|
(أ) مقدمة1
بعد أن أمضيت أكثر من سبعمائة ساعة في دراسة وفحص موضوع القيامة، توصلت إلى
أن قيامة يسوع المسيح إما أنها أشر وأسوأ خدعة فرضت على عقول البشر، أو
أنها أعظم حقيقة تاريخية.
وللمسيح ثلاث مميزات تشهد
له: (1) تأثير حياته ومعجزاته وتعاليمه على التاريخ، (2) النبوات القديمة
التي تحققت في حياته، (3) قيامته. فالمسيحية والقيامة يقومان معاً أو
يسقطان معاً. قال لي يوماً أحد الطلاب بجامعة أورجواي: «أستاذ مكدويل.
لماذا لا تدحض المسيحية؟» فأجبته: «لسبب بسيط وهو أنني لا أستطيع أن أجد
تفسيراً عقلانياً لأحد الأحداث التاريخية، ألا وهو قيامة يسوع.»
وقصة القيامة كما أوردها
البشير متى ( متى 28: 1- 11، انظر أيضاً مرقس 16، لوقا 24، يوحنا 20، 21):
1- وبعد السبت عند فجر أول
الأسبوع جاءت مريم المجدلية ومريم الأخرى لتنظرا القبر.
2- وإذا زلزلة عظيمة حدثت.
لأن ملاك الرب نزل من السماء وجاء ودحرج الحجر عن الباب وجلس عليه.
3- وكان منظره كالبرق ولباسه
أبيض كالثلج.
4- فمن خوفه ارتعد الحراس
وصاروا كأموات.
5- فأجاب الملاك وقال
للمرأتين لا تخافا أنتما. فإني أعلم أنكما تطلبان يسوع المصلوب.
6- ليس هو ههنا لأنه قام كما
قال. هلما انظرا الموضع الذي كان الرب مضطجعاً فيه.
7- واذهبا سريعاً قولا
لتلاميذه إنه قد قام من الأموات. ها هو يسبقكم إلى الجليل. هناك ترونه. ها
أنا قد قلت لكما.
8- فخرجتا سريعاً من القبر
بخوف وفرح عظيم راكضتين لتخبرا تلاميذه.
9- وفيما هما منطلقتان
لتخبرا تلاميذه إذا يسوع لاقاهما وقال سلام لكما. فتقدمتا وأمسكتا بقدميه
وسجدتا له.
10- فقال لهما يسوع لا
تخافا. اذهبا قولا لإخوتي أن يذهبوا إلى الجليل وهناك يرونني.
11- وفيما هما ذاهبتان إذا
قوم من الحراس جاءوا إلى المدينة وأخبروا رؤساء الكهنة بكل ما كان.
2(أ) أهمية قيامة المسيح بالجسد
لقد أشار يسوع إلى قيامته جسدياً كدليل على قيامته من بين الأموات وعلى أنه
الله المتجسد كما قال، ومن ثم فإن زعم النقاد بأن جسده لم يكن مادياً يهدم
الإيمان بألوهية المسيح. والقبر الفارغ في حد ذاته لا يبرهن على قيامة يسوع
تماماً كما أن اختفاء جثة من مشرحة لا يثبت أن صاحبها قد قام. إن الإيمان
المسيحي مؤسس على القيامة الجسدية للمسيح.
ويقول الدكتور نورمان
جايسلر: «لو أن المسيح لم يقم بنفس الجسد المادي الذي وضع في القبر،
إذاً لفقدت القيامة قيمتها كدليل دامغ على ألوهيته التي أعلنها» ( يوحنا 8:
58، 10: 30). لا يمكن للقيامة أن تبرهن على تصريح يسوع بأنه الله ما لم يقم
المسيح بالجسد الذي صلب به، هذا الجسد المادي الحقيقي. وما لم يقم يسوع
بجسد حقيقي، فلا سبيل إلى التحقق من قيامته. وبالتالي تفقد القيامة قيمتها
ومصداقيتها التاريخية
3(أ) دلالات القيامة
تقوم كل ديانات العالم العظمى على افتراضات فلسفية، ما عدا أربعة منها،
تعتمد على شخصيات، أكثر مما تعتمد على الفلسفات. والمسيحية وحدها هي التي
تنادي بأن قبر مؤسسها فارغ. فقد مات إبراهيم أب اليهودية نحو 1900 ق. م.
دون أن يدَّعي أحد أنه قام.
ويقول ولبر م. سميث
في كتابه «لهذا يقوم»: «إن الكتابات الأصلية عن بوذا لا تعزي إليه
أي شيء مثل القيامة، بل إننا نقرأ في الكتابات القديمة عن موته،
المهابارنيبانا سوتا Mahaparinibbana Sutta، أنه عندما مات «تلاشى تماماً
ولم يتبق بعده شيء بالمرة».
«يقول الأستاذ تشايلدرز:
ليس هناك في الكتب البوذية المقدسة أو شروحاتها (أو أي من كتبهم الأخرى) ما
يشير إلى أن «ساكيا موني» قد وجد بعد موته أو ظهر لتلاميذه. لقد مات
نبي الإسلام في الثامن من يونيو 632م بالمدينة في الحادية والستين من عمره،
ويزور قبره اليوم الآلاف من المسلمين. وكل هذه الملايين من أتباع اليهودية
أو البوذية أو الإسلام يقرون بأن مؤسسي دياناتهم قد ماتوا ولم يقم أحد
منهم، من تراب الأرض.
ويقول وليم لين كريج:
«لم يكن للإيمان المسيحي أن يقوم دون عقيدة القيامة فلولا القيامة لبقى
التلاميذ يائسين منهزمين. ولو ظلوا يتذكرون معلمهم المحبوب يسوع، لكانت
ذكرى الصلب كفيلة بأن تسكت فيهم أي رجاء في أن يكون هو المسيا، ولبقى
الصليب يمثل النهاية المخزية والحزينة لحياته. ومن ثم فإن المسيحية مؤسسة
على اعتقاد التلاميذ الأقدمين في أن الله قد أقام يسوع من الأموات».
ويقول ثيودوسس هارناك:
«لم تعد حقيقة القيامة أمراً من الأمور الجدلية في العقيدة المسيحية.
فالمسيحية تقوم أو تسقط مع القيامة».
ويقول وليم ميليجان:
«بينما نتحدث عن البرهان الإيجابي لقيامة يسوع المسيح ربنا، يمكن القول
بأنها، إن صحت، تنسجم مع سائر ملامح حياته التاريخية الأخرى».
وينتهي ولبر م. سميث
إلى النتيجة التالية: «إن كان ربنا قد أكد مراراً مفصلاً وموضحاً أنه بعد
صعوده إلى أورشليم سوف يُقتل، ولكنه سوف يقوم من الأموات في اليوم الثالث،
وتمت نبوته هذه بالفعل، إذاً فلابد أن كل ما قاله عدا ذلك هو أيضاً صحيح».
ويقول أيضاً و. ج. سبارو
- سمبسون:
السؤال الذي يطرح نفسه هو
كيف يمكن أن تكون قيامة المسيح دليلاً على أنه ابن الله؟ والإجابة هي أنه
أولاً قام بسلطان شخصه، إذ كان له السلطان أن يضع حياته وأن يأخذها أيضاً
( يوحنا 10: 18). ولا يتناقض هذا مع القول في مواضع كثيرة بأن الآب أقامه،
لأن ما يفعله الآب، يفعله الابن أيضاً، فالخْلق وكافة الأعمال الأخرى تنسب
إلى الآب أو الابن أو الروح دون أي تمييز. وثانياً: بما أن المسيح أعلن
صراحة أنه ابن الله، فإن قيامته من الأموات كانت ختم الله تصديقاً على هذه
الحقيقة. ولو أنه بقى تحت سلطان الموت، لكان الله بذلك قد نفى إدِّعاءه
بأنه ابنه، ولكن إذ أقامه الله من الأموات، فهو يعلن صراحة: «أنت ابني،
اليوم أعلن هذه الحقيقة على الملأ».
كما أن موعظة بطرس يوم
الخمسين مؤسسة بشكل كلِّي على القيامة. فليست القيامة هي موضوعها الرئيسي
فحسب، ولكن بدونها لا تبقى عقيدة على الإطلاق. ويقدم الرسول بطرس القيامة
باعتبارها :
(1) توضيح لموت المسيح.
(2) تحقيق للنبوات عن المسيا
المخِّلص.
(3) شهد بها الرسل جميعاً.
(4) سر انسكاب الروح القدس،
وبدونها لا يمكن تفسير هذه الظاهرة الدينية العجيبة.
(5) شهادة على أن يسوع
الناصري هو الملك المسيا المنتظر.
وهكذا نرى أن كل ما قاله
بطرس عن المسيح يعتمد ويقوم كليةً على حقيقة القيامة. فبدون القيامة لا
يمكن البرهان على أن يسوع هو المسيا الملك. وبدونها لظلَّ انسكاب الروح
القدس سراً غامضاً. وبدونها لما كان للرسل أن يكرزوا. ولبقى المزمور السادس
عشر ينتظر المسيا الذي يحقق نبواته في المستقبل. ولكان يسوع قد نال
الاستحسان الإلهي كما تشهد بذلك أعماله، وهو استحسان على حياته فقط، هذه
التي انتهت كحياة أي نبي آخر لم تستطع الأمة احتماله. وهكذا نرى أن الموعظة
المسيحية الأولى مؤسسة على مكانة يسوع القائم من الأموات.
ويعترف أدولف هارناك،
الذي ينكر على الكنيسة إيمانها بالقيامة أن: «الثقة الوطيدة للتلاميذ في
يسوع تنبع من إيمانهم بأنه لم يمسك من الموت ولكن الله أقامه. بفضل ما
عرفوه في المسيح وبعد أن رأوه يقيناً> كان أمر قيامته مؤكداً بالنسبة لهم
تماماً مثل حقيقة موته، وأصبح الموضوع الرئيسى لكرازتهم به»
ويقول هـ. ب. ليدون:
«إن الإيمان بالقيامة هو حجر الزاوية في الإيمان المسيحي، وإذا أزلناه يسقط
بناء الإيمان كله».
ويقول دوجلاس جروثويس:
تظهر حقيقة قيامة يسوع
مراراً وتكراراً في العهد الجديد. فتسجل الأناجيل تعليم يسوع بأنه ينبغي أن
يسلم ويقتل ويقوم من الأموات مرة أخرى. وتشهد جميعها بأن قبره كان فارغاً
وأنه ظهر لتلاميذه كما قال. ويسجل سفر الأعمال الكرازة بالمسيح المقام
كحقيقة محورية. كما أن رسائل العهد الجديد وسفر الرؤيا تصبح بلا معنى دون
يسوع المقام. إن حقيقة القيامة تشهد لها الأناجيل الأربعة، وسجّل تاريخ
الكنيسة الأولى أي سفر الأعمال، ورسائل بولس وبطرس ويوحنا ويعقوب ويهوذا
والرسالة إلى العبرانيين. ولما كانت أسفار العهد الجديد يعتد بها من
الناحية التاريخية... فهذا هو أول الأسباب القوية لقبول القيامة كحقيقة
موضوعية.
لقد كانت قيامة المسيح
دائماً هي العقيدة المحورية للكنيسة. وفي ذلك يقول ولبر سميث:
منذ اليوم الأول الذي شاءت
فيه العناية الإلهية أن تمنحها الحياة، أجمعت الكنيسة المسيحية على الشهادة
بإيمانها في قيامة المسيح. ويمكننا أن نقول إن القيامة هي إحدى العقائد
والركائز الأساسية للكنيسة، ومن ثم فهي تتخلل كتابات العهد الجديد، حتى أنك
إن أزلت كل نص يضم إشارة للقيامة من العهد الجديد، سيصبح لديك مجموعة
كتابات مبتورة لا يمكن فهمها. ولقد كانت القيامة جزءاً لا يتجزأ من حياة
المسيحيين الأوائل. فهي تظهر كحقيقة على قبورهم وفي الرسوم المنقوشة في
سراديب القبور، كما أنها تغلغلت في الترانيم المسيحية وأصبحت أحد أهم
الموضوعات في الكتابات الدفاعية العظيمة عن المسيحية في القرون الأربعة
الأولى. كما كانت القيامة هي الموضوع الأساسي للكرازة في عصر مجمع نيقية.
كما دخلت ضمن قوانين الإيمان التي وضعتها الكنيسة، فنجدها في قانون الإيمان
الرسولي وفي جميع قوانين الإيمان الأخرى اللاحقة.
إن جميع شواهد العهد الجديد
تؤكد أن مضمون الأخبار المفرحة أو الإنجيل لم تكن «اتّبع هذا المعلم وافعل
الصالحات» ولكن «أن يسوع قد قام» ولا يمكنك أن تنتزع القيامة من المسيحية
دون أن تغيّر طبيعتها جذرياً وتفسد كيانها.
ويقول الأستاذ ميليجان:
«ومن الأمور الواضحة أن المسيحية منذ بداية عهدها لم تكن تؤمن بقيامة الرب
فحسب، بل أن هذا الإيمان كان جزءاً من النسيج الكلي لوجودها».
ويقتبس د. روبرتسون نيكول
عن بريسنسي قوله: «صار قبر المسيح الفارغ مهد الكنيسة».
ويقول و. ج. سبارو -
سيمبسون:
«لو لم تكن القيامة حقيقة تاريخية، لبقى سلطان الموت سائداً، ومعه كل
نتائج الخطية، ولبقى موت المسيح دون أهمية، وعليه لبقى المؤمنون بالمسيح
بعد في خطاياهم، كما كانوا قبل سماعهم عن يسوع»
ويقول ر. ميتشن إدجار
في كتابه: «إنجيل المخلص المقام»:
إننا أمام معلم ديني يعلق
تعاليمه كلها على قدرته على القيامة من الأموات بعد أن يُقتل. وبثقة يمكننا
القول إن أحداً لم يطلق مثل هذا الادِّعاء قبله أو بعده. أما القول بأن هذا
الاختبار غير العادي اخترعه بعض تلاميذه الصوفيين من النبوات القديمة
وأدخلوه على هذا النحو إلى روايات الإنجيل، فهو يضع عبئاً ثقيلاً على
عقولنا لم يكن لها أن تتحمله. فها هوذا المعلم الذي يعلِّق كل شيء على
قدرته على الانتصار على الموت، يقف أمامنا كأصدق معلِّم معلناً نصرته
بالحياة على الموت!
ويشير وليم لين كريج
إلى أهمية القيامة بالنسبة للتلاميذ قائلاً:
لقد كان لحادثة الصلب تأثير
مدمر في نفوس التلاميذ. إذ لم يكن لديهم أدنى فكرة عن موت أو قيامة المسيا،
وهم الذين يتوقعون أن المسيا سيملك إلى الأبد (انظر يوحنا 12: 34). دونما
الإيمان بقيامته، كان من المحال الإيمان بيسوع باعتباره المسيا بعد أن مات.
لقد حولت القيامة الهزيمة إلى نصرة. فرغم كل شيء أعلن الله أن يسوع هو
المسيا إذ أقامه من الأموات ( أعمال 2: 32 و36). ونفس الأمر ينطبق على
الصليب، فبقيامة يسوع صار موت العار على الصليب هو مصدر الخلاص. وبدون
القيامة، لم يكن موت يسوع إلا هواناً ولعنة من الله، ولكن بالقيامة أصبح
مصدراً لغفران الخطايا. وبدون القيامة لم يكن للمسيحية أن تظهر. ولو أن
التلاميذ ظَّلوا يذكرون يسوع المعلم المحبوب، ما أمكنهم الإيمان به كمسيا،
الله المتجسد.
ونجد العبارات التالية في «قاموس
الكنيسة الرسولية»:
يعترف أعدى أعداء الكنيسة من
النقَّاد، مثل د. ف. شتراوس، أن القيامة هي «المحك الرئيسي، ليس
لحياة يسوع فقط، بل للمسيحية نفسها فهي تتغلغل في المسيحية بأكملها» وهي
محورية بالنسبة للعقيدة المسيحية ككل، فإن زالت القيامة، زال من
المسيحية كل أمر هام وجوهري، وإن بقيت القيامة، بقيت المسيحية. وعلى مدى
القرون الطويلة، ظلَّت القيامة هي محور الهجوم على الإيمان المسيحي.
ويقول ج. ب. وارفيلد:
«يعمد يسوع نفسه إلى تعليق تعاليمه كلها وتركها لحكم البشر على أساس برهان
القيامة. فعندما يسألونه آية، يشير إلى هذه الآية كبرهان وحيد فيه الكفاية»
ويتحدث أرنست كيفان
عن اللاهوتي السويسري الشهير فريدريك جوديت: «في كتابه محاضرات في
الدفاع عن الإيمان المسيحي»، عن أهمية قيامة المسيح ويشير إلى أن هذه
المعجزة، وهذه المعجزة وحدها، قدمها المسيح كبرهان على تعاليمه وسلطانه».
ويوضح مايكل جرين ذلك
قائلاً:
إن المسيحية لا تعتبر
القيامة واحدة من بين عقائد كثيرة تؤمن بها. إذ أنه بدون الإيمان بالقيامة،
لا تبقى هناك مسيحية على الإطلاق وبدونها ما أمكن للكنيسة أن تقوم في
البداية، ولأخفقت بشارة يسوع بموته. فالمسيحية تقوم على حقيقة القيامة أو
تسقط بدونها. ومتى انتفت القيامة، تلاشت المسيحية.
والمسيحية ديانة تاريخية فهي
تنادي بأن الله قد تدخَّل بنفسه في التاريخ البشري، وها هي الحقائق
لتتفحصها بنفسك بأكثر دقة، وتدرسها دراسة نقدية كما تشاء.
أما چون لوك،
الفيلسوف البريطاني المعروف، فقد قال في أمر قيامة المسيح: «إن قيامة
مخلصنا... ذات أهمية بالغة حقاً بالنسبة للمسيحية، حتى أن الإيمان بأنه
المسيح أو عدم الإيمان بذلك يعتمد عليها. وهذان الأمران المحوريان لا يمكن
الفصل بينهما، بل أنهما في الحقيقة أمر واحد. لأنه منذ قيامة يسوع، يؤمن
المرء بإحدى هاتين الحقيقتين فيؤمن بهما معاً، أو ينكر إحداهما فينكرهما
معاً».
ويصل فيليب شاف إلى
النتيجة التالية: «ولهذا فإن قيامة المسيح هي المحك الذي يقوم عليه صدق أو
زيف الديانة المسيحية. فإما أنها أعظم معجزة يسجلها التاريخ أو أسوأ خدعة».
يقول ولبر م. سميث:
«لم يوجد قط سلاحاً، ولن يوجد أبداً، قادراً على محق الإيمــان العقــلي
فيما يسجله التاريخ عن هذا الحدث التاريخي الـذي سبــق التنــبؤ به. إن
قيامة المسيح هي القلعة الحصينة للإيمــان المسيحـي. وهي العقيدة التي
قلبـت موازين الدنيا في القرن الأول، وسمت بالمسيحية عالياً فوق اليهوديـة
والديانــات الوثنية في بلدان البحر الـمـتوســط. ولو انمحــت القيامة،
لانمحى معها كل ما هو جوهري وفريد في إنجــيل الرب يسوع المسيح: «وإن لم
يكـن الـمسيـح قد قـام فباطل إيمانكم!» (1كورنثوس 15: 17).
ويصف بيتر كريفت ورونالد
ك. تاسيلي الأثر المذهل للقيامة: إن للقيامة أهمية بالغة من الناحية
العملية لأنها تتمم خلاصنا، إذ جاء يسوع ليخلِّصنا من الخطية والموت الذي
نتج عنها ( رومية 6: 23). والقيامة أيضاً تميز يسوع عن مؤسسي الديانات
الأخرى جميعاً. فما زالت رفات إبراهيم ومحمد وبوذا وكونفشيوس ولاوتسو
وزرادشت على الأرض، أما قبر يسوع فهو فارغ.
إن نتائج القيامة على الواقع
المادي لا تضاهي. فهـي البرهان الـمـادي الواقـعي التـجـريبـي على أن
الحياة ذات معنى وهـدف، وأن «المحبة أقـوى من الـموت»، وأن الخير والقوة
حليفان في نهاية الأمر وليسا خصمين، وأن للحياة الغلبة في النهاية، وأن
الله جاء إلى عالمنا وهزم آخر عدو لنا، وأنـنا لسـنا كـأطـفال يتامى فـي
هـذا الكون، كما تصور ذلك الرؤى العالمية العلمانية الحـديثة. وهذه النتائج
نلحظها بمقارنة حـالة التـلامـيذ قبـل القيـامـة وبعدها، فقبل القيامة
فرُّوا هاربين وأنكروا سيدهم واختبأوا خلف الأبواب المغلقة في خـوف
واضطـراب. أمـا بعد القيامة فقد تحـوَّلــوا من كائنات مرتعبة إلى قـديسـين
واثقـين، ورسـل غيَّروا الدنيـا، وشهداء شجعان وسفراء عن المسيـح يطوفـون
البلـدان ممتلئـين فرحـاً.
4(أ) إعلان المسيح أنه
سيقوم من الأموات
1(ب) أهمية هذا الإعلان
يقول ولبر م. سميث مؤكداً:
إن يسوع هذا كان هو نفسه
المسيح الذي قال، من بين ما قاله من الأمور العجيبة، مراراً وتكراراً
شيئاً، إن صدر عن غيره لحكم عليه على الفور بأنه مصاب بجنون العظمة أو شخص
مختلّ العقل. إن قول يسوع إنه سيصعد إلى أورشليم ليموت هناك ليس مثيراً
للانتباه في شيء، هذا باستثناء التفاصيل الكثيرة التي قدَّمها عن موته قبل
ذلك بوقت طويل والتي تعتبر ظاهرة نبوية، ولكن عندما قال إنه سوف يقوم من
الأموات في اليوم الثالث من صلبه، فإنه قال ما لا يجرؤ إلا أحمق على قوله
لو كان يريد أن يحتفظ بولاء تلاميذه له -هذا ما لم يكن متأكداً تماماً من
أنه سيقوم من الأموات. إن أحداً من مؤسسي ديانات العالم لم يجرؤ على
التصريح بشيء من هذا القبيل!
لقد تنبأ المسيح عن قيامته
بشكل صائب ومباشر. وبينما لم يستطع تلاميذه أن يفهموا ذلك، أخذ اليهود
أقواله على محمل الجد. وفي ذلك يقول ج. ن. د. أندرسون مضيفاً
الملاحظة التالية:
منذ زمن ليس ببعيد كان في
انجلترا محامي شاب بالمحاكم العليا يدعى فرانك موريسون. ولم يكن هذا
المحامي مؤمناً. وقد تعهد أمام نفسه لسنوات أنه يوماً ما سيؤلف كتاباً يدحض
فيه القيامة تماماً وإلى الأبد. وقد أتيح له الوقت في نهاية الأمر. كان هذا
الرجل أميناً وقام بدراسة الأمر دراسة وافية.
وأخيراً، وبعد قبوله المسيح،
ألَّف كتاباً عنوانه: «من دحرج الحجر؟» ومبتدئاً من أقسى المناهج نقداً
للعهد الجديد، توَّصل، من بين ما توَّصل إليه من نتـائـج، إلـى أنه لا يمكن
تفسير محاكمة يسوع وإدانته إلا على أساس أن يسوع نفسه قد تنبأ بمـوته
وقـيامته.
ويقول سميث أيضاً:
لو أن شخصاً ما قال لمجموعة
من أصدقائه أنه يتوقع أن يموت موتاً طبيعياً أو يُقتل في وقت معين، ولكنه
سيقوم بعد ذلك بثلاثة أيام، فلا شك أن أصدقاءه سيأخذونه ويودعونه مصحة
عقلية حتى يصحّ مرة أخرى. وهذا أمر طبيعي، لأنه ما من عاقل يشيع أنه سيقوم
من الأموات في اليوم الثالث، فهذا ليس إلا قول إنسان أحمق، إلا إذا كان هذا
الإنسان يعرف أن هذا سيحدث يقيناً، وما من إنسان في العالم عرف ذلك عن نفسه
إلا واحد هو المسيح ابن الله.
ويشير برنارد رام إلى
أنه: «اعتماداً على الموثوقية التاريخية للإنجيل، فلا شك أن المسيح نفسه
كان يتوقع موته وقيامته، وأعلن ذلك لتلاميذه صراحة... ويعترف الإنجيليون
صراحة أن هذه النبوات التي أعلنها يسوع لم تدركها عقولهم حتى صارت القيامة
( يوحنا 20: 9). ولكن الرب نفسه أنبأ بأنه سيقوم من بين الأموات بعد ثلاثة
أيام، فبعد أن يُقتل على أيدي من يبغضونه، سيقوم في اليوم الثالث. وقد تمَّ
كل هذا».
ويقول چون ستوت: «لم
ينبيء يسوع نفسه عن موته إلا وتحدث أيضاً عن قيامته واصفاً إياها بأنها
آية. وفي بداية رسالته إلى رومية، كتب بولس عن يسوع: ««تعيَّن ابن الله...
بالقيامة من الأموات»، كما تؤكد العظات الأولى للرسل، كما ذكرها سفر
الأعمال، مراراً على أنه بالقيامة أبدل الله حكم الموت الذي كان مفروضاً
على الإنسان مبرراً ابنه». - نبوات يسوع عن قيامته:
متَّى 12: 38- 40، 16: 21،
17: 9 و19: 22 و23، 20: 18 و19، 26: 32، 27: 63.
مرقس 8: 31- 9: 1، 9: 10، 9:
31، 10: 32- 34، 14: 28 و58 .
لوقا 9: 22- 27 .
يوحنا 2: 18- 22، 12: 34،
الأصحاحات 14- 16.
2(ب) إعلانات القيامة كما
صرح بها يسوع
لم ينبيء يسوع بقيامته فحسب، ولكنه أكد أيضاً أن قيامته من بين
الأموات ستكون «آية» لتبرهن على تصريحاته بأنه المسيا (متى 12، يوحنا 2).
- متي 16: 21
«من ذلك الوقت ابتدأ يسوع
يظهر لتلاميذه أنه ينبغي أن يذهب إلى أورشليم ويتألم كثيراً من الشيوخ
ورؤساء الكهنة والكتبة ويقتل وفي اليوم الثالث يقوم».
- متي 17: 9
«وفيما هم نازلون من الجبل
أوصاهم يسوع قائلاً لا تعلموا أحداً بما رأيتم حتى يقوم ابن الإنسان من
الأموات».
- متي 17: 22 و23
«وفيما هم يترددون في الجليل
قال لهم يسوع. ابن الإنسان سوف يسلَّم إلى أيدي الناس، فيقتلونه وفي اليوم
الثالث يقوم. فحزنوا جداً»
- متي 20: 18 و19
«ها نحن صاعدون إلى أورشليم
وابن الإنسان يسلَّم إلى رؤساء الكهنة والكتبة فيحكمون عليه بالموت.
ويسلمونه إلى الأمم لكي يهزأوا به ويجلدوه ويصلبوه وفي اليوم الثالث يقوم».
- متي 26: 32
«ولكن بعد قيامي أسبقكم إلى
الجليل».
- مرقس 9: 10
«فحفظوا الكلمة لأنفسهم
يتساءلون ما هو القيام من الأموات».
- لوقا 9: 22- 27
«ينبغي أن ابن الإنسان يتألم
كثيراً ويرفض من الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة ويقتل وفي اليوم الثالث
يقوم. وقال للجميع إن أراد أحد أن يأتي ورائي فلينكر نفسه ويحمل صليبه كل
يوم ويتبعني. فإن من أراد أن يخلِّص نفسه يهلكها. ومن يهلك نفسه من أجلي
فهذا يخلِّصها. لأنه ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وأهلك نفسه أو
خسرها. لأن من استحى بي وبكلامي فبهذا يستحي ابن الإنسان متى جاء بمجده
ومجدالآب والملائكة القديسين. حقاً أقول لكم إن من القيام ههنا قوماً لا
يذوقون الموت حتى يروا ملكوت الله».
- يوحنا 2: 18- 22
«فأجاب اليهود وقالوا له أية
آية ترينا حتى تفعل هذا . أجاب يسوع وقال لهم انقضوا هذا الهيكل وفي ثلاثة
أيام أقيمه. فقال اليهود في ست وأربعين سنة بنى هذا الهيكل أفأنت في ثلاثة
أيام تقيمه. وأما هو فكان يقول عن هيكل جسده. فلما قام من الأموات تذكَّر
تلاميذه أنه قال هذا فآمنوا بالكتاب والكلام الذي قاله يسوع».
5(أ) مدخل تاريخي
1(ب) قيامة المسيح
كحادث تاريخي له زمان ومكان
قيامة المسيح حادث تاريخي
محدد، حيث أن عمل الله قد ظهر في زمان ومكان محددين. وفي هذا يقول ولبر
سميث:
إن قيامة المسيح مسألة
لاهوتية من حيث المعنى، ولكن حقيقتها مسألة تاريخية، وقد تكون قيامة يسوع
بالجسد لغزاً محيراً، ولكن حقيقة اختفاء جسده من القبر مسألة يجب دراستها
بفحص الأدلة التاريخية.
المكان هو موقع جغرافي محدد،
وصاحب القبر كان رجلاً عاش في النصف الأول من القرن الأول، وكان ذلك القبر
منحوتاً في صخرة في أحد التلال القريبة من أورشليم، ولم يكن شيئاً أسطورياً
أو وهمياً، بل كان له أوصاف جغرافية محددة. ولم يكن الحرَّاس الذين عُينوا
لحراسة القبر كائنات أثيرية قادمة من جبل أولمبوس. ومجلس السنهدريم كان
أعضاؤه يجتمعون كثيراً في أورشليم. وكما تخبرنا الكثير من المصادر
التاريخية، فقد كان يسوع شخصاً حقيقياً، عاش بين الناس أياً كانت صفاته
الأخرى. وكان التلاميذ الذي خرجوا ليبشروا بالرب المقام أشخاصاً عاشوا بين
الناس، كانوا يأكلون ويشربون وينامون ويتألمون ويعلِّمون ويموتون فأي شيء
يتصل بالعقيدة في هذه الأحداث؟ إنها مسألة تاريخية صرفاً.
كُتب عن أغناطيوس (حوالي 50-
115م) أسقف أنطاكية الذي عاش في سوريا وكان تلميذاً للرسول يوحنا: لقد
أُلقي للوحوش الضارية في كولوسيوم روما. وكتب رسائله في أثناء رحلته من
أنطاكية إلى حيث استشهد.
وفي ذلك الوقت قال عن
المسيح:
صُلب المسيح في ظل حكم
بيلاطس البنطي، ومات فعلاً تحت بصر السماء والأرض وما تحت الأرض.
وقام في اليوم الثالث... ففي
يوم الاستعداد، في الساعة الثالثة حكم عليه بيلاطس البنطي، إذ سمح الله
الآب بذلك، وُصلب في الساعة السادسة، وفي الساعة التاسعة أسلم الروح، ودُفن
قبل غروب الشمس.
وخلال يوم السبت بقى في قلب
القبر حيث وضعه يوسف الرامي. لقد حُمل به في البطن، كما نحن أيضاً، ووُلد
في الأجل المحدد، كما نحن أيضاً، وتغذى باللبن وأكل وشرب كما نفعل نحن.
وبعد أن عاش وسط الناس ثلاثين عاماً، اعتمد بيوحنا حقاً، وبعد أن بشَّر
بالإنجيل ثلاث سنين وصنع العجائب والمعجزات حكم عليه اليهود وبيلاطس البنطي
الوالي ظُلماً، وهو الديان. فجلدوه ولطموه على خده وبصقوا عليه وكللوه
بإكليل شوك وألبسوه رداءَ أرجوانياً. لقد أدانوه فصُلب بالحقيقة وليس وهماً
أو خيالاً أو خداعاً. وبالحقيقة مات ودُفن وقام من الأموات.
ويحدثنا المؤرخ الألمعي
ألفريد إديرشايم عن الزمان المحدد لموت المسيح وقيامته:
كاد يوم الربيع القصير يصل
إلى «مساء السبت». ولقد كان أمر الشريعة أن لا يبقى جسد المجرم معلقاً دون
دفنه لصباح اليوم التالي. وربما تغاضى اليهود في الأحوال العادية عن أن
يطلبوا من بيلاطس تقصير آلام المصلوبين، لأن عقوبة الصلْب كانت كثيراً ما
تستمر ليس لساعات بل لأيام قبل أن يموت المصلوب. ولكن الأمر هنا كان
مختلفاً فيوم السبت الذي أوشك أن يلوح كان عيداً- فمع كونه يوم سبت كان
أيضاً ثاني أيام عيد الفصح، وكان يعدّ من كل الوجوه مقدساً تماماً مثل
اليوم الأول- بل إنهم كانوا يقدسونه أكثر إذ كانوا يقدمون فيه للرب ما يعرف
باسم «حزمة الترديد».
ويقول ولبر سميث:
«يمكن القول بأننا نعرف تفاصيلاً عن الأحداث التي سبقت موت يسوع الفعلي
مباشرة في أورشليم وبالقرب منها، أكثر مما نعرفه عن موت أي شخص آخر عاش
قديماً».
چاستن مارتر (حوالي 100-
165م) هو فيلسوف وشهيد ومدافع عن الإيمان المسيحي... كان متعطشاً لمعرفة
الحقيقة، فطرق أبواب الرواقية وفلسفات أرسطو وفيثاغورس وأفلاطون، ولكنه كان
يكره الفلسفة الأبيقورية... وقد أصبح هذا الأفلاطوني الغيور مسيحياً مؤمناً
فقال: وجدت هذه الفلسفة وحدها آمنة ومربحة».
لقد أدرك چاستن مارتر
أن فلسفات العالم تقدم افتراضات عقلية، أما المسيحية وحدها فتقدم الله نفسه
فعالاً في الزمان والمكان بواسطة يسوع المسيح. وهو يقول في وضوح تام: «ولد
المسيح قبل مائة وخمسين عاماً أثناء حكم كيرينيوس، وعاش في زمن بيلاطس
البنطي».
كتب ترتليان (حوالي
160- 220م) أسقف قرطاج في شمال أفريقيا: «لكن اليهود تضايقوا من تعاليمه
التي أدانت رؤساءهم وقادتهم، لأن كثيرين انحازوا إليه، وفي نهاية الأمر
أحضروه للمثول أمام بيلاطس البنطي، الذي كان حاكماً رومانياً على سوريا
آنذاك، ولما تعالت أصواتهم ضده، انتزعوا حكماً بصلبه».
وعن صعود المسيح يقول
ترتليان: «وهي حقيقة أكيدة أكثر بكثير من أقوال بروكيلوس عن
رومولوس» (وكان بروكيلوس حاكماً رومانياً، قال إن رومولوس
ظهر له بعد موته.
كل هذا فعله بيلاطس بالمسيح.
ويقول ترتليان أيضاً عنه:
إن تلاميذ المسيح انتشروا في
العالم أجمع وفعلوا كما أمرهم سيدهم، وبعد أن قاسوا الأمرِّين من اضطهادات
اليهود، وبنفس راضية إذ كان لهم إيمان ثابت بالحق، استشهدوا بسيف نيرون
القاسي في النهاية فبذروا بذار الدم المسيحي في روما.
وكتب يوسيفوس المؤرخ
اليهودي في نهاية القرن الأول الميلادي هذه الكلمات الرائعة عنه في كتابه
الآثار:
كان في ذلك الوقت رجل حكيم
اسمه يسوع، لو كان لنا أن ندعوه رجلاً، لأنه كان يصنع العجائب، وكان معلماً
لمن كانوا يتقبَّلون الحق بابتهاج. وجذب إليه الكثيرين من اليهود والأمم
على حد سواء. وكان هو المسيح، وعندما أصدر بيلاطس الحكم عليه بالصلْب،
بإيعاز من رؤسائنا، لم يتركه أتباعه الذين أحبوه من البداية، إذ أنه ظهر
لهم حياً مرة أخرى في اليوم الثالث، كما تنبأ أنبياء الله عن هذه الأشياء
وعن آلاف الأشياء العجيبة المختصة به. وجماعة المسيحيين، المدعوين على
اسمه، مازالوا موجودين حتى هذا اليوم.
وقد حاول البعض أن يبرهنوا
على أن هذه الكتابة مدسوسة على يوسيفوس. إلا أن مايكل جرين يقول في
كتابه «رجل حي»: «وردت هذه الفقرة عن يوسيفوس في كتابات يوسابيوس في
القرن الرابع». ويقول أيضاً: «وظهرت في الطبعات الحديثة لأعماله. ومن
الجدير بالملاحظة أن يوسيفوس لم يكن متعاطفاً مع المسيحيين، ولكنه كان
يهودياً يكتب إرضاءً للرومان. ولم تكن هذه القصة لترضيهم بأي حال. ولم يكن
يوسيفوس ليكتبها لو لم تكن صحيحة».
وفيما يختص بالطبيعة
التاريخية لإيمان الكنيسة الأولى يقول ليني: يصف العهد الجديد
الأمور على النحو التالي: صُلب يسوع ودُفن، فأصاب أتباعه الغم واليأس. وبعد
فترة وجيزة امتلأوا بهجة وطمأنينة وكرَّسوا حياتهم حتى إلى الموت والشهادة.
ولو سألناهم بحسب ما جاء في كتاباتهم عن سبب هذا التغيير، فلن تكون
إجابتهم: «سبب ذلك هو الاعتقاد الذي بدأ يترسخ تدريجياً فينا أن مصيرنا
الموت وأن الذي صُلب ودفن مازال حياً» ولكن ستكون إجابتهم: «السبب هو أن
يسوع الذي مات ظهر للبعض منا حياً بعد موته وآمن الباقون بهذه الشهادة».
ومن الجدير بالذكر أن هذا يعد تقريراً تاريخياً تماماً مثل عبارة: «المسيح
قام بالحقيقة» التي دفعت الكثيرين رجالاً ونساءً للإيمان.
ويتحدث برنارد رام عن
الطبيعة القانونية لكتابات العهد الجديد فيقول: «في الأصحاح الأول من سفر
الأعمال يخبرنا لوقا أن يسوع أراهم نفسه حياً «ببراهين كثيرة»، وهو تعبير
يستخدم للإشارة إلى أقوى أنواع الأدلة القانونية».
ويقول كلارك بينوك
أيضاً:
كان يقين الرسل مؤسساً على
خبراتهم في عالم الواقـع. فقد أراهـم يسـوع نفسه حيـاً «ببـراهـين كثـيرة»
( أعمال 3:1). والتعبير الذي يستخدمه لوقا هنا هو (tekmerion) وهو يشير إلى
الدليل الذي يُرى. لقد نشأ إيمان التلاميذ بالقيامة نتيجة للبراهين المادية
التي لا يمكن إنكارها والتي توفرت لهم. وهي تتوفر لنا من خلال شهاداتهم
المكتوبة. ومن الأهمية بمكان بالنسبة لنا في عصر يطلب الدليل على صحة
الإيمان المسيحي أن نستجيب لهذا الـمطـلــب بتقـديم البراهين التاريخية، إذ
أن القيامة تعتـبر حقيقة تاريخية وتشكل حافزاً قوياً لدى المرء للإيمـان
بالـمسيــح مخـلصـاً.
ويؤكد إرنست كيفان
أيضاً على قيمة شهادات الرسل كبراهين قائلاً: كتب لوقا سفر أعمال الرسل بين
عامي 63م و 70م عند سقوط أورشليم. وهو يقول موضحاً في مقدمة إنجيله أنه جمع
معلوماته من شهود العيان، ومن ثم يمكننا أن نستنتج أنه كتب سفر الأعمال
بنفس الطريقة. وكما تشير الأدلة التاريخية أيضاً فإن استخدامه للضمير «نحن»
يدل على أنه كان يشارك شخصياً في بعض الأحداث التي يرويها. فقد شارك في
البشارة الأولى والأحداث العظمى التي جرت في هذا العصر المبكر. ومن ثم يعد
لوقا شاهد عيان معاصر لتلك الأحداث.. ومن غير المعقول الظن بأن الكنيسة
الأولى لم تكن تعرف تاريخها، وقبول الكنيسة لهذا السفر يعـد دليـلاً على
صحـته.
ويشير كيفان نقلاً عن
أحد العلماء المسيحيين البارزين إلى أنه: «كما أن الكنيسة مقدسة للغاية بما
لا يسمح بوجود أساس فاسد، فهي أيضاً حقيقية للغاية ولا تشوبها الأساطير».
«ليست هناك وثائق أكثر قيمة
من الرسائل التي كُتبت في ذلك العصر لإثبات صحة واقعة تاريخية معينة حدثت
آنذاك».
ويقول الأستاذ كيفان
عن رسائل العهد الجديد: «وهناك الأدلة القاطعة لرسائل الرسول بولس التي
كُتبت في ذلك العصر. وتشكِّل هذه الرسائل أقوى أنواع الأدلة التاريخية.
وتنتمي الرسائل الموجهة إلى أهل غلاطية وكورنثوس ورومية إلى زمن رحلات بولس
التبشيرية وترجع إلى حوالي 55- 58م، وقد أجمعت معظم الآراء على صحة وتاريخ
هذه الرسائل. وهذا البرهان على قيامة المسيح قريب جداً من هذه الحادثة، إذ
أن الفترة بين قيامة المسيح وبين كتابة هذه الرسائل لا تتعدى 25 عاماً.
وبما أن بولس نفسه يصرح بأن موضوع رسالته هو نفسه الموضوع الذي تحدث إليهم
عنه عندما كان معهم، فإن هذا يقترب بهذه الشهادة إلى زمن أقدم».
ويقول برنارد رام إنه حتى
«أكثر القراءات تعجلاً للأناجيل تقرّ بحقيقة أن الأناجيل تتناول موت وقيامة
المسيح بتفاصيل أكثر من أي أمر آخر في خدمة المسيح. إن تفاصيل أحداث
القيامة لا يجب فصلها بشكل مصطنع عن أحداث آلام المسيح».
كانت للمسيح ظهورات كثيرة
بعد قيامته. وقد حدثت هذه الظهورات في أوقات معينة في حياة أشخاص محددين
واقتصرت على أماكن محددة.
فولفهارات باننبرج أستاذ
اللاهوت النظامي بجامعة ميونخ بألمانيا، تتلمذ على يد بارت وجاسبرز،
وعني بشكل أساسي بدراسة العلاقة بين الإيمان والتاريخ. وقد قام مع مجموعة
صغيرة من اللاهوتيين النشطين بصياغة نظرية لاهوتية هدفها الأول دراسة
الجذور التاريخية للمسيحية. ويقول هذا العالم الشهير: «إن حقيقة حدوث
قيامة يسوع هي مسألة تاريخية، والمسألة التاريخية عند هذه النقطة لا يمكن
الهروب منها. ومن ثم يجب حسم هذه المسألة على مستوى الحجج التاريخية».
ويقول عالم العهد الجديد س.
هـ. دود: «تبقى القيامة حادثة في سياق التاريخ».
ويقول چ. ن. د. أندرسون
مقتبساً قول س. ف. د. مول الأستاذ بجامعة كمبريدچ:
«منذ بداية المسيحية ووجود
المسيحيين يرتبط بعقيدتهم بقيامة يسوع من الأموات. وليست هناك علَّة أخرى
يمكن أن تفسير وجودهم... وفي العهد الجديد ليس هناك دليل واحد على أن
المسيحيين دافعوا عن فلسفة حياة جديدة أو مذهب أخلاقي حديث. فعملهم الوحيد
كان الشهادة بهذه الحادثة التي يؤمنون بها- أي قيامة يسوع من بين الأموات.
والأمر الوحيد الذي دافع عنه المسيحيون كان الإعلان بأن يسوع قد قام من
الأموات بحسب الترتيب الإلهـي، ومـا يتـرتـب على ذلك من اعتباره ابن الله
الوحيد والـممثـل عن الإنسان، وينتج عن ذلك مفهوم السبيل إلى الـمصالحـة.
ويقول چ. سبارو- سمبسون:
كانت قيامة المسيح هي أساس
المسيحية في العصر الرسولي، ويرجـع ذلـك إلى أسباب تتصل بالعقيدة وبالأدلة
على حد سواء... فوعي الرسل بالطبيعــة الأساسية والجوهـريـة للقيامة واضـح
من الـمكانـة التـي تشغلـهـا في شهادتهـم. فكـان الرسـول يعين شاهـداً
بالقيامـة ( أعمال 1: 22). وكان مضمون بشارة بولس بالمسيحية يعرف لدى
الأثينيين بأنه «يسوع والقيامة» ( أعمال 17: 18) ويؤكد سفر الأعمال مراراً
في بدايته على أن: «يسوع هذا أقامه الله ونحن جميعاً شهود لذلك».
وكحقيقة تاريخية، فقد كانت
قيامته هي التي مكَّنت الناس من الإيمان بأمجاد يسوع التي تفوق البشر. ولم
يكن الأمر مجرد التأثير الأخلاقي لشخصيته وحياته وتعاليمه. ولكن عقيدة
القيامة هي التي دفعتهم إلى تسليم حياتهم للمسيح الفادي، ولا يمكن تفسير
ذلك بدونها. ومن ينكرون قيامتـه ينكرون أيضاً بالتبعية ألوهيته وعمل الفداء
الذي قـام به كمـا بشـر بذلك القديس بولـس.
2(ب) شهادة التاريخ والقانون
عندما يكون هناك حادثة تاريخية ويكون هناك من البشر الأحياء عدد كافٍ شهد
هذه الحادثة أو شارك فيها، وعندما تنتشر هذه المعلومات، يمكن للمرء أن
يتحقق من صحة هذه الحادثة التاريخية (بالأدلة والقرائن).
أما وليم ليون فيلبس،
الذي ظلّ أستاذاً بارزاً للأدب الإنجليزي بجامعة يال لأكثر من أربعين
عاماً، وألَّف ما يقرب من عشرين مجلداً في الدراسات الأدبية، وكان محاضراً
مشهوراً فيقول:
إن أهم حادثة في قصة يسوع
المسيح بأكملها هي حادثة القيامة. ويعتمد عليها الإيمان المسيحي. ومن
الأمور المشجعة أن نعرف أن البشيرين الأربعة يذكرونها كما يذكرها أيضاً
بولس الرسول. وأسماء الذين رأوه بعد انتصاره على الموت مدونة أيضاً، ويمكن
القول إن الأدلة التاريخية على القيامة أقوى من أي معجزة أخرى ذكرت، لأنه
كما يقول بولس: لو لم يكن المسيح قد قام من الأموات، فباطلة كرازتنا، وباطل
أيضاً إيمانكم.
أمبروز فليمنج هو
أستاذ متقاعد للهندسة الكهربائية بجامعة لندن، وكان عضواً شرفياً بكلية
القديس يوحنا بجامعة كمبريدچ وحاصل على ميدالية فاراداي عام 1928، وهو أحد
أكثر العلماء تفوقاً في انجلترا. وهو يقول عن وثائق العهد الجديد:
ينبغي لنا أن نتعامل مع
البراهين التي يقدمها الخبراء فيما يختص بتاريخ وأصالة هذه الكتابات تماماً
كما نتعامل مع حقائق علم الفلك بناءً على الأدلة التي يوردها علماء الفلك
الذين لا يناقضون بعضهم البعض. ولما كان الحال هكذا، يمكننا أن نسأل أنفسنا
إن كان يمكن لكتاب يصف أحداثاً حدثت منذ حوالي ثلاثين أو أربعين عاماً مضت،
أن يلقى قبولاً وترحاباً إذا كان ما به من قصص غريبة زائفة وأسطورية. إن
ذلك من المحال، لأن ذاكرة الكبار منا لازالت واضحة تماماً فيما يختص بأحداث
حدثت منذ ثلاثين أو أربعين عاماً مضت.
فلا يمكن لأحد اليوم أن ينشر
ترجمة حياة للملكة فيكتوريا، التي ماتت منذ واحد وثلاثين سنة، مليئة
بالطرائف الزائفة، إنها سوف تلقى المعارضة في الحال. ومن المؤكد أنها لن
تجد قبولاً عاماً ولن تنتقل إلى الأجيال اللاحقة كأحداث صحيحة. ومن ثم
فهناك استحالة في أن تكون قصة القيامة التي ذكرها مرقس، والتي تتفق في
جوهرها مع ما ذكرته الأناجيل الأخرى، هي محض اختلاق. كان يجب إهمال نظرية
الأسطورة هذه لأنها لا تخضع للفحص الدقيق والمباشر.
ويؤكد أمبروز فليمنج
على أنه ليس هناك شيء في الأناجيل يمكن أن يضع رجل العلم في مواجهة مع
المعجزات الواردة فيها، وهو يضع التحدي أمام العقول المنصفة مؤكداً أنه لو
أن مثل هذه الدراسة قد أجريت بمحض الإرادة كما يقول المحامون البارزون
فإنها سوف تسفر عن يقين عميق في أن الكنيسة المسيحية ليست مؤسسة على الخيال
أو مبنية على الخداع أو كما يقول القديس بطرس «خرافات مصنَّعة»، ولكن على
أحداث تاريخية واقعية، قد تبدو غريبة، إلا أنها بالحقيقة أعظم الأحداث في
تاريخ البشرية» .
يخبرنا المحامي فرانك
مورديسون
في كتابه «من دحرج الحجر» الذي أصبح من أكثر الكتب مبيعاً كيف أنه
ترعرع في وسط عقلاني ورأى أن القيامة ليست إلا قصة خيالية انتهت نهاية
سعيدة أفسدت قصة يسوع التي لامثيل لها. ومن ثم قرر أن يكتب عن الأيام
الأخيرة في مأساة يسوع ويسلِّط الأضواء على بشاعة الجريمة وبطولة يسوع.
وبالطبع كان سيذِّيل أي أمر معجزي يرتاب فيه، ويفند تماماً أحداث القيامة.
ولكنه عندما بدأ يدرس الحقائق بعناية، تغير فكره وكتب كتابه في الاتجاه
المعاكس. ودعى أول فصول الكتاب «الكتاب الذي لم يكتب»، وكان باقي الكتاب
يحوي أذكى الحجج التي قرأتها في حياتي.
ويقول العالم المشهور
إدوين جوردون سلوين: «إن حقيقة قيامة المسيح من الأموات في اليوم
الثالث بالجسد والروح- هذه الحقيقة تبدو أكيدة كما تدل على ذلك البراهين
التاريخية».
كان توماس أرنولد،
الذي يقتبس عنه ولبر سميث، مديراً معروفاً لمدرسة للعبة الرجبي
لأربعة عشر عاماً، وهو وهو مؤلف كتاب «تاريخ روما» وهو الكتاب الشهير الذي
يتكون من ثلاثة مجلدات، وعُيّن أستاذاً للتاريخ الحديث في جامعة أكسفورد،
وهو رجل يعرف يقيناً قيمة الأدلة في التحقق من الوقائع التاريخية. وقد قال
هذا العالم الجليل: إن البراهين المؤيدة لحياة وموت وقيامة ربنا قد تبين
أنها مرضية، وهي كافية وفقاً للقواعد المعروفة لتمييز البرهان الصالح من
الفاسد. لقد قام الآلاف بل عشرات الآلاف من الأشخاص بدراسة هذه البراهين
بشكل مفصَّل وبعناية فائقة مثل القاضي الذي يدرس إحدى القضايا الهامة
للغاية. وقد قمت أنا نفسي بذلك مرات عديدة، ليس لأقنع الآخرين ولكن لأكون
راضياً عن إيماني. وقد اعتدت لسنوات طويلة على دراسة تواريخ العصور الأخرى
وفحص الأدلة المؤيدة لمن كتبوا عنها، ولست أعرف حقيقة واحدة في تاريخ
البشرية تؤيدها البراهين أمام عقل الباحث المنصف بشكل أفضل من المعجزة
العظيمة التي أعطانا إياها الله وهي أن المسيح مات وقام من الأموات.
كان سيمون جرينليف
(1783- 1853) أستاذاً شهيراً للقانون بجامعة هارفارد وقد خلف القاضي
چوزيف ستوري
كأستاذ للقانون في نفس الجامعة عقب وفاة ستوري عام 1846.
وعن هذين العالمين الجليلين
في القضاء يقول هـ.و. هـ. كنوت: «لجهود ستوري وجرنيليف يُعزى
ارتقاء كلية حقوق هارفارد إلى مكانتها البارزة بين كليات الحقوق في
الولايات المتحدة».
ألَّف جرنيليف مؤلفاً
شهيراً عنوانه «بحث في فقه الأدلة» وهو لايزال يعد أعظم مرجع عن الأدلة في
كافة مؤلفات الإجراءات القانونية.
في عام 1846، وبينما كان
جرنيليف لايزال أستاذاً للقانون في جامعة هارفارد، كتب كتاباً عنوانه «فحص
شهادة الإنجيليين الأربعة، تأسيساً على فقه الأدلة المتبع في ساحات
القضاء». وفي هذا العمل يقوم الكاتب بدراسة قيمة شهادة الرسل عن قيامة
المسيح. وفيما يلي الملاحظات الهامة لرجل القانون الشهير هذا:
كانت الحقائق العظمى التي
أعلنها الرسل هي أن المسيح قام من الأموات، وأنه بالتوبة عن الخطية
والإيمان به فقط يمكن للإنسان أن ينتظر الخلاص. وهذه العقيدة أكدوا عليها
بصوت واحد في كل مكان، ليس فقط في ظلّ ظروف غير مشجعة بالمرة، بل في وجه
أقسى أنواع الشر التي يمكن أن تخطر على عقل إنسان. فسيدهم كان قد حكم عليه
بالموت مؤخراً كفاعل شر بحكم من محكمة عامة. وكان دينه يسعى لقهر ديانات
العالم كله. وكانت قوانين كل دولة ضد تعاليم تلاميذه، وكانت اهتمامات وآمال
جميع الحكام والرجال العظماء في العالم ضدهم. كان أسلوب العالم ضدهم.
وفي كرازتهم بهذا الإيمان
الجديد، حتى بأسلوبهم المسالم البعيد كل البعد عن العدوانية، لم يلقوا
شيئاً سوى الازدراء والمقاومة والسبّ والاضطهادات المريرة والجلْد السجن
والتعذيب والقتل المروع. ومع ذلك كرزوا بهذا الإيمان بغيرة وحماسة، وكل هذه
الآلام احتملوها غير مروَّعين، بل فرحين. وإذ كان الواحد منهم يُقتل تلو
الآخر كان الباقون يواصلون العمل بحماسة وتصميم أكبر. ونادراً ما نجد في
كتب التاريخ التي تسجل الحروب العسكرية مثل هذه الأعمال البطولية من صمود
وجَلَد وشجاعة لا تخور. لقد كان لديهم كل الدوافع الممكنة لمراجعة وفحص أسس
إيمانهم بعناية، والأدلة على الحقائق العظمى التي بشروا بها، وهذه الدوافع
كانت تضغط بشدة على وعيهم بآلام ومخاوف متكررة.
ومن ثم كان من المحال أن
يصرّوا على تأكيد الحقائق التي ذكروها، لو لم يكن يسوع قد قام من الأموات
حقاً، ولو لم يكونوا يعرفون هذه الحقيقة يقيناً كما يعرفون أي حقيقة أخرى.
ولو كان ممكناً بالنسبة لهم أن ينخدعوا في هذا الأمر، فقد كان كل دافع بشري
فيهم يقودهم إلى اكتشاف الخطأ والاعتراف به. أمَّا وأن يصرّوا على
الاستمرار في كذبة كبيرة كهذه، بعد أن يعلموا بحقيقتها، فلم يكن يعني فقط
مواجهة كل الشرور التي يمكن أن تصدر عن الإنسان وتوجَّه إليهم من الخارج
مدى الحياة، ولكن أيضاً احتمال الآلام الداخلية وتأنيب الضمير، بلا رجاء في
سلام قادم، أو شهادة من ضمير صالح، أو انتظار كرامة أو إعزاز بين الناس، أو
رجاء في نوال السعادة في هذه الحياة، أو في العالم الآتي.
وهذا السلوك من جانب الرسل
كان سيعد علاوة على ما سبق مخالف تماماً لحقيقة أنهم كانوا من طبيعة البشر
العادية مثلنا تماماً. إذ أن حياتهم تعلن أنهم كانوا أناساً مثل سائر
البشر، تحدوهم نفس الدوافع، وتدفعهم نفس الآمال، وتؤثر فيهم نفس الأفراح،
وتضغط عليهم نفس الأحزان، وتثيرهم نفس المخاوف، وتعرض لهم نفس الآلام
والتجارب والضعفات، كما نحن أيضاً. وتبين كتاباتهم أنهم كانوا أناساً ذوي
مدارك نشطة ولو لم تكن شهاداتهم صحيحة آنذاك، لما كان هناك دافع لاختلاقها.
ولعل چون لوك هو أعظم
فلاسفة عصره. ويقول هذا العالم البريطاني في كتابه «برهان ثانٍ على
معقولية المسيحية»: هناك بعض التفاصيل الخاصة في تاريخ مخلِّصنا لا
تتناسب إلا مع المسيا، وهي علامات كثيرة يتَّصف بها، وإثباتها لشخص يسوع
الناصري هو في حقيقة الأمر إثباتها بأنه المسيا، إذ تعبَّر هذه الصفات عن
هذا الأمر. وأول هذه الأمور هو قيامته من الأموات، التي إذ تعتبر البرهان
العظيم والملموس على أنه المسيا لا يستغرب معها أن من يؤمنون بقيامته
يعدّون أيضاً مؤمنين بأنه المسيا، إذ أن إعلان قيامته كان إعلاناً بأنه
المسيا.
وقال بروك فوس وستكوت
(1825- 1901) العالم الإنجليزي الذي عُين أستاذاً ملكياً في جامعة كمبريدچ
عام 1870: «مع الأخذ في الاعتبار كافة البراهين والأدلة، لا نبالغ إذا قلنا
أنه ليس هناك حادثة تاريخية أخرى تؤيدها مختلف البراهين بشكل أفضل من قيامة
المسيح. وليس هناك ما يدعم فكرة نقص الأدلة سوى الافتراض المسبق بأنها غير
حقيقية».
وقال كيلفورد هيريثيل مور
الأستاذ بجامعة هارفارد: «عرفت المسيحية مخلصها وفاديها ليس كإله يقبع
تاريخه في إيمان أسطوري ذو عناصر فظة وبدائية وبذيئة.. كان يسوع شخصية
تاريخية وليست أسطورية. ولم تفرض أسطورة غريبة أو فاسدة نفسها على المؤمن
المسيحي، فإيمانه مؤسس على حقائق إيجابية تاريخية مقبولة».
ويقول بنچامين دارفيلد
من جامعة برينستون في بحثه: «قيامة المسيح حقيقة تاريخية بشهادة
شهود العيان. إن تجسد الله السرمدي هو بالضرورة أمر عقائدي، فليست هناك عين
بشرية يمكنها أن تشهد تنازله إلى مستوى البشر، وليس هناك لسان بشري يمكنه
أن يشهد بذلك كحقيقة، إلا أنه لو لم يكن ذلك حقيقة، فإيماننا باطل، نحن بعد
في خطايانا. ومن جهة أخرى تعدُّ قيامة المسيح حقيقة، حادثة تفوق إدراك
البشر، تثبتها الشهادات الأخرى، ومع ذلك فهي العقيدة الأساسية لإيماننا،
وعليها تعتمد كل العقائد الأخرى».
ويقدم لنا ولبر سميث
عالماً بارزاً في عصرنا الحالي: أحد أعظم علماء الفسيولوچيا في جيلنا هو
الدكتور
أ. س. أيفي الأستاذ بقسم الكيمياء بجامعة إلينوي بشيكاغو، وقد
عمل كرئيس لقسم الفسيولوچيا في كليات شيكاغو 1946 - 1953. وكان رئيساً
للجمعية الفسيولوچية الأمريكية من 1939- 1949، وله أبحاث علمية كثيرة. ومن
أقواله النافعة: «إنني أؤمن بقيامة يسوع المسيح بالجسد. وقد تقول: (إنها
مسألة شخصية)، ولكنني لست أستحي من أن أعلن إيماني للعالم، وإنني يمكن أن
أدافع عن هذا الإيمان بشكل عقلاني... صحيح أنني لا أقدر أن أبرهن إيماني
هذا بذات الطريقة التي أبرهن بها بعض الحقائق العلمية. ولكن بعض هذه
الحقائق كان غامضاً منذ مائة سنة كما لا تزال حقيقة القيامة اليوم. وعلى
أساس البرهان التاريخي للمعلومات البيولوچية الراهنة، فإن العالم الأمين
لفلسفة العلم يمكن أن يشك في قيامة المسيح بالجسد، لكنه لا يملك أن ينكرها،
لأن هذا يعني أنه يستطيع إثبات أنها لم تحدث. صحيح أن علم البيولوچيا اليوم
يقول إننا لا نقدر أن نقيم جسداً مات وقُبر منذ ثلاثة أيام، ولكن إنكار
قيامة المسيح على أسس علم البيولوچيا كما هي الآن، هو موقف غير علمي حسب
معلوماتي بفلسفة الموقف العلمي السليم».
ويتحدث أرماند نيكولاي
من كلية هارفارد الطبية عن ج. ن. د. أندرسون قائلاً إنه «عالم له
صيت عالمي ذو خبرة وأهلية في موضوع الأدلة والبراهين. وهو يُعَد من العلماء
البارزين على مستوى العالم... هو عميد كلية الحقوق بجامعة لندن ورئيس قسم
القانون الشرقي بمعهد الدراسات الشرقية والأفريقية، ومدير معهد الدراسات
القانونية المتقدمة بجامعة لندن».
ويقول هذا العالم البريطاني
الفذ الذي له أثر كبير اليوم في مجال القانون الدولي: «الأدلة على الأسس
التاريخية للإيمان المسيحي، وصحة شهادة العهد الجديد لشخص المسيح وتعاليمه،
وحقيقة وأهمية موته الكفاري، وحقيقة القبر الفارغ، وشهادة الرسل للقيامة،
هي أدلة تشكل أساساً للإيمان».
جلبرت وست و لورد
لتلتون كانا شابين متحمسين وكانا صديقين للدكتور چونسون والكسندر بوب.
وقد عزما على مهاجمة أسس الإيمان المسيحي. فعزم لتلتون على برهنة أن
شاول الطرسوسي لم يصر مسيحياً، وعزم وست على برهنة أن المسيح لم يقم
من قبره.
والتقيا بعد وقت لمناقشة ما
وصلا إليه. وكانا كلاهما مرتبكاً لأنهما توصلا، كل على حدة، إلى نفس
النتائج المحيرة. اكتشف لتلتلون بالدراسة أن شاول الطرسوسي قد أصبح
شخصاً جديداً تماماً باعتناقه المسيحية، واكتشف وست أن الأدلة تشير
بشكل قاطع إلى حقيقة قيامة المسيح من الأموات. وقد ألَّف كتاباً عنوانه:
«ملاحظات على تاريخ قيامة يسوع المسيح وبراهينها»، ونُشر في عام 1747.
ويمكننا أن نجد كتابه هذا في المكتبات الكبرى. وعلى الصفحة الأولى من
الكتاب طُبعت كلمات النصح الآتية التي وردت في سفر حكمة يشوع بن سيراخ
والتي يمكن أن يستفيد منها أي متشكك في العصر الحديث: «لا توجِّه اللوم قبل
فحص الحقيقة».
تشير الأدلة بشكل قاطع إلى
حقيقة أن يسوع قام في اليوم الثالث. تلك هي النتيجة التي توصَّل إليها
لورد دارلنج
كبير القضاة السابق في انجلترا. ففي مأدبة عشاء خاصة دار الحديث حول حقيقة
المسيحية، وخاصة حول كتاب معين يتحدث عن القيامة. فقال لورد دارلنج
بكل مهابة وحزم: «نحن المسيحيين مطالبون بأن نقبل أشياء كثيرة بالإيمان مثل
تعاليم يسوع ومعجزاته، ولو كان علينا أن نقبل كل شيء بالإيمان، لراودني
الشك، ولكن ذروة المسألة هي ما يختص بحقيقة هل عاش يسوع فعلاً وماذا قال عن
نفسه، وكل ذلك يستند إلى حقيقة القيامة، فعلى هذه الحقيقة يرتكز إيماننا،
والأدلة على هذه الحقيقة أدلة قاطعة حاسمة إيجابياً وسلبياً، سواء من جهة
الوقائع أو الظروف، حتى أنه لا يوجد رجل قانون عاقل يتردد في الحكم بصحة
قصة القيامة».
3(ب) شهادة آباء الكنيسة
الأولين
يقول سبارو- سمبسون: «لا شك أن القيامة تحتل المكانة التالية بعد
تجسُّد المسيح في الكتابات المسيحية الأولى. وهناك إشارات كثيرة لها في
العصر ما بعد الرسولي، كما توجد رسائل كاملة مخصصة لموضوع القيامة كتبت في
القرن الثاني مثل أعمال أثينا جوراس وچاستن مارتر».
ويعلق برنارد رام
قائلاً: «في كل من التاريخ الكنسي وتاريخ العقيدة نجد القيامة حقيقة ثابتة
منذ العصور المبكرة. فيذكرها أكليمندس الروماني في رسالته إلى
كورنثوس (95م)، كما تذكرها وثائق التاريخ الكنسي المبكر خلال عصر الآباء.
كما ترد في جميع قوانين الإيمان الرسولي ولم يعارضها أحد».
ويقول سبارو- سيمبسون:
إن مادة إنجيل أغناطيوس
(حوالي 50- 115م) هي يسوع المسيح والمسيحية التي هي «الإيمان به والمحبة
له، والإيمان بآلامه وقيامته». وهو يحضّ كل مسيحي على الإيقان بميلاده
وآلامه وقيامته يصف يسوع المسيح بأنه «رجاؤنا بالقيامة» فقيامة يسوع هي وعد
بقيامتنا أيضاً.
ويقول سبارو- سمبسون
أيضاً: «في رسالة القديس بوليكاربوس إلى أهل فيلبي (حوالي 110م) يتحدث
الكاتب عن يسوع المسيح ربنا الذي «احتمل حتى الموت من أجل خطايانا، الذي
أقامه الله ناقضاً أوجاع الموت». وهو يقول إن الله «أقام ربنا يسوع المسيح
من الأموات وأعطاه مجداً وأجلسه على العرش عن يمينه، وأخضعت له كل الأشياء
مما في السماء وما على الأرض». ويسوع المقام «سيأتي دياناً للأحياء
والأموات»، وقال أيضاً: «الذي أقامه من الأموات سوف يقيمنا أيضاً، إن صنعنا
مشيئته وسلكنا في وصاياه».
«كان يسوع الممجد بالنسبة
لبوليكاربوس هو «رئيس الكهنة الأبدي» وكانت صلاة هذا الأسقف الأخيرة قبل
استشهاده أن يكون له نصيب في عداد الشهداء في كأس المسيح، إلى قيامة الحياة
الأبدية للروح والجسد في عدم فساد الروح القدس.
ويقول سبارو- سيمبسون
في رسالة چاستن مارتر عن القيامة (حوالي 100- 165م): إنها «تتناول عقيدة
مسيحية خاصة. كانت الأصوات المعارضة للإيمان في ذلك العصر، تقول إن القيامة
مسألة مستحيلة، فهي مسألة غير مرغوب فيها لأن الجسد هو سبب الخطية، وهي
مسألة غير معقولة لأنه لا معنى لاستمرار أعضاء الجسد. وقالت تلك الأصوات
أيضاً أن قيامة المسيح كانت في الظاهر فقط ولم تكن حقيقة بالجسد. وجاوب
چاستن مارتر على هذه الاعتراضات والصعوبات».
ويذكر إلچين موير في
كتابه «شخصيات تاريخ الكنيسة» أحد آباء الكنيسة وهو ترتليان:
(حوالي 160- 220م) وهو أحد آباء الكنيسة اللاتين والمدافعين عن الإيمان،
وُلد في قرطاج بشمال أفريقيا. وقد تلقَّى تعليماً وافراً مما يسَّر له
الكتابة باللغتين اليونانية واللاتينية، ومعرفة السياسة والقانون والبلاغة
الشرعية. وبعد أن عاش ثلاثين أو أربعين سنة في حياة الخلاعة، اعتنق
المسيحية بإيمان عميق حوالي عام 190م، وكرَّس باقي حياته للدفاع عن
المسيحية ضد الوثنيين واليهود والهراطقة. وكان مدافعاً قوياً عن الإيمان».
وينتهى برنارد رام
إلى أن: «رؤية غير المؤمن لابد أن تنكر جميع شهادات الآباء... وتفترض أن
هؤلاء الناس لم يكن لديهم الدافع أو المعايير التاريخية لفحص حقيقة قيامة
المسيح. إن آباء الكنيسة تعتبرهم كل من الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية
والكنيسة الكاثوليكية الرومانية والكنيسة الإنجيلية ثقاة، ويوقِّرهم
الإصلاحيون، ويشهد لهم جميع اللاهوتيين، إلا أن غير المؤمنين يسقطونهم من
الحسبان. فهم يثقون فيما كتبوه من أمور العقيدة واللاهوت عن عصر الرسل أو
ما بعده، أما في الأمور المتصلة بالحقائق والوقائع فلا يعتدَّون بشهادتهم.
ولكن هذا أمر لابد منه، وإلا فلن تصمد إدعاءات غير المؤمنين».
6(أ) مشاهد حول حادثة القيامة
1(ب) مشاهد ما قبل القيامة
1(ج) يسوع مات
فبيلاطس إذ كان يريد أن يعمل للجمع ما يرضيهم أطلق لهم بابراباس
وأسلم يسوع بعد ما جلده ليصلب. فمضى به العسكر إلى داخل الدار التي هي دار
الولاية وجمعوا كل الكتيبة. وألبسوه أرجواناً وضفروا إكليلاً من شوك ووضعوه
عليه. وابتدأوا يسلمون عليه قائلين السلام يا ملك اليهود. وكانوا يضربونه
على رأسه بقصبة ويبصقون عليه ثم يسجدون له جاثين على ركبهم. وبعدما
استهزأوا به نزعوا عنه الأرجوان وألبسوه ثيابه ثم خرجوا به ليصلبوه. ( مرقس
15: 15- 20).
يصف چون ماتنجلي
عملية جلْد المتهم قبل صلبه قائلاً: «كانوا عادة ينزعون ثياب المجرم
المحكوم عليه، ثم يوثوقونه إلى عمود في ساحة المحكمة. وبعد ذلك تنهال عليه
الضربات الوحشية من الجلادين. ورغم أن الشريعة اليهودية تحدد عدد الجلدات
بأربعين، إلا أن الرومان لم يجعلوا للجلدات حدوداً، فكان المتهم تحت رحمة
جلاَّديه».
كانت الأداة الوحشية
المستخدمة في الجلد تسمى Flagrum. ويصف هذه الأداة قائلاً: «يمكننا أن ندرك
بسهولة كيف كانت أجزاء السوط الطويلة التي تنتهي بكرات عظمية أو معدنية
تمزق الجسد».
ويصف الأسقف والمؤرخ الكنسي
يوسابيوس القيصري في القرن الثالث في «رسالة الكنيسة في سميرنا»
عملية الجلْد الرومانية للمحكوم عليهم قائلاً عن المجلود «كانت عروقه
تظهر.. وكانت عضلاته وأعصابه وأحشاؤه تتكشف».
ويقول چون ما تنجلي
نقلاً عن چون بيتر لانج عن ألام المسيح: «لعل جلدات المسيح قد
تجاوزت قسوة الجلد المعتادة. فرغم أن عملية الجلد كان يقوم بها جلادون
متخصصون، يعتقد
لانج أن بيلاطس لم يكن لديه جلادون تحت يده، ومن ثم فقد استخدم
العساكر بدلاً منهم. ومن الطبيعة الوحشية لهؤلاء العساكر يمكننا أن نتصور
كيف تجاوزت قسوتهم قسوة الجلادين المتخصصين».
وبعد أن كابد أقسى أشكال
العقاب الجسدي، كان على المسيح أن يتحمل عناء الرحلة إلى موضع الصلْب في
الجلجثة. ويقول ما تنجلي عن هذه المرحلة في آلام المسيح:
1- ولابد أن التجهيز لهذه
المسيرة كان سبب ألم شديد للمسيح، فيقول متى: «وبعدما استهزأوا به نزعوا
عنه الرداء وألبسوه ثيابه ومضوا به للصلْب» ( متى 27: 31). ولا شك أن نزع
الرداء وإلباسه ثيابه على الجروح التي نتجت عن الجلد سببت الألم الكثير.
2- إن عبارة مرقس «وجاءوا به
إلى موضع جلجثة» ( مرقس 15: 22) تعني أن يسوع عجز عن السير فأحضروه قسراً أو
حملوه إلى موضع الصلْب. وهكذا انتهت الآلام الرهيبة لمرحلة ما قبل الصلب،
لتبدأ عذابات الصلب نفسه.
ويقول ما تنجلي عن
عملية الصلب نفسها: «لا شك أن آلام الصلب كانت شديدة وقاسية. وقد أدرك خطيب
روما الشهير ماركوس توليوس شيشرون بشاعة هذه الآلام فقال: يجب ألا تتردد
كلمة الصليب على شفاه مواطني روما، بل يجب ألا تخطر على بالهم أو تمر أمام
عيون خيالهم أو تطرق مسامعهم.
ويقول مايكل جرين في
وصفه آلام يسوع الجسدية: «بعد أن قضى يسوع ليلة بلا نوم، لم يتناول خلالها
أي طعام، احتمل السخرية في محاكمتين، ومزقت جسده جلدات الرومان الوحشية، ثم
اقتادوه إلى الصلْب. وكانت هذه أشنع وسيلة للإعدام، فكان كل عصب في الجسد
يصرخ من شدة الألم».
ويرسم فريدريك فارار
صورة حية للموت صْلباً:
إن موت الصليب يحمل في طياته
كافة ألوان العذاب المريعة: الدوار والشد العضلي والعطش والجوع والأرق
والحمى والتشنج والخزي والعار والآلام المستمرة والفزع من انتظار ما سيحدث
والموت البطيء من الجراح المهملة- كل هذه الآلام اشتدت وتفاقمت بما لا يمكن
احتماله، إلا أنها بقيت دون حد الإغماء فلم تتح للمصلوب الراحة من آلامه
بفقدان الوعي.
وكان وضع المصلوب غير
الطبيعي يسبب له آلاماً مع كل حركة، فكانت العروق الممزقة والأوتار
المتقطعة تنبض بالألم المستمر، وكانت الجروح المكشوفة تلتهب وتكوِّن الصديد
تدريجياً، وكانت الشرايين عند الرأس والبطن تحتقن بالدماء، وبينما أخذت هذه
الآلام تشتد شيئاً فشيئاً، زاد عليها آلام العطش المستمرة والرهيبة.
وتضافرت كل هذه الآلام الجسدية مسببة توتراً وقلقاً نفسياً مما جعل لحظة
الموت - هذا العدو المجهول الذي يرتعب من قدومه الإنسان- تحمل مظهر الراحة
المستعذبة.
«وجاءوا به إلى موضع جلجثة
الذي تفسيره موضع جمجمة. وأعطوه خمراً ممزوجة بمُر ليشرب فلم يقبل. ولما
صلبوه اقتسموا ثيابه مقترعين عليها ماذا يأخذ كل واحد. وكانت الساعة
الثالثة فصلبوه. وكان عنوان علَّته مكتوباً ملك اليهود. وصلبوا معه لصين
واحداً عن يمينه وآخر عن يساره... وكان المجتازون يجدفون عليه وهم يهزون
رؤوسهم قائلين آه يا ناقض الهيكل وبانيه في ثلاثة أيام. خلص نفسك وانزل عن
الصليب. وكذلك رؤساء الكهنة وهم مستهزئون فيما بينهم مع الكتبة قالوا خلَّص
آخرين وأما نفسه فما يقدر أن يخلَّصها. لينزل الآن المسيح ملك إسرائيل عن
الصليب لنرى ونؤمن. واللذان صلبا معه كانا يعيرانه. ولما كانت الساعة
السادسة كانت ظلمة على الأرض كلها إلى الساعة التاسعة. وفي الساعة التاسعة
صرخ يسوع بصوت عظيم قائلاً إلوي إلوي لما شبقتني. الذي تفسيره إلهي إلهي
لماذا تركتني. فقال قوم من الحاضرين لما سمعوا هوذا ينادي إيليا. فركض واحد
وملأ إسفنجة خلاً وجعلها على قصبة وسقاه قائلاً اتركوا. لنر هل يأتي إيليا
لينزله. فصرخ يسوع بصوت عظيم وأسلم الروح. وانشق حجاب الهيكل إلى اثنين من
فوق إلى أسفل. ولما رأى قائد المئة الواقف مقابله أنه صرخ هكذا وأسلم الروح
قال حقاً كان هذا الإنسان ابن الله». ( مرقس 15: 22- 27،
29 - 39)
ويقول إ. هـ. داي:
«يؤكد القديس مرقس على تعجب بيلاطس عند سماعه بموت المسيح سريعاً، ولم يسمح
بإنزال الجسد عن الصليب إلا بعد التأكد من ذلك بسؤال قائد المئة. ولم تكن
مظاهر الموت غريبة على الجنود الرومان، فكان موت الصليب شيئاً مألوفاً
بالنسبة لهم» (Day, ER, 46- 48) ويشير مايكل جرين إلى أن عمليات
الصلب لم تكن غير شائعة في فلسطين.
طلب بيلاطس التحقق من موت
المسيح. ويعلِّق جرين على هذا قائلاً: «أتى أربعة من العسكر لفحص
المصلوب قبل أن يسمح ليوسف الرامي صديقه بأن يأخذ الجسد ليدفنه».
ويقول جرين عن هؤلاء
الأربعة المتخصصين في فحص موت المصلوب: «كان بمقدورهم تمييز الشخص الميت-
كما أن قائدهم كان قد سمع صرخة الموت بنفسه من المصلوب وأبلغ بيلاطس البنطي
الوالي بذلك». «ولما رأى قائد المئة الواقف مقابله أنه صرخ هكذا وأسلم
الروح قال حقاً كان هذا الإنسان ابن الله» ( مرقس 15: 39). «فتعجب بيلاطس
أنه مات كذا سريعاً فدعا قائد المئة وسأله هل له زمان قد مات» ( مرقس 15:
44).
ويقول چون ستوت:
«اندهش بيلاطس حقاً من موت يسوع سريعاً، ولكنه تأكد من ذلك بسؤال قائد
المئة فسمح ليوسف بإنزال الجسد عن الصليب».
وينوه داي إلى أن
«قصة إنجيل متى عن حراسة القبر هو دليل واضح على أن اليهود من جهتهم تيقنوا
من موت يسوع».
ويقول الأستاذ داي
متحدثاً عن كتاب «الأسباب الجسدية لموت المسيح» إن مؤلفه چيمس طومسون
برهن أن موت المسيح لم ينتج عن الإنهاك الجسدي أو آلام الصلْب، بل نتج عن
مشاعر الحزن الشديدة التي أدت إلى انفجار القلب. ويثبت نشاطه العقلي
والبدني في أثناء عملية الصلب بما لا يدع مجالاً للشك أن موته لم يكن نتيجة
لنفاذ قوته، ويأتي الطعن بالحربة من قِبَل أحد العسكر ليعلن للعالم أن موته
نتج عن انفجار القلب».
وفي بحث نشر في «جريدة
الاتحاد الطبي الأمريكي» يستدل الكاتب من روايات الإنجيل على أن يسوع
كان قد مات بالفعل قبل إنزاله عن الصليب: «من الواضح أن جميع الأدلة
التاريخية والطبية تشير إلى أن يسوع كان قد مات قبل طعن جنبه وهذا يؤيد
الرأي التقليدي بأن الحربة التي طعنت جنبه الأيمن ومرت بين الضلوع، ربما
اخترقت ليس فقط الرئة اليمنى بل أيضاً غشاء التامور والقلب وهكذا تأكد
موته. وعلى ذلك فإن الآراء التي تفترض أن يسوع لم يمت على الصليب تتناقض مع
العلوم الطبية الحديثة».
ويقدم الدكتور صموئيل
هويتون
عالم الفسيولوچيا الكبير بجامعة دبلن رؤيته عن العلَّة الجسدية لموت
المسيح:
عندما طعن العسكري جنب
المسيح بحربته، كان قد مات بالفعل. وتدفق الدم والماء من جنبه إما أنه
ظاهرة طبيعية قابلة للتفسير بالعلل الطبيعية أو أنه معجزة. ويبدو من رواية
يوحنا أنه لو لم تكن هذه معجزة فإنها على الأقل ليست ظاهرة عادية، ويظهر
هذا من تعليق يوحنا على ذلك وتأكيده على صحة هذه القصة.
دلَّت الملاحظات والتجارب
المتكررة التي أجريت على الإنسان والحيوان على النتائج التالية: عند طعن
الجانب الأيسر من الجسد، بعد الوفاة، بسكين كبيرة تساوي في الحجم حربة
الجندي الروماني، سجلت المشاهدات التالية:
1- لا يخرج شيء إلا قطرات
قليلة من الدم.
2- سيل من الدم فقط يخرج من
الجرح.
3- دفق من الماء فقط تتبعه
قطرات قليلة من الدم.
وفي هذه الحالات الثلاث تغلب
الحالة الأولى. أما الحالة الثانية فتحدث في حالات الموت غرقاً أو بتسمم
الإستركنين، ويمكن مشاهدتها في الحيوان الذي يموت بهذا السم، ويمكن البرهنة
على أنه الحالة العادية للشخص المصلوب. أما الحالة الثالثة فتحدث في حالة
الموت بذات الجنب أو التهاب التامور أو انفجار القلب. وهذه الحالات التي
ذكرناها يعرفها معظم أساتذة التشريح ممن وجَّهوا اهتمامهم لدراسة هذا
الموضوع، ولكن الحالتين التاليتين رغم كونهما قابلتين للتفسير من الناحية
الفسيولوچية، لا تسجلهما المراجع (إلا في إنجيل يوحنا) ولم يحالفني الحظ في
أن أصادفهما:
4- سيل غزير من الماء يتبعه
سيل غزير من الدم، عند الجرح.
5- سيل غزير من الدم يتبعه
سيل غزير من الماء، عند الجرح.
ويحدث الموت صلباً احتقان
الرئتين بالدم كما في حالة الغرق أو التسمم بالإستركنين. وتحدث الحالة
الرابعة للمصلوب الذي كان يعاني قبل الصلب من حالة انسكاب رئوي. أما الحالة
الخامسة فتظهر في المصلوب الذي يموت على الصليب نتيجة انفجار في القلب.
ودراسة تاريخ الأيام الأخيرة من حياة المسيح تظهر أنه لم يكن مصاباً بحالة
انسكاب رئوي قبل الصلب، وهي أيضاً غير واردة عند خروج الدم أولاً ثم الماء
من الجرح. وعلى هذا لا يبقى أمامنا إلا احتمال خروج الدم والماء من جنب
المسيح بسبب الصلب وحدوث انفجار في القلب.
وسبب موت المسيح هو حدوث
انفجار في القلب كما يؤكد على ذلك الدكتور وليم ستراود، وأعتقد أنا
أيضاً ذلك».
يصف الرسول يوحنا بدقة بالغة
ما رأه في الجلجثة . وعن ذلك يقول الدكتور هويتون: «ودلالة ذلك
واضحة فهو يؤكد أن رواية القديس يوحنا في الأصحاح 19 لا يمكن أن تكون
مختلقة، وأن الأحداث المدونة قد سجلها شاهد عيان، وأن هذا الشاهد قد تعجب
مما رآه وأعتبر أن معجزة قد صاحبت الصلب».
ويكتب مايكل جرين عن
موت المسيح قائلاً:
يخبرنا شاهد عيان عن خروج
«دم وماء» من جنب يسوع المطعون ( يوحنا 19: 34 و35). ويعلق هذا الشاهد أهمية
كبيرة على هذا الأمر. فلو كان يسوع حياً عندما طعن جنبه، لخرجت دفقات غزيرة
من الدماء مع كل نبضة من قلبه. إلا أن الشاهد قد لاحظ خروج دفقة من الدم
المتخثر القاتم اللون وشبه الصَّلب، وهذه الدفقة تتميز وتنفصل عن الماء
الذي خرج في الوقت نفسه. وهذا يدل على تخثر الدم في الشرايين الأساسية، وهو
برهان طبي قوي على حدوث الموت. وما يزيد من قوة هذا البرهان أن البشير
يوحنا لم يكن يعرف دلالة ذلك بالنسبة لعلْم الباثولوجي. إن خروج «دم وماء»
من طعنة الحربة هو دليل إيجابي على أن يسوع كان قد مات.
ويقول صموئيل تشاندلر:
«يتفق البشيرون جميعهم على أن يوسف طلب جسد يسوع من بيلاطس، الذي لما عرف
من قائد المئة الذي كان يحرس الصليب أن يسوع قد مات وهب الجسد ليوسف».
ويؤكد تشانلدر أن:
«عملية لف الجسد الميت مع الأطياب التي قام بها يوسف ونيقوديموس كعادة
اليهود في الدفن هي برهان أكيد على أن يسوع كان قد مات، وأنهم أدركوا ذلك.
ولو بقى أي أثر للحياة فيه عند إنزاله من على الصليب، لكانت الرائحة
النفاذة القوية للمر والطيب، ولف الجسد بالكتان والوجه بمنديل كعادة اليهود
في الدفن، كفيلة بالقضاء عليه».
ويقول الأستاذ ألبرت روبر:
«صلب الجنود الرومان يسوع طبقاً للقوانين الرومانية، التي كان عليهم أن
ينفذوها بكل حذافيرها».
وختاماً لهذا الموضوع، نوافق
على شهادة الرسول يوحنا فيما يختص بمشاهداته لموت المسيح إذ يقول موثقاً
شهادته: «الذي عاين شهد وشهادته حق وهو يعلم أنه يقول الحق» ( يوحنا 19:
35).
2(ج) القبر
يشير ولبر م. سميث إلى أن كلمة «قبر» قدر وردت اثنتين وثلاثين مرة
في روايات الأناجيل الأربعة عن القيامة».
كان قبر يوسف الرامي صباح
يوم أحد القيامة هو حقاً موضوع اهتمام البشيرين الأربعة.
ويذكر سبارو- سيمبسون
الملاحظات التالية عن دفن المسيح: كانت عادة الرومان أن يتركوا المصلوب
معلَّقاً على الصليب لتنهشه الطيور والوحوش. وبالطبع كانت هناك استثناءات
لهذه القاعدة. ويذكر أن يوسيفوس أقنع الإمبراطور تيطس أن ينزل عن
الصليب ثلاثة أشخاص كانوا لايزالون أحياء. فهل ينكر أحد هذه الحادثة كحادثة
تاريخية لأنها كانت على خلاف ما هو متبع؟ أما العادة اليهودية فلا مراء
أنها كانت دفن المجرم طبقاً للشريعة اليهودية. إلا أن يوسيفوس يؤكد لنا أنه
حتى اليهود كسروا شريعة الدفن هذه في بعض الأحيان، إذ كتب في كتاب «حروب
اليهود»: «لقد وصلوا إلى حد إلقاء أجساد المجدفين القتلى دون دفن، رغم
أن اليهود اعتادوا العناية بدفن أجساد الموتى، حتى أنهم كانوا ينزلون أجساد
المصلوبين عن الصليب لدفنها قبل غروب الشمس».
ويعتقد لويسي أن
أقارب المصلوب كان يمكن لهم الحصول على تصريح بدفنه. إلا أن هذا لم يحدث مع
أي قريب ليسوع، فلم يقم أي من تلاميذه الاثنى عشر بذلك. كما أن الثلاثة
رجال المصلوبين الذين أقنع يوسيفوس الامبراطور بإنزالهم عن الصليب لم
يكونوا أقارب له بل أصدقاءه فقط. وهو ىذكرهم باعتبارهم معارفه السابقين».
ويمكن الاحتجاج على عدم مصداقية طلب يوسيفوس هذا، وعلى الاستجابة له. إلا
أن أحداً لا يشكك في هذه الحقائق. فكثيراً ما يتم الاستشهاد بها كوقائع
صحيحة. فلماذا نستبعد أن يكون يوسف الرامي قد قدَّم طلباً مماثلاً
لبيلاطس؟.
ويقدم لنا هنري لاثام
في كتاب «السيد المقام» المعلومات التالية عن دفن يسوع. وهو يستشهد أولاً.
بوصف قبر ربنا عند اكتشافه على يد الإمبراطورة هيلانة. وهذا الوصف يقدمه
يوسابيوس القيصري - أبو التاريخ الكنسي. وهو مأخوذ عن كتاب
«الثيوفانيا»- وهو عمل أعيد اكتشافه خلال هذا القرن ونشر الدكتور لي
ترجمة له في كمبريدچ عام 1843.
والقبر نفسه كهف منحوت على
ما هو واضح، كهف محفور في الصخر لم يُدفن فيه أحد آخر من قبل. لأنه كان
ينبغي لهذا القبر، الذي كان آية في حد ذاته أن يصون هذا الجسد وحده، إذ أنه
من المدهش أن ترى هذه الصخرة قائمة وحدها على أرض مستوية، وبها كهف واحد
فقط. ولو كان هناك أكثر من كهف، لكانت معجزة هذا الذي قهر الموت غامضة.
ويقول جوينبر في
كتابه «يسوع»، صفحة 500، هذه العبارة التي لا تستند إلى دليل: «والحقيقة هي
أننا لا نعرف، ولا التلاميذ أيضاً على الأرجح، أين ألقى الجلادون جسد يسوع
بعد إنزاله عن الصليب. إن إلقائه في حفرة معدة لمن حكم عليهم بالإعدام هو
احتمال أرجح من وضعه في قبر جديد».
«ولما كان المساء جاء رجل
غني من الرامة اسمه يوسف. وكان هو أيضاً تلميذاً ليسوع. فهذا تقدم إلى
بيلاطس وطلب جسد يسوع. فأمر بيلاطس حينئذ أن يعطي الجسد». ( متى 27: 57ب
و58)
«ولما كان المساء إذ كان
الاستعداد، أي ما قبل السبت، جاء يوسف الذي من الرامة مشير شريف وكان هو
أيضاً منتظراً ملكوت الله فتجاسر ودخل إلى بيلاطس وطلب جسد يسوع. فتعجب
بيلاطس أنه مات كذا سريعاً، فدعا قائد المئة وسأله هل له زمان قد مات. ولما
عرف من قائد المئة وهب الجسد ليوسف». ( مرقس 15: 42- 45)
«وإذا رجل اسمه يوسف وكان
مشيراً ورجلاً صالحاً باراً. هذا لم يكن موافقاً لرأيهم وعملهم. وهو من
الرامة مدينة لليهود. وكان هو أيضاً ينتظر ملكوت الله. هذا تقدم إلى بيلاطس
وطلب جسد يسوع» ( لوقا 23: 50- 52).
«ثم إن يوسف الذي من الرامة
وهو تلميذ يسوع ولكن خفية لسبب الخوف من اليهود سأل بيلاطس أن يأخذ جسد
يسوع. فأذن بيلاطس فجاء وأخذ جسد يسوع» ( يوحنا 19: 38).
1(د) يضع
الأستاذ جوينبر هذه الافتراضات دون أي برهان يؤيدها.
2(د) وهو
يغفل تماماً شهادة المصادر العلمانية والكنيسة على هذه الأحداث في القرون
الثلاثة الأولى.
3(د) وهو
يغفل أيضاً قصة الأناجيل الواضحة:
1(هـ)
فلماذا نجد هذه القصة إن لم يكن يوسف الرامي قد أخذ الجسد فعلاً؟
إن النصوص تتحدث عن نفسها.
ولا يمكن لجسد يسوع أن يكون قد ألقى في حفرة للمصلوبين.
2(هـ)
وماذا عن أحداث الإعداد للدفن؟
لماذا سجلت هذه الأحداث إن
لم تكن قد حدثت بالفعل؟
3(هـ)
وماذا عن النسوة اللاتي كن يشاهدن يوسف الرامي ونيقوديموس أثناء تكفين جسد
يسوع ووضعه في القبر؟
«وتبعنه نساء... ونظرن القبر
وكيف وضع جسده» ( لوقا 23: 55).
«وكانت هناك مريم المجدلية
ومريم الأخرى جالستين تجاه القبر» ( متى 27: 61).
«وكانت مريم المجدلية ومريم
أم يوسي تنظران أين وُضع» ( مرقس 15: 47). ولا شك أن هولاء النسوة كن يعرفن
القبر، كما تسجل لنا الأناجيل.
4(هـ) وكيف
نتجاهل المعلومات التي وردت عن القبر؟
«فأخذ يوسف الجسد... ووضعه
في قبره الجديد» ( متى 27: 59 و60) الذي «كان منحوتاً في صخرة» ( مرقس 15:
46)، «حيث لم يكن أحد وضع قط» ( لوقا 23: 53)، الذي كان «في الموضع الذي صلب
فيه... في البستان» ( يوحنا 19: 41).
ويذكر لنا العالم اليوناني
هنري ألفورد ملاحظاته على الشواهد الموجودة في روايات الإنجيل:
«متَّى وحده يذكر أن القبر كان خاصاً بيوسف. ويذكر يوحنا أنه كان في بستان
و«في الموضع الذي صلب فيه» ويشير البشيرون جمعيهم ماعدا مرقس إلى أن القبر
كان جديداً. ولكن يوحنا لا يذكر أن القبر كان ملكاً ليوسف».
وهو يقول عن يوسف الرامي:
«السبب في رغبة يوسف أن يضع الجسد هناك هو أن القبر كان قريباً، وكان
الاستعداد للسبت يستوجب السرعة».
ومن تعليقات الفورد
يمكننا أن نستدل من هذه المعلومات على أن القبر (1) لم يكن كهفاً طبيعياً،
ولكنه كان كهفاً منحوتاً في صخرة. (2) وأنه لم يكن محفوراً إلى أسفل، كما
في قبورنا، بل أفقياً في الصخر.
«فأخذ يوسف الجسد ولفَّه
بكتان نقي» ( متى 27: 59).
«فاشترى كتاناً فأنزله وكفنه
بالكتان» ( مرقس 15: 46).
«وبعدما مضى السبت اشترت
مريم المجدلية ومريم أم يعقوب وسالومة حنوطاً ليأتين ويدهنه» ( |