائمة متَّى خاصة بيوسف، لست فقط أتَّبع التقليد الراسخ للكنيسة في العالم، كما ذكر الدكتور أور، لكن أعطي هنا التفسير الوحيد الذي يتماشى مع الحقائق. والنقطة الأساسية في الاختلاف ترجع إلى أن قائمة الملك سليمان هي القائمة الملكية، بينما قائمة ناثان هي القائمة القانونية...

لكن أكبر دليل يقع في اسم معين ذكره متَّى: وهو اسم يكنيا. وهذا الاسم هو الذي يبين لماذا كانت سلسلة نسب يسوع متصلة بيوسف النجار، وهو يثبت أن يوسف لا يمكن أن يكون أباً ليسوع، وإذا كان هذا صحيحاً فإن يسوع ليس هو المسيح. إن استخدام هذا الاسم هو دليل قطعي أن يسوع هو ابن لمريم ولكنه ليس ابناً ليوسف. يكنيا هذا كان ملعوناً من الرب مما حرم كل نسله من المطالبة بحق الحكم.

نحن نقرأ في ( إرميا 22: 30) «اكتبوا هذا الرجل عقيماً لا ينجح في أيامه لأنه لا ينجح من نسله أحد جالساً على كرسي داود وحاكماً بعد في يهوذا». وفعلاً لم يملك أحد من أبنائه السبع على العرش (1 أخ 3: 17 و18). ولم يصبح أحدهم ملكاً بسبب لعنة الله. وإذا كان يسوع ابناً ليوسف، لكان إذن ملعوناً وما أصبح هو المسيح.

من جانب آخر، فإن فرع ناثان لم يكن هو الخط الملكي. وأي ابن يولَد من صلب هالي سوف يواجه بحقيقة تواجد خط ملكي ثم ينازع أي ادِّعاء يأتي من سلالة ناثان. لكن كيف تم حلُّ تلك المعضلة؟ لقد حُلَّت بطريقة سهلة للغاية، مما سبب الارتباك لجماعة اللاأدريين الذين يبغون تمزيق الكتاب المقدس إرباً إرباً. والإجابة على ذلك كالآتي: السلالة الخالية من اللعنة أنجبت هالي وابنته العذراء مريم وكذلك يسوع المسيح، لذا هو له استحقاقات هذه السلالة وهو ينتهي بها. أما السلالة الملعونة فقد أنجبت يوسف وتنتهي عند سليمان، ومن ضمن أبناء يوسف أحدهم يعتبر ابنه من الناحية القانونية، ويعتبر أحد المستحقين لوراثة الملك. لكن كيف يتم تصحيح تلك المسألة؟ هناك لعنة تلحق بسلالة، والأخرى ينقصها الحق في وراثة الملك.

لكن عندما حلَّ الله الروح القدس في رحم العذراء مريم وُولد يسوع بدون الاستعانة بأب أرضي، كان هذا الطفل الوليد من سلالة داود طبقاً للجسد، وعندما تزوج يوسف مريم وشمل الطفل الوليد برعايته وحبه، معطياً إياه اللقب الذي ورثه منذ جده سليمان، هنا أصبح السيد المسيح هو المسيح الرسمي، المسيح الملكي، المسيح غير الملعون، المسيح الحقيقي، المسيح الوحيد. وانتهى عنده تسلسل النسل، وأي إنسان يدخل العالم مدَّعياً أنه قد وفَّى الاشتراطات، سوف يكون كاذباً وابناً للشيطان.

يستخلص ليفيلد من ذلك: «لدينا وفرة من الاحتمالات وليس العكس. لذلك فإن نقص التأكيدات نتيجة للمعلومات غير الكاملة، يجعلنا غير محتاجين لأن نتوقع الخطأ في أي من قائمتي النسب».

ربما لا توجد معلومات كافية لحلَّ الاختلاف بين قائمتي متَّى ولوقا بشكل مؤكد، لكن من المؤكد أن فك الاشتباك بينهما ليس بالأمر العسير، لذلك فإنهما لا يمثلان عقبة حقيقية في السرد الكتابي لميلاد يسوع العذراوي.

4(ج) شهادات كل من مرقس ويوحنا وبولس
يجادل النقَّاد كثيراً بأنه طالما أن الإشارة إلى الميلاد العذراوي ليسوع في العهد الجديد لا نجده سوى في إنجيلي متَّى ولوقا، فإن هذا الاعتقاد ليس حيوياً لرسالة كنيسة العهد الجديد. أعتقد أن هؤلاء النقاد قصيري النظر، وأن هناك أدلة أخرى في العهد الجديد تشير إلى الميلاد العذراوي لكن أولاً، هناك بعض المنطق المغلوط في مجادلاتهم تحتاج إلى الاستجلاء. ويخبرنا وليم تشايلد، الأستاذ الفخري في اللاهوت التاريخي «ما هو واضح في متَّى ولوقا هو أيضاً واضح وجلِّي في بولس ويوحنا».